أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ : أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ ، قَالَ : أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ " لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ سورة الممتحنة آية 8 ، قَالَ : نَسَخَتْهَا : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ سورة التوبة آية 5 . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى الآيَتَيْنِ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : لا وَجْهَ لِادِّعَاءِ النَّسْخِ ، لِأَنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُحَارِبِينَ سَوَاءٌ كَانَ قَرَابَةً أَوْ غَيْرَ قَرَابَةٍ ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْحَرْبِ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلاحٍ ، أَوْ دِلالَةٍ لَهُمْ عَلَى عَوْرَةِ أَهْلِ الْإِسْلامِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا قَدِمَتْ عَلَيْهَا أُمُّهَا قَتِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى الْمَدِينَةَ بِهَدَايَا ، فَلَمْ تَقْبَلْ هَدَايَاهَا وَلَمْ تُدْخِلْهَا مَنْزِلَهَا ، فَسَأَلَتْ لَهَا عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُدْخِلَهَا مَنْزِلَهَا وَتَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا وَتُكْرِمَهَا وَتُحْسِنَ إِلَيْهَا "
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ سورة الممتحنة آية 10 الآيَةُ ، وَقَوْلُهُ : وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ سورة الممتحنة آية 11 الآيَةُ ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَالَحَ مُشْرِكِي مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ ، وَمَنْ أَتَى أَهْلَ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَهُوَ لَهُمْ ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ الْكِتَابَ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْكِتَابِ ، وَفِي تِلْكَ الْمَرْأَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ : الأَوَّلُ : أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ . وَالثَّانِي : سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ . وَالثَّالِثُ : أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ فَنَزَلَتْ فَامْتَحِنُوهُنَّ سورة الممتحنة آية 10 وَفِيمَا كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ : الأَوَّلُ : الإِقْرَارُ بِالإِسْلامِ . وَالثَّانِي : الاسْتِحْلافُ لَهُنَّ : مَا خَرَجْنَ مِنْ بُغْضِ زَوْجٍ ، وَلا رَغْبَةً عَنْ أَرْضٍ ، وَلا الْتِمَاسَ دُنْيَا ، وَمَا خَرَجْنَ إِلا حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ . وَالثَّالِثُ : الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ : إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ سورة الممتحنة آية 12 ، فَإِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ لَمْ يَرُدَّهُنَّ إِلَيْهِنَّ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ، هَلْ دَخَلَ رَدُّ النِّسَاءِ إِلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ لَفْظًا أَوْ عُمُومًا ؟ ، فَقَالَ طَائِفَةٌ : قَدْ كَانَ شَرْطُ رَدِّهِنَّ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُنَّ مِنَ الْعَقْدِ وَأَبْقَاهُ فِي الرِّجَالِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَمْ يَشْرُطْهُ صَرِيحًا بَلْ كَانَ ظَاهِرُ الْعُمُومِ اشْتِمْالَ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلََّ خُرُوجَهُنَّ عَنْ عُمُومِهِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الرِّجَالِ ، لِأَمْرَيْنِ : الأَوَّلُ : أَنَّهُنَّ ذَوَاتُ فُرُوجٍ تَحْرُمْنَ عَلَيْهِمْ . وَالثَّانِي : أَنَّهُنَّ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَسْرَعُ تَقَلُّبًا . فَأَمَّا الْمُقِيمَةُ عَلَى شِرْكِهَا فَمَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : إِنَّمَا لَمْ يَرُدَّ النِّسَاءَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ النَّسْخَ جَائِزٌ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْفِعْلُ فَأَمَّا قَوْلُهُ : وَآتُوهُمْ ، يَعْنِي أَزْوَاجَهُنَّ الْكُفَّارَ ، مَا أَنْفَقُوا ، يَعْنِي : الْمَهْرَ ، وَهَذَا إِذَا تَزَوَّجَهَا مُسْلِمٌ ، فَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا أَحَدٌ ، فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا الْكَافِرِ شَيْءٌ ، وَالأُجُورُ : الْمُهُورُ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ سورة الممتحنة آية 10 . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ سورة المائدة آية 5 وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَوَافِرِ الْوَثَنِيَّاتُ ، ثُمَّ لَوْ قُلْنَا إِنَّهَا عَامَّةٌ كَانَتْ إِبَاحَةُ الْكِتَابِيَّاتِ تَخْصِيصًا لَهَا لا نَسْخًا كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ سورة البقرة آية 221 وَقَوْلُهُ : وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ سورة الممتحنة آية 10 أَيْ : إِنْ لَحِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْكُمْ بِأَهْلِ الْعَهْدِ مِنَ الْكُفَّارِ مُرْتَدَّةً فَاسْأَلُوهُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنَ الْمَهْرِ إِذَا لَمْ يَدْفَعُوهَا إِلَيْكُمْ ، وَلْيَسْأَلُوا سورة الممتحنة آية 10 يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ الذَّينَ لَحِقَتْ أَزْوَاجُهُمْ بِكُمْ مُؤْمِنَاتٍ إِذَا تَزَوَّجْنَ مِنْكُمْ ، مَنْ تَزَوَّجَهُنَّ مَا أَنْفَقُوا وَهُوَ الْمَهْرُ ، وَالْمَعْنَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَغْرَمُوا لَهُمُ الصَّدَقَاتِ كَمَا يَغْرَمُونَ لَكُمْ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ سورة الممتحنة آية 11 أَيْ : أَصَبْتُمُوهُمْ فِي الْقِتَالِ بِعُقُوبَةٍ حَتَّى غَنِمْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا سورة الممتحنة آية 11 أَيْ : أَعْطُوا الأَزْوَاجَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ مَا أَنْفَقُوا مِنَ الْمَهْرِ .