73 قَالَ الخطيب : وأخبرنا مُحَمَّد بْن علي بْن أَحْمَدَ المقرئ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد ابن جعفر التميميُّ ، بالكوفة ، أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن حاتم بْن إدريس البلخي ، حَدَّثَنَا نصر بْن المكي ، حَدَّثَنَا ابن عبد الحكم ، قَالَ : " ما رأينا مثل الشافعيِّ ، كان أصحابُ الحديث ، ونقاده يجيئون إليه ، فيعرضون عليه ، فربما أعلَّ نَقْدَ النقاد منهم ، ويُوقفهم على غوامضَ من علل الحديث ، لم يقفوا عليها ، فيقومون ، وهم متعجبون منه ، ويأتيه أصحابُ الفقه المخالفون ، والموافقون فلا يقومون إلا وهم مذعنون له بالحذق والديانة ، ويجيئه أصحاب الأدب ، فيقرءون عليه الشعر فيفسره ، ولقد كان يحفظ عشرة آلاف بيت شعر من أشعار هذيل بإعرابها ، وغريبها ، ومعانيها ، وكان من أحفظ الناس للتاريخ ، وكان يُعينه على ذلك شيئان : وفور عقل ، وصحة دين ، وكان ملاك أمره إخلاص العمل لله عزَّ وجل "
قَالَ الخطيب : وقد نُقلَ عن الشافعيِّ ، مع ضبطه للحديث كلامٌ في أحوال الرواة يدل على بصره بهذا الشأن ، وتبحره فيه ، ومعرفته به ، فمن ذلك قوله : " الرواية عن حرام بْن عثمان حرام " . وذكر داودَ بْن قيس الفراء ، وأفلحَ بْن أَحْمَدَ الأنصاريَّ ، فرفع بهما في الثقة والأمانة . وسُئل عن أسامة بْن زيد الليثي ، ومحمد بْن أبي حُميد ، فقال : لا بأس بهما . وغمض على ليث بْن أبي سليم ، وقال : مَنْ يُحَدِّث عن أبي جابر البياضي ، بَيَّضَ الله عينه . وسئل عن عبد الرحمن بْن زيد بْن أسلم ، فحكى من أمره ما يُوجب ضَعْفَهُ ، وتَرْكَ الاحتجاجِ بحديثه . وقال : " إرسال الزهري ، عندنا ليس بشيءٍ ، وذلك أنَّا نجده يروي ، عن سليمان بْن أرقم " . قَالَ الخطيب : ولو اجتهد المتقن الحافظ ، وتحرى البصير الناقد ، أن يصف هؤلاء المذكورين آنفًا على قدر أحوالهم ، وتنزيلهم في الرواية منازلهم ، لما عدى ما ذكر الشافعيُّ من أمرهم ، وهذا يدل على علمٍ وافرٍ ، ومعرفةٍ ثاقبةٍ ، وبصيرةٍ نافذة .