← نواسخ القرآن لابن الجوزي
نواسخ القرآن لابن الجوزي
#80 80 ☰ باب ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سو…
A− A+

قَالَ أَحْمَدُ : وَحَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ " وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سورة البقرة آية 191 ، قَالَ : كَانُوا لا يُقَاتِلُونَ بِهِ حَتَّى يُقَاتِلُوهُمْ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ سورة التوبة آية 5 ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِهِمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ "

وَالثَّانِي : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ سورة البقرة آية 193 ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَالثَّالِثُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ سورة البقرة آية 191 قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتَلَ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالْمُحَقِّقِينَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : فِي مَكَّةَ " أَنَّهَا لا تَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ " ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، أَنَّهُ لَمْ يُحِلَّ الْقِتَالَ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلا يَحِلُّ إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ " . وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُ مَنْ لا عِلْمَ لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةُ نُسِخَتْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ " وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : الأَوَّلُ : أَنَّ الْقُرْآنَ لا يَنْسَخُ إِلا الْقُرْآنَ ، وَلَوْ أَجَزْنَا نَسْخَهُ بِالسَّنَّةِ لاحْتَجْنَا إِلَى أَنْ نَعْتَبِرَ فِي نَقْلِ ذَلِكَ النَّاسِخِ مَا اعْتَبَرْنَا فِي نَقْلِ الْمَنْسُوخِ ، وَطَرِيقُ الرِّوَايَةِ لا يَثْبُتُ ثُبُوتَ الْقُرْآنِ . وَالثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ بِالْإِبَاحَةِ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ ، وَالتَّخْصِيصُ لَيْسَ بِنَسْخٍ ، لِأَنَّ النَّسْخَ مَا رَفَعَ الْحُكْمَ عَلَى الدَّوَامِ ، كَمَا كَانَ ثُبُوتُ حُكْمِ الْمَنْسُوخِ عَلَى الدَّوَامِ ، فَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى التَّخْصِيصِ لا عَلَى النَّسْخِ ، ثُمَّ إِنَّمَا يَكُونُ النَّسْخُ مَعَ تَضَادِّ اجْتِمَاعِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا ادَّعُوهُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا ، وَصَحَّ الْعَمَلُ بِهِمَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ سورة التوبة آية 5 وَقَوْلُهُ : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ سورة البقرة آية 193 فِي غَيْرِ الْحَرَمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ سورة البقرة آية 191 وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ سورة البقرة آية 191 أَيْ : فِي غَيْرِ الْحَرَمِ بِدَلِيَلِ قَوْلِهِ عُقَيْبَ ذَلِكَ : وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ سورة البقرة آية 191 وَلَوْ جَازَ قَتْلُهُمْ فِي الْحَرَمِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْإِخْرَاجِ ، فَقَدْ بَانَ مِمَّا أَوْضَحْنَا إِحْكَامُ الْآيَةِ وَانْتَفَى النَّسْخُ عَنْهَا . ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة البقرة آية 192 اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الِانْتِهَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ : الأَوَّلُ : أَنَّهُ الِانْتِهَاءُ عَنِ الْكُفْرِ . وَالثَّانِي : عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ لا عَنِ الْكُفْرِ ، فَعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ ، وَالثَّانِي يَخْتَلِفُ فِي الْمَعْنَى فَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، مَنْ يَقُولُ : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة البقرة آية 192 إِذْ لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِقِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ بَلْ يَخْرُجُونَ مِنْهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَلا يَكُونُ نَسْخٌ أَيْضًا . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الْمَعْنَى اعْفُوا عَنْهُمْ وَارْحَمُوهُمْ ، فَيَكُونُ لَفْظُ الْآيَةِ لَفْظُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ : الأَمْرُ بِالرَّحْمَةِ لَهُمْ وَالْعَفْوُ عَنْهُمْ ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ . ذِكْرُ الْآيَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ سورة البقرة آية 194 اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْسُوخٌ أَمْ لا عَلَى قَوْلَيْنِ : الأَوَّلُ : أَنَّ فِيهَا مَنْسُوخًا وَاخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : الأَوَّلُ : أَنَّهُ قَوْلُهُ : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ سورة البقرة آية 194 قَالُوا : وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أَدَاءِ عُمْرَتِهِ فَقَضَاهَا فِي السَّنَّةِ الثَّانِيَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَاقْتَضَى هَذَا ، أَنَّ مَنْ فَاتَهُ أَدَاءُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ الَّذِي عَقَدَهُ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَجُعِلَ لَهُ قَضَاؤُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ ، أَمَّا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَوْ غَيْرِهِ ، قَالَ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ : وَمِمَّنْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءٌ . قُلْتُ : وَهَذَا الْقَوْلُ لا يُعْرَفُ عَنْ عَطَاءٍ ، وَلا يَشْتَرِطُ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ ، عَلَى مَنْ مُنِعَ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ أَفْسَدَهَا أَنْ يَقْضِيَهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الشَّهْرِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ قَوْلُهُ : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ سورة البقرة آية 194 . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْكَلامِ وَوَجْهُ نَسْخِهِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا نَزَلَ بِمَكَّةَ ، وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ لَيْسَ لَهُمْ سُلْطَانٌ يَقْهَرُونَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَاطُونَهُمْ بِالشَّتْمِ وَالأَذَى ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْهِمْ مِثْلَ مَا أَتَوْا إِلَيْهِمْ أَوْ يَعْفُوا وَيَصْبِرُوا ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَعَزَّ اللَّهُ سُلْطَانَهُ ، نَسَخَ مَا كَانَ تَقَدَّمَ مِنْ ذَلِكَ ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ إِذَا اعْتُدِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُرَافَعَةٍ إِلَى سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إِلَى السُّلْطَانِ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، قَالَ شَيْخُنَا : وَمِمَّنْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . قُلْتُ : وَهَذَا لا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلا يُعْرَفُ لَهُ صِحَّةٌ ، فَإِنَّ النَّاسَ مَا زَالُوا يَرْجَعُونَ إِلَى رُؤَسَائِهِمْ ، وَسَلاطِينِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلامِ ، إِلا أَنَّهُ لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا اسْتَوْفَى حَقَّ نَفْسِهِ مِنْ خَصِيمِهِ مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ أَجْزَأَ ذَلِكَ ، وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ؟ فِي رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ فِيهِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَهَذَا مَذْكُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَلا يَثْبُتُ ، لَوْ ثَبَتَ كَانَ مَرْدُودًا ، بِأَنَّ دَفْعَ الِاعْتِدَاءِ جَائِزٌ فِي جَمِيعِ الأَزْمِنَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ ، وَهَذَا حُكْمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ ، فَأَمَّا أَوَّلُهَا فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ اقْتَصَّ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِدْخَالِهِ مَكَّةَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
أحمد←حسين←شيبان←قتادة