← شجرة الإسناد
المتن · 841
580 أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْو…
طريق واحد
موثّق
حدّي
ضعيف
المدار — تدور الطرق على هذا الراوي
↓ المصدر (النبي ﷺ) في الأعلى؛ وكل فرع تلميذ نقله إلى أحد الجامعين · مرّر أو اسحب للتحريك، و⌘/Ctrl مع التمرير أو الأزرار للتكبير
المتون · الألفاظ عبر الطرق
صيغة مميزة واحدة · المظلّل = يختلف عن الرواية الأساس
#1
الأساس
إسناد واحد
580 أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا وَفِيهِمْ رَجُلٌ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي لَسْتُ مِنْهُمْ ، عَشِقْتُ امْرَأَةً فَلَحِقْتُهَا ، فَدَعُونِي أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَظْرَةً ، ثُمَّ اصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ . @ 1 : 439 @ فَإِذَا امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ أَدْمَاءُ ، فَقَالَ : أَسْلِمِي حُبَيْشُ قَبْلَ نَفَادِ الْعَيْشِ : أَرَيْتُكِ لَوْ أَتْبَعْتُكُمْ فَلَحِقْتُكُمْ بِحَلْيَةَ أَوْ أَدْرَكُتْكُمْ بِالْخَوَانِقِ أَمَا كَانَ حَقًّا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ فَقَالَتْ : نَعَمْ فَدَيْتُكَ ، فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ ، فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ فَشَهِقَتْ شَهْقَةً أَوْ شَهْقَتَيْنِ ، ثُمَّ مَاتَتْ , فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : " أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَحِيمٌ ! ! " @ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّائِفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّسْتُرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْعَدَةَ الأَخْفَشُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَحْذُورَةَ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الرَّاوِيَةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْفَرَزْدَقَ ، يَقُولُ : أَبَقَ غُلامَانِ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي نَهْشَلٍ ، يُقَالُ لَهُ : الْخَضِرُ ، فَحَدَّثَنِي الْخَضِرُ ، قَالَ : خَرَجْتُ أَبْغِيهِمَا ، وَقَصَدْتُ نَاحِيَةَ الْيَمَامَةِ عَلَى نَاقَةٍ لِي عَبْسَاءَ كَوْمَاءَ , قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ : الْعَبْسَاءُ الْبَيْضَاءُ ، وَالْكَوْمَاءُ الْعَظِيمَةُ السَّنَامِ , فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ فَرَعِدَتْ وَأَبْرَقَتْ وَحَلَّتْ عَزَالِيهَا ، فَمِلْتُ إِلَى بَعْضِ دِيَارِ بَنِي حَنِيفَةَ ، فَقَصَدْتُ دَارًا وَطَلَبْتُ الْقِرَى . فَقِيلَ لِي : ادْخُلْ ، فَأَنَخْتُ نَاقَتِي وَدَخَلْتُ ، فَجَلَسْتُ تَحْتَ ظُلَّةٍ مِنْ جَرِيدٍ ، وَفِي الدَّارِ جُوَيْرِيَّةٌ سَوْدَاءُ ، فَدَخَلَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا سَبِيكَةُ فِضَّةٍ ، وَكَأَنَّ عَيْنَيْهَا كَوْكَبَانِ ، فَقَالَتْ : لِمَنْ هَذِهِ النَّاقَةُ ؟ قَالَتِ السُّوَيْدَاءُ : لِضَيْفِكُمْ هَذَا ، فَسَلَّمَتْ عَلَيَّ ، وَقَالَتْ : مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ 5 قُلْتُ : مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ ، قَالَتْ : مِنْ أَيِّهِمْ ؟ قُلْتُ : مِنْ بَنِي نَهْشَلٍ ، قَالَتْ : فَأَنْتَ مِنَ الْبَيْتِ ، يَقُولُ فِيهُمُ الْفَرَزْدَقُ : إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ بَيْتًا بَنَاهُ لَنَا الْمَلِيكُ وَمَا بَنَى مَلَكُ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ لا يُنْقَلُ بَيْتٌ زُرَارَةُ مُحْتَبٍ بِفِنَائِهِ وَمُجَاشِعٌ وَأَبُو الْفَوَارِسِ نَهْشَلُ @ 1 : 440 @ فَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا ، قَالَتْ : إِلا أَنَّ ابْنَ الْخَطْفِيِّ نَقَضَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَخْزَى الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ مُجَاشِعًا وَبَنَى بِنَاءَكَ بِالْحَضِيضِ الأَسْفَلِ بَيْتًا يُخَيِّمُ قَيْنُكُمْ بِفِنَائِهِ دَنِسًا مَقَاعِدُهُ خَبِيثَ الْمُدْخَلِ فَخَجِلْتُ ، وَاسْتَحْيَيْتُ ، فَقُلْتُ لَهَا : أَيِّمٌ أَنْتِ أَمْ ذَاتُ بَعْلٍ ؟ فَقَالَتْ : إِذَا رَقَدَ النِّيَامُ فَإِنَّ عَمْرًا تُؤَرِّقُهُ الْهُمُومُ إِلَى الصَّبَاحِ تُقَطِّعُ قَلْبَهُ الذِّكْرَى وَقَلْبِي فَمَا هُوَ بِالْخَلِيِّ وَلا بِصَاحِ سَقَى اللَّهُ الْيَمَامَةَ دَارَ قَوْمٍ بِهَا عَمْرٌو يَحِنُّ إِلَى الرَّوَاحِ فَقُلْتُ لَهَا : مَنْ عَمْرٌو هَذَا ؟ فَقَالَتْ : سَأَلْتَ وَلَوْ عَلِمْتَ كَفَفْتَ عَنْهُ وَمَنْ لَكَ بِالْجَوَابِ سِوَى الْخَبِيرِ فَإِنْ تَكُ سَائِلا عَنْهُ فَعَمْرٌو مَعَ الْقَمَرِ الْمُضِيءِ الْمُسْتَنِيرِ ثُمَّ قَالَتْ : أَيْنَ تَؤُمُّ ؟ قُلْتُ : الْيَمَامَةَ ، فَتَنَفَّسَتِ الصَّعْدَاءَ ، ثُمَّ قَالَتْ : تُذَكِّرُنِي بِلادًا حَلَّ أَهْلِي بِهَا أَهْلُ الْمَوَّدَةِ وَالْكَرَامَهْ أَلا فَسَقَى الإِلَهُ أَجَشَّ صَوْتٍ يَسِحُّ بِدَرِّهِ بَلَدَ الْيَمَامَهْ وَحَيَّا بِالسَّلامِ أَبَا نُجَيْدٍ فَأَهْلٌ لِلْتَحِيَّةِ وَالسَّلامَهْ ثُمَّ قَالَتْ : يُخَيَّلُ لِي أَيَا كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو بِأَنَّكَ قَدْ حُمِلْتَ عَلَى السَّرِيرِ فَإِنْ تَكُ هَكَذَا يَا عَمْرُو إِنِّي مُبَكِّرَةٌ عَلَيْكَ إِلَى الْقُبُورِ ثُمَّ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ , فَسَأَلْتُ عَنْهَا ، فَقِيلَ لِي : هِيَ مِنْ وَلَدِ مُعَرَّقِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ , وَعَمْرُو بْنُ كَعْبٍ هَوَى لَهَا بِالْيَمَامَةِ , فَرَكِبْتُ نَاقَتِي وَسِرْتُ إِلَى الْيَمَامَةِ , فَسَأَلْتُ عَنْ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ , فَخُبِّرْتُ أَنَّهُ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي قَالَتِ الْجَارِيَةُ مَا قَالَتْ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَجْلانَ النَّهْدِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ : @ 1 : 441 @ أَلا إِنَّ هِنْدًا أَصْبَحَتْ مِنْكَ مَحْرَمًا وَأَصْبَحْتَ مِنْ أَدْنَى حُمَيِّمِهَا حِمَى وَأَصْبَحْتَ كَالْمَقْمُورِ جَفْنُ سَلاحِهِ يُقَلِّبُ بِالْكَفَّيْنِ قَوْسًا وَأَسْهُمَا وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ حَتَّى مَاتَ " @ ! أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، قَالَ : خَرَجْتُ فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ لِي ، فَبَيْنَا أَنَا أَدُورُ فِي أَرْضِ بَنِي عُذْرَةَ أَنْشُدُ ضَالَّتِي إِذَا بِبَيْتٍ مُعْتَزِلٍ عَنِ الْبُيُوتِ ، وَإِذَا فِي كَسْرِ الْبَيْتِ فَتًى شَابٌّ مُغْمَى عَلَيْهِ ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ عَجُوزٌ لَهَا بَقِيَّةٌ مِنْ جَمَالٍ سَاهِيَةٌ تَنْظُرُ إِلَيْهِ , فَسَلَّمْتُ ، فَرَدَّتِ السَّلامَ ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ ضَالَّتِي فَلَمْ يَكُ عِنْدَهَا مِنْهَا عِلْمٌ ، فَقُلْتُ : أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ مَنْ هَذَا الْفَتَى ؟ قَالَتِ : ابْنِي ، ثُمَّ قَالَتْ : هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ لا مَئُونَةَ فِيهِ ؟ فَقُلْتُ : وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ الأَجْرَ وَإِنْ رُزِئْتُ ، فَقَالَتْ : إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ ، وَكَانَ عَلِقَهَا وَهُمَا صَغِيرَانِ ، فَلَمَّا كَبِرَا حُجِبَتْ عَنْهُ ، فَأَخَذَهُ شَبِيهٌ بِالْجُنُونِ ، ثُمَّ خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا ، فَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهِ ، وَخَطَبَهَا غَيْرُهُ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ، فَنَحَلَ جِسْمُ وَلَدِي ، وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ ، وَذُهِلَ عَقْلُهُ . فَلَمَّا كَانَ مُنْذُ خَمْسٍ زُفَّتْ إِلَى زَوْجِهَا فَهُوَ كَمَا تَرَى لا يَأْكُلُ وَلا يَشْرَبُ مُغْمَى عَلَيْهِ ، فَلَوْ نَزَلْتَ إِلَيْهِ فَوَعَظْتَهُ , قَالَ : فَنَزَلْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ أَدَعْ شَيْئًا مِنَ الْمَوْعِظَةِ إِلا وَعَظْتُهُ ، حَتَّى أَنِّي قُلْتُ فِيمَا قُلْتُ : إِنَّهُنَّ الْغَوَانِي صَاحِبَاتُ يُوسُفَ النَّاقِضَاتُ الْعَهْدِ ، وَقَدْ قَالَ فِيهِنَّ كُثَيِّرُ عَزَّةَ : هَلْ وَصْلُ عَزَّةَ إِلا وَصْلُ غَانِيَةٍ فِي وَصْلِ غَانِيَةٍ مِنْ وَصْلِهَا خُلْفُ قَالَ : فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ كَالْمُغْضَبِ ، وَهُوَ يَقُولُ ، لَسْتُ كَكُثَيِّرِ عَزَّةَ ، إِنَّ كُثَيِّرًا رَجُلٌ مَائِقٌ ، وَأَنَا رَجُلٌ وَامِقٌ ، وَلَكِنِّي كَأَخِي تَمِيمٍ حَيْثُ يَقُولُ : أَلا لا يَضِيرُ الْحُبُّ مَا كَانَ ظَاهِرًا وَلَكِنَّ مَا اجْتَافَ الْفُؤَادُ يَضِيرُ أَلا قَاتَلَ اللَّهُ الْهَوَى كَيْفَ قَادَنِي كَمَا قِيدَ مَغْلُولُ الْيَدَيْنِ أَسِيرُ فَقُلْتُ لَهُ : فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ أُصِيبَ مِنْكُمْ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي " , فَأَنْشَأَ يَقُولُ : @ 1 : 442 @ أَلا مَا لِلْمَلِيحَةِ لَمْ تَعُدْنِي أَبُخْلٌ بِالْمَلِيحَةِ أَمْ صُدُودُ مَرِضْتُ فَعَادَنِي أَهْلِي جَمِيعًا فَمَا لَكِ لا تُرَيْ فِيمَنْ يَعُودُ فَقَدْتُكِ بَيْنَهُمْ فَبَكَيْتُ شَوْقًا وَفَقْدُ الإِلْفِ يَا أَمَلِي شَدِيدُ وَمَا اسْتَبْطَأْتُ غَيْرَكِ فَاعْلَمِيهِ وَحَوْلِي مِنْ ذَوِي رَحِمِي عَدِيدُ وَلَوْ كُنْتِ الْمَرِيضَ لَكُنْتُ أَسْعَى إِلَيْكِ وَمَا يُهَدِّدُنِي الْوَعِيدُ قَالَ : ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً وَخَفَتَ فَمَاتَ , فَبَكَتِ الْعَجُوزُ ، وَقَالَتْ : فَاضَتْ وَاللَّهِ نَفْسُهُ . فَدَخَلَنِي أَمْرٌ لَمْ يَدْخُلْنِي مِثْلُهُ ، فَلَمَّا رَأَتِ الْعَجُوزُ مَا حَلَّ بِي ، قَالَتْ : يَا فَتَى لا تُرَعْ ، مَاتَ وَاللَّهِ وَلَدِي بِأَجَلِهِ ، وَاسْتَرَاحَ مِنْ تَبَارِيحِهِ وَغُصَصِهِ ، ثُمَّ قَالَتْ : هَلْ لَكَ فِي اسْتِكْمَالِ الصَّنْعَةِ ؟ قُلْتُ : قُولِي مَا أَحْبَبْتِ ، قَالَتْ : تَأْتِي الْبُيُوتَ فَتَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ لِيُعَاوِنُونِي عَلَى رَمْسِهِ ، فَإِنِّي وَحِيدَةٌ . قَالَ : فَرَكِبْتُ نَحْوَ الْبُيُوتِ فَرَسِي ، فَإِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ أَجْمَلُ مَا رَأَيْتُ مِنَ النِّسَاءِ نَاشِرَةً شَعْرَهَا ، حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ ، فَقَالَتْ : بِفِيكَ الْحَجَرُ الْمُصْلَتُ ، مَنْ تَنْعِي ؟ قُلْتُ : أَنْعِي فُلانًا . قَالَتْ : أَوَ قَدْ مَاتَ ؟ قُلْتُ : إِي وَاللَّهِ قَدْ مَاتَ . قَالَتْ : فَهَلْ سَمِعْتَ لَهُ قَوْلا ، قُلْتُ : اللَّهُمَّ لا ، إِلا شِعْرًا ، قَالَتْ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : فَأَنْشَدْتُهَا قَوْلَهُ : أَلا مَا لِلْمَلِيحَةِ لَمْ تَعُدْنِي أَبُخْلٌ بِالْمَلِيحَةِ أَمْ صُدُودُ فَاسْتَعْبَرَتْ بَاكِيَةً ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ : عَدَانِي أَنْ أَزُورَكَ يَا مُنَايَ مَعَاشِرُ كُلُهُّمْ وَاشٍ حَسُودُ أَشَاعُوا مَا عَلِمْتَ مِنَ الدَّوَاهِي وَعَابُونَا وَمَا فِيهِمْ رَشِيدُ فَلَمَّا أَنْ ثَوَيْتَ الْيَوْمَ لَحْدًا فَكُلُّ النَّاسِ دُورُهُمُ لُحُودُ فَلا طَابَتْ لِيَ الدُّنْيَا فُوَاقًا وَلا لَهُمُ وَلا أَثْرَى الْعَدِيدُ ثُمَّ شَهِقَتْ شَهْقَةً خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا ، وَخَرَجَ النِّسَاءُ مِنَ الْبُيُوتِ ، وَاضْطَرَبَتْ سَاعَةً @ 1 : 443 @ وَمَاتَتْ ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ الْحَيَّ حَتَّى دَفَنْتُهُمَا جَمِيعًا , وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ @ ! فَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّمْسَارِ ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ قُشَيْشٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيِّ ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الأُبَيْدِيُّ : وَجَّهَنِي عَامِلُ الْمَدِينَةِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ ، وَكَتَبَ مَعِي كِتَابًا فَسِرْنَا ، حَتَّى إِذَا خَلَّفْنَا الْمَدِينَةَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ حَدِيثِ السِّنِّ ، وَاضِعٌ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مُخْتَمِرَةٍ قَدْ خَلا مِنْ نَسَبِهَا وَفِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ جَمَالٍ ، وَالشَّابُّ يَتَمَلْمَلُ وَيَضْطَرِبُ ، وَكُلَّمَا تَنَحَّى رَأْسُهُ مِنْ حِجْرِهَا رَدَّتِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا ، وَأَنَا عَلَى بَغْلَةٍ ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّتِ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَرُدَّ الشَّابُّ ، فَتَفَرَّسَتْ فِيَّ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ مِنْ غَيْرِ مِرْزَأَةٍ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ الأَجْرَ وَإِنْ رُزِئْتُ ، قَالَتْ : إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ ، وَكَانَ عَلِقَهَا وَهُمَا صَغِيرَانِ ، فَلَمَّا حُجِبَتْ خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا ، وَنَحْنُ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْلَفُ الْمَرْأَةَ فِي صِغَرِهِ لَمْ يُزَوِّجُوهُ مَخَافَةَ أَنْ تُرْمَى بِالْعَيْبِ ، فَيُقَالُ : قَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا سُوءٌ قَبْلَ التَّزْوِيجِ ، قَالَتْ : وَخَطَبَ الْمَرْأَةَ ابْنُ عَمٍّ لَهَا آخَرُ فَزُوِّجَتْ مِنْهُ ، فَهُوَ عَلَى مَا تَرَى مُنْذُ بَلَغَهُ لا يَأْكُلُ وَلا يَشْرَبُ وَلا يُصَلِّي وَلا يَعْقِلُ قَالَ : فَنَزَلْتُ إِلَيْهِ ، فَلَمْ أَدَعْ لَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْعِظَةِ إِلا وَعَظْتُهُ ، وَقُلْتُ لَهُ : أَتَرْغَبُ فِيمَنْ لا يَرْغَبُ فِيكَ ، وَإِنْ عَظُمَتْ عَلَيْكَ الْمُصِيبَةُ فِيهَا ، فَاذْكُرْ مُصِيبَتَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : " مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَعَظُمَتْ عَلَيْهِ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي ، فَإِنَّهَا أَعْظَمُ الْمُصِيبَاتِ " , قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْعِظَةِ إِلا وَعَظْتُهُ بِهَا ، وَفَتَلْتُ لَهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالْغَارِبِ وَمَا يَحِيرُ كَلِمَةً وَلا جَوَابًا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ : أَلا مَا لِلْمَلِيحَةِ لَمْ تَعُدْنِي أَبُخْلٌ بِالْمَلِيحَةِ أَمْ صُدُودُ مَرِضْتُ فَعَادَنِي أَهْلِي جَمِيعًا فَمَا لَكِ لَمْ تُرَيْ فِيمَنْ يَعُودُ فَقَدْتُكِ بَيْنَهُمْ فَبَكَيْتُ شَوْقًا وَفَقْدُ الإِلْفِ يَا أَمَلِي شَدِيدُ وَمَا اسْتَبْطَأْتُ غَيْرَكِ فَاعْلَمِيهِ وَحَوْلِي مِنْ ذَوِي رَحِمِي عَدِيدُ وَلَوْ كُنْتِ الْمَرِيضَ لَكُنْتُ أَسْعَى إِلَيْكِ وَمَا يُهَدِّدُنِي الْوَعِيدُ @ 1 : 444 @ قَالَ : ثُمَّ شَهَِقَ وَخَفَتَ فَمَاتَ ، فَدَخَلَنِي أَمْرٌ شَدِيدٌ ، وَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ مَاتَ مِنَ عِظَتِي وَكَلامِي ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ مَا بِي ، قَالَتْ : هَوِّنْ عَلَيْكَ ، عَاشَ بِأَجَلٍ ، وَمَاتَ بِقَدَرٍ ، وَقَدِمَ عَلَى رَبٍّ غَفُورٍ وَاسْتَرَاحَ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الْبَلاءِ ، فَهَلْ لَكَ فِي اسْتِتْمَامِ مَا صَنَعْتَ ، فَاسْتَرَحْتُ إِلَى قَوْلِهَا ، وَقُلْتُ : فَمَا هُوَ ؟ قَالَتْ : هَذِهِ أَبْيَاتٌ مِنَّا غَيْرَ بَعِيدٍ فَتَأْتِيَهُمْ فَتَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ وَتَأْمُرُهُمْ بِحُضُورِهِ . . . فَأَقْبَلْتُ أَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ وَقَدْ حَفِظْتُ الشِّعْرَ ، فَبَيْنَا أَنَا أَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ ، إِذَا خَيْمَةٌ قَدْ رُفِعَ جَانِبٌ مِنْهَا ، فَإِذَا امْرَأَةٌ قَدْ خَرَجَتْ كَأَنَّهَا الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، نَاشِرَةً شَعَرَهَا تَجُرُّ خِمَارَهَا ، وَهِيَ تَقُولُ : بِفِيكَ الْحَجَرُ مَنْ تَنْعِي ، قُلْتُ : فُلانَ بْنَ فُلانٍ ، قَالَتْ : آللَّهِ لَقَدْ زَارَتْهُ شُعُوبٌ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَتْ : فَهَلْ قَالَ مِنْ قَوْلٍ قَبْلَ وَفَاتِهِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، وَقَدْ حَفَظْتُهُ ، فَأَنْشَدْتُهَا الشِّعْرَ ، فَوَاللَّهِ مَا نَهْنَهَتْ أَنْ قَالَتْ : عَدَانِي أَنْ أَزُورَكَ يَا حَبِيبِي مَعَاشِرُ كُلُّهُمْ وَاشٍ حَسُودُ أَشَاعُوا مَا سَمِعْتَ مِنَ الدَّوَاهِي وَعَابُونَا وَمَا فِيهِمْ رَشِيدُ فَأَمَّا إِذْ ثَوَيْتَ الْيَوْمَ لَحْدًا وَدُورُ النَّاسِ كُلُّهُمُ اللُّحُودُ فَلا طَابَتْ لِيَ الدُّنْيَا فَوَاقًا وَلا لَهُمُ وَلا أَثْرَى عَدِيدُ @ وَبِالإِسْنَادِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : قَالَ الضَّبِّيُّ : عَشِقَ كَامِلُ بْنُ الْوَضِينِ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسَافِرٍ ، ابْنَةَ عَمِّهِ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ الْعِشْقُ حَتَّى صَارَ كَالشَّنِ الْبَالِي ، فَشَكَا أَبُوهُ إِلَى أَبِيهَا مَا نَزَلَ بِابْنِهِ ، فَأَمَرَ فَحُمِلَ إِلَى دَارِهِ لِيُزَوِّجَهَا مِنْهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَامِلُ بْنُ الْوَضِينِ ، فَعَلِمَ ، فَقَالَ : وَإِنَّ أَسْمَاءَ لَتَسْمَعُ كَلامِي ، قِيلَ : نَعَمْ ، فَشَهِقَ شَهْقَةً وَقَضَى مَكَانَهُ , فَقِيلَ لَهَا : مَاتَ بِغُصَّةِ شَجَنِهِ ، قَالَتْ : وَاللَّهِ لأَمُوتَنَّ بِمِثْلِهَا ، وَلَقَدْ كُنْتُ عَلَى زِيَارَتِهِ قَادِرَةً ، فَمَنَعَنِي مِنْهَا قُبْحُ ذِكْرِ الرِّيبَةِ ، وَمَرِضَتْ ، فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهَا الْمَرَضُ ، قَالَتْ : لأَشْفَقِ نِسَائِهَا عَلَيْهَا صَوِّرِي لِي مِثَالَهُ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزُورَهُ قَبْلَ مَوْتِي ، فَفَعَلَتْ فَلَمَّا وَصَلَتِ الصُّورَةُ اعْتَنَقَتْهَا ، وَشَهِقَتْ فَقَضَتْ . فَطَلَبَ أَبُو الْفَتَى إِلَى أَبِيهَا أَنْ يَدْفِنَهَا بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ ابْنِهِ ، فَفَعَلَ وَكَتَبَ عَلَى قَبْرَيْهِمَا : بِنَفْسِي هُمَا لَمْ يُمَتَّعَا بِهَوَاهُمَا عَلَى الدَّهْرِ حَتَّى غُيِّبَا فِي الْمَقَابِرِ أَقَامَا عَلَى غَيْرِ التَّزَاوُرِ بُرْهَةً فَلَمَّا أُصِيبَا قُرِّبَا بِالتَّزَاوُرِ فَيَا حُسْنَ قَبْرٍ زَارَ قَبْرًا يُحِبُّهُ وَيَا زَوْرَةً جَاءَتْ بِرَيْبِ الْمَقَادِرِ " @ 1 : 445 @ @ وَبِالإِسْنَادِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبَّاسٍ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ، قَالَ : كَانَ فِينَا فَتًى ظَرِيفٌ غَزِلٌ ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَحَدَّثُ إِلَى النِّسَاءِ ، فَهَوَى جَارِيَةً مِنَ الْحَيِّ فَرَاسَلَهَا ، فَأَظْهَرَتْ لَهُ جَفْوَةً ، فَوَقَعَ مُضْنًى مُدْنِفًا ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ وَتَبَيَّنَتْ دَنَفَهُ ، فَلَمْ يَزَلِ النِّسَاءُ مِنْ أَهْلِهِ وَأَهْلِهَا يُكَلِّمُوَنَهَا فِيهِ ، حَتَّى أَجَابَتْهُ فَصَارَتْ إِلَيْهِ عَائِدَةً ، وَمُسَلِّمَةً ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ تَحَدَّرَتْ عَيْنَاهُ بِالدِّمُوعِ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : أَرَيْتُكِ إِنْ مَرَّتْ عَلَيْكِ جَِنَازَتِي يلُوحُ بِهَا أَيْدٍ طُوَالٍ وَشُرَّعُ أَمَا تَتْبَعِينَ النَّعْشَ حَتَّى تُسَلِّمِي عَلَى رَمْسِ مَيْتٍ فِي الْحَفِيرَةِ مُودَعِ قَالَ : فَبَكَتْ رَحْمَةً لَهُ ، وَقَالَتْ : مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ بَلَغَ بِكَ هَذَا ، فَوَاللَّهِ لأُسَاعِدَنَّكَ وَلأُدَاوِمَنَّ عَلَى وَصْلِكَ ، فَهَمِلَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : دَنَتْ وَظِلالُ الْمَوْتِ بيني وبينها ومنت بوصل حين لا يَنْفَعُ الْوَصْلُ ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ تَلْثُمُهُ وَتَبْكِي ، فَرُفِعَتْ عَنْهُ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا ، فَمَا مَكَثَتْ بَعْدَهُ إِلا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَتْ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ ، قَالَ : وَجَدْتُ بِخَطِّ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَبَنُوسِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ أَصْلِهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ الأَزْدِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا السَّاجِيُّ ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ ، قَالَ : رَأَيْتُ بِالْبَادِيَةِ رَجُلا قَدْ دُقَّ عَظْمُهُ وَضَؤُلَ جِسْمُهُ وَرَقَّ جِلْدُهُ ، فَتَعَجَّبْتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ أَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ ، فَلَمْ يُرِدْ جَوَابًا ، فَسَأَلْتُ جَمَاعَةً حَوْلَهُ عَنْ حَالِهِ ، فَقَالُوا : اذْكُرْ لَهُ شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ يُكَلِّمْكَ ، فَقُلْتُ : سَبَقَ الْقَضَاءُ بِأَنَّنِي لَكَ عَاشِقٌ حَتَّى الْمَمَاتِ فَأَيْنَ مِنْكَ مَذَاهِبِي فَشَهِقَ شَهْقَةً ظَنَنْتُ أَنَّ رُوحَهُ قَدْ فَارَقَتْهُ ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : أَخْلُو بِذِكْرِكِ لا أُرِيدُ مُحَدِّثًا وَكَفَى بِذَلِكَ نِعْمَةً وَسُرُورَا أَبْكِي فَيُطْرِبُنِي الْبُكَاءُ وَتَارَةً يَأْبَى فَيَأْتِي مَنْ أُحِبُّ أَسِيرَا @ 1 : 446 @ قَالَ : فَقُلْتُ أَخْبَرَنِي عَنْكَ ، قَالَ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ عِلْمَ ذَلِكَ فَاحْمِلْنِي وَأَلْقِنِي عَلَى بَابِ تِلْكَ الْخَيْمَةِ ، فَفَعَلْتُ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ : بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ يَرْفَعُهُ بِجُهْدِهِ : أَلا مَا لِلْمَلِيحَةِ لا تَعُودُ أَبُخْلٌ بِالْمَلِيحَةِ أَمْ صُدُودُ فَلَوْ كُنْتِ الْمَرِيضَةَ جِئْتُ أَسْعَى إِلَيْكِ وَلَمْ يُنَهْنِهْنِي الْوَعِيدُ فَإِذَا جَارِيَةٌ مِثْلَ الْقَمَرِ قَدْ خَرَجَتْ ، فَأَلْقَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ ، فَاعْتَنَقَا وَطَالَ ذَلِكَ ، فَسَتَرْتُهُمَا بِثَوْبِي خَشْيَةَ أَنْ يَرَاهُمَا النَّاسُ ، فَلَمَّا خِفْتُ عَلَيْهِمَا الْفَضِيحَةَ فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا هُمَا مَيِّتَانِ ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى صَلَّيْتُ عَلَيْهِمَا وَدَفَنْتُهُمَا ، فَسَأَلْتُ عَنْهُمَا ، فَقِيلَ لِي : عَامِرُ بْنُ غَالِبٍ وَجَمِيلَةُ بِنْتُ أَمْيَلَ الْمُزَنِيَّانِ ، فانصرفت @ أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ، ومحمد بن ناصر , قَالا : أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَازِنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْقَيْسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُنَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدٌ لآلِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ شَيْخًا جَالِسًا عَلَى هَضَبَةٍ يَبْكِي ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : الرَّحْمَةُ لِجَارِيَةٍ مِنَّا كَانَتْ تَنْزِلُ فِي أَقْصَى بِلادِ كَلْبٍ ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، فَغَلَبَهَا الشَّوْقُ وَأَضَرَّ بِهَا الْجَوَى ، فَأَشْرَفَتْ فَوْقَ عُلِّيَةٍ ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ : لَعَمْرِي لَئِنْ أَشَرَفْتُ أَرْفَعُ مَا أَرَى وَكَلَّفْتُ عَيْنِي مَنْظَرًا مُتَعَادِيَا وَقُلْتُ زِيَادًا تُؤْنَسِينَ وَأَهْلَهُ أَمِ الشَّوْقُ يُدْنِي مِنْكِ مَا لَيْسَ دَانِيَا وَقُلْتُ لِبَطْنِ الْجِنِّ حِينَ رَأَيْتُهُ سَقَى اللَّهُ أَعْلاكَ السَّحَابَ الْغَوَادِيَا ثُمَّ قَضَتْ مِنْ وَقْتِهَا فِي مَكَانِهَا . بَطْنُ الْجِنِّ : وَادٍ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : نَقَلْتُ مِنْ خِطِّ ابْنِ حَيُّوَيْهِ ، عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَدَائِنِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ ، قَالَ : كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَانَ شَاعِرًا ، وَكَانَ عِنْدَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ ، وَكَانَ عَاشِقًا لَهَا مُسْتَهْتِرًا بِهَا فَضَاقَ ضِيقَةً شَدِيدَةً ، وَأَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى هِشَامٍ إِلَى الرُّصَافَةِ فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَجِدُ بِهَا وَكَرِهَ فِرَاقَهَا ، فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا وَقَدْ بَلَغَ مِنْهَا الضِّيقُ : يَا عَمِّ أَلا تَأْتِي الْخَلِيفَةَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَقْسِمَ لَكَ مِنْهُ رِزْقًا ، فَيَكْشِفَ بِهِ بَعْضَ مَا نَحْنُ فِيهِ ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهَا نَشَطَ لِلْخُرُوجِ ، فَتَجَهَّزَ وَمَضَى ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الرُّصَافَةِ عَلَى أَمْيَالٍ خَطَرَ ذِكْرُهَا بِقَلْبِهِ ، وَتَمَثَلَّتْ لَهُ ، فَلَبِثَ سَاعَةً شَبِيهًا بِالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ : لِلْجَمَّالِ احْبِسْ فَحَبَسَ إِبِلَهُ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ : @ 1 : 447 @ بَيْنَمَا نَحْنُ مِنْ بَلاكِثَ فَالْقَاعِ سِرَاعًا وَالْعِيسُ تَهْوِي هَوِيَّا خَطَرَتْ خَطْرَةٌ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ ذِكْرَاكِ وَهْنًا فَمَا أَطَقْتُ مُضِيَّا قُلْتُ لَبَيِّكِ إِذْ دَعَانِي لَكَ الشَّوْقُ وَلِلْحَادِيِّينَ رُدَّا الْمَطِيَا ثُمَّ قَالَ لِلْجَمَّالِ : ارْجِعْ بِنَا , فَقَالَ لَهُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغْتَ ، وَهَذِهِ أَبْيَاتُ الرُّصَافَةِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لا تَخْطُو خُطْوَةً إِلا رَاجِعَةً , فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَدْرِ مِيلٍ لَقِيَهُ بَعْضُ بَنِي عَمِّهِ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ قَدْ تُوُفِّيَتْ ، فَشِهَقَ شَهْقَةً وَسَقَطَ عَنْ 5 ظَهْرِ الْبَعِيرِ مَيِّتًا " @ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ الْمُقْرِئُ ، وَشُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الإِبَرِيُّ ، قَالا : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الأَزَجِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ جَهْضَمٍ الصُّوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَاتِبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَرْجَلانِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُعَاذٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْعَابِدُ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ عِنْدَنَا بِالْكُوفَةِ شَابٌّ يَتَعَبَّدُ لازِمٌ لِلْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهُ ، وَكَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ ، حَسَنَ الْقَامَةِ ، حَسَنَ السَّمْتِ ، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ ذَاتُ جَمَالٍ وَعَقْلٍ ، فَشُغِفَتْ بِهِ ، وَطَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَفَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ وَهُوَ يُرِيدُ مَنْزِلَهُ ، فَقَالَتْ لَهُ : يَا فَتَى اسْمَعْ مِنِّي كَلِمَاتٍ أُكَلِّمُكَ بِهَا ، ثُمَّ اعْمَلْ مَا شِئْتَ ، فَمَضَى وَلَمْ يُكَلِّمْهَا ، ثُمَّ وَقَفَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِهِ وَهُوَ يُرِيدُ مَنْزِلَهُ ، فَقَالَتْ لَهُ : يَا فَتَى اسْمَعْ مِنِّي كَلِمَاتٍ أُكَلِّمُكَ بِهَا ، فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ، وَقَالَ لَهَا : هَذَا مَوْضِعُ تُهْمَةٍ ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ لِلْتُهْمَةِ مَوْضِعًا ، فَقَالَتْ لَهُ : وَاللَّهِ مَا وَقَفْتُ مَوْقِفِي هَذَا جَهَالَةً مَنِّي بِأَمْرِكَ ، وَلَكِنْ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَشَرَّفَ الْعُبَّادُ إِلَى مِثْلِ هَذَا مِنِّي ، وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى أَنْ لَقِيتُكَ فِي هَذَا الأَمْرِ بِنَفْسِي لِمَعْرِفَتِي أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ هَذَا عِنْدَ النَّاسِ كَثِيرٌ ، وَأَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْعُبَّادِ فِي مِثَالِ الْقَوَارِيرِ أَدْنَى شَيْءٍ يُعِيبُهُ ، وَجُمْلَةُ مَا أُكَلِّمُكَ بِهِ أَنَّ جَوَارِحِي كُلَّهَا مَشْغُولَةٌ بِكَ ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أَمْرِي وَأَمْرِكَ ، قَالَ : فَمَضَى الشَّابُّ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّي فَلَمْ يَعْقِلْ كَيْفَ يُصَلِّي ، فَأَخَذَ قِرْطَاسًا ، وَكَتَبَ كِتَابًا ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ ، فَإِذَا بِالْمَرْأَةِ وَاقِفَةً فِي مَوْضِعِهَا ، فَأَلْقَى إِلَيْهَا الْكِتَابَ وَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَكَانَ الْكِتَابُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، اعْلَمِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا @ 1 : 448 @ عُصِيَ حَلِمَ ، فَإِذَا عَاوَدَ الْعَبْدُ الْمَعْصِيَةَ سَتَرَهُ ، فَإِذَا لَبِسَ لَهَا مَلابِسَهَا غَضِبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ غَضْبَةً تَضِيقُ مِنْهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ، فَمَنْ ذَا يُطِيقُ غَضْبَهُ ، فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتِ بَاطِلا فَإِنِّي أُذَكِّرُكِ يَوْمًا تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ، وَتَصِيرُ الْجِبَالِ كَالْعِهْنِ ، وَتَجْثُو الأُمُمُ لِصَوْلَةِ الْجَبَّارِ الْعَظِيمِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ ضَعُفْتُ عَنْ إِصْلاحِ نَفْسِي ، فَكَيْفَ بِإِصْلاحِ غَيْرِي ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتِ حَقًّا فَإِنِّي أَدُلُّكِ عَلَى طَبِيبٍ هُوَ أَوْلَى بِالْكُلُومِ الْمُمْرِضَةِ ، وَالْوِجَاعِ الْمُرْمِضَةِ ، ذَلِكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، فَاقْصُدِيهِ عَلَى صِدْقِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنِّي مُتَشَاغِلٌ عَنْكِ ، بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ { 18 } يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ سورة غافر آية 18-19 , فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ , ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ ، فَوَقَفَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ ، فَلَمَّا رَآهَا مِنْ بَعِيدٍ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى مَنْزِلِهِ لِئَلا يَرَاهَا ، فَقَالَتْ : يَا فَتَى لا تَرْجِعْ ، فَلا كَانَ الْمُلْتَقَى بَعْدَ هَذَا أَبَدًا إِلا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَبَكَتْ بُكَاءً كَثِيرًا ، ثُمَّ قَالَتْ : أَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ قَلْبِكَ أَنْ يُسَهِّلَ مَا قَدْ عُسِّرَ مِنْ أَمْرِكَ ، ثُمَّ تَبِعَتْهُ ، فَقَالَتِ : امْنُنْ عَلَيَّ بِمَوْعِظَةٍ أَحْمِلُهَا عَنْكَ ، وَأَوْصِنِي بِوَصِيَّةٍ أَعْمَلُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ لَهَا الْفَتَى : أُوصِيكِ بِحِفْظِ نَفْسِكِ مِنْ نَفْسِكِ ، وَأُذَكِّرُكِ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ سورة الأنعام آية 60 , قَالَ : فَأَطْرَقَتْ ، وَبَكَتْ بُكَاءً أَشَدَّ مِنْ بُكَائِهَا الأَوَّلِ ، ثُمَّ أَفَاقَتْ ، ثُمَّ لَزِمَتْ بَيْتَهَا وَأَخَذَتْ فِي الْعِبَادَةِ ، قَالَ : فَكَانَتْ إِذَا جَهِدَ بِهَا الأَمْرُ تَدْعُو بِكِتَابِهِ فَتَضَعُهُ عَلَى عَيْنَيْهَا ، فَيُقَالُ لَهَا : وَهَلْ يُغْنِي هَذَا شَيْئًا ؟ فَتَقُولُ : وَهَلْ لِي دَوَاءٌ غَيْرُهُ ، وَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيْهَا اللَّيْلُ قَامَتْ إِلَى مِحْرَابِهَا فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ كَمَدًا ، فَكَانَ الْفَتَى يَذْكُرُهَا ثُمَّ يَبْكِي عَلَيْهَا ، فَيُقَالُ لَهُ : مِمَّ بُكَاؤُكَ وَأَنْتَ أَيَّسْتُهَا . فَيَقُولُ : إِنِّي ذَبَحْتُ طَمَعِي مِنْهَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَجَعَلْتُ قَطْعَهَا ذَخِيرَةً لِي عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنِّي لأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ أَنْ أَسْتَرِدَّ ذَخِيرَةً ادَّخَرْتُهَا عِنْدَهُ , قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ : قَالَ لَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزَجِيُّ : وَوَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مَسْمُوعَةٍ عَنِ الزَّيْنَبِيِّ زِيَادَةً : ثُمَّ إِنَّ الْجَارِيَةَ لَمْ تَلْبَثْ أَنْ بُلِيَتْ بِبَلِيَّةٍ فِي جِسْمِهَا ، فَكَانَ الطَّبِيبُ يُقَطِّعُ مِنْ لَحْمِهَا أَرْطَالا ، وَكَانَ الطَّبِيبُ قَدْ عَرَفَ حَدِيثَهَا مَعَ الْفَتَى ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ لَحْمَهَا يُحَدِّثُهَا بِحَدِيثِ الْفَتَى ، فَمَا كَانَتْ تَجِدُ لِقَطْعِ لَحْمِهَا أَلَمًا ، وَلا كَانَتْ تَتَأَوَّهُ ، فَإِذَا سَكَتَ تَأَوَّهَتْ ، فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ كَمَدًا @ @ 1 : 449 @ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الزَّيْنَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أُمَيَّةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُعَافًى الْكُوفِيَّ ، يَقُولُ : كَانَ عِنْدَنَا بِالْكُوفَةِ فَتًى مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ ، وَكَانَ نَاسِكًا لَهُ وَرَعٌ ، وَكَانَ يَنْزِلُ فِي كِنْدَةَ ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَغْشَى مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَيَبْكِي حَتَّى يَرِقَّ لَهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ، وَيَبْكُونَ لِبُكَائِهِ ، وَكَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ النُّطْقِ ، قَالَ : فَرَأَتْهُ امْرَأَةٌ مِمَّنْ كَانَ يَحْضُرُ الْمَجَالِسِ فَأَحَبَّتْهُ ، فَكَانَتْ لا تَكَادُ تُفَارِقُ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْضَرُهَا ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَامَتْ لَهُ بِالطَّرِيقِ ، فَإِذَا مَرَّ بِهَا تَنَفَسَّتِ الصَّعْدَاءَ ، ثُمَّ قَالَتْ : أَلا أَيُّهَا الْمَاشِي بِسَمْتٍ وَهَيْئَةٍ وَوَجْهٍ جَمِيلٍ مَا لَنَا فِيكَ مَطْمَعُ أَمُوتُ وَأَحْيَا عِنْدَ ذِكْرِكَ تَارَةً فَفِي الْقَلْبِ مِنِّي حُرْقَةٌ لَيْسَ تُرْفَعُ أَلَيْسَ عَجِيبًا عَاشِقٌ يَكْتُمُ الْهَوَى يُعَلِّلُ بِالآمَالِ قَلْبًا يُقَطَّعُ بِمَنْ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّنِي فِي وِثَاقِهِ بِرَوْضَةِ أَحْزَانٍ بِهَا الْحُزْنُ يُزْرَعُ قَالَ : ثُمَّ تَوَلَّى فَكَانَ هَذَا دَأَبُهَا حِينًا وَالْفَتَى فِي غَفْلَةٍ لا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْهُ . فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، وَخَشِيَتْ أَنْ تُبْدِيَ بِهِ ، وَقَفَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الَّتِي كَانَ يَمُرُّ فِيهَا ، فَقَالَتْ : أَلا أَيُّهَا السَّاهِي وَلَيْسَ بِذِي سَهْوٍ رُوَيْدَكَ إِنِّي عَنْكَ لَسْتُ بِذِي لَهْوِ قَالَ : فَوَقَفَ ، فَقَالَ لَهَا : مَا حَاجَتُكِ ؟ فَقَالَتْ : أَتُنْصِفُ مِنْ نَاظِرِكَ أَمْ تَجُورُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِكَ إِذْ صَيَّرَ أَمْرَهُ إِلَيْكَ ، فَقَالَ لَهَا : وَيْحَكِ ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مَقَالَتَكِ إِنْكَارًا شَدِيدًا ، وَاسْتَوْحَشَتْ مِنْهَا جَوَارِحِي ، وَمَا أَجِدُ إِلَى الْوُقُوفِ مَعَكِ سَبِيلا أَحَتَجُّ بِهِ عِنْدَ رَبِّي غَدًا ، ثُمَّ وَلَّى وَتَرَكَهَا ، فَأَتَى مَنْزِلَهُ مَغْمُومًا مِنْهَا ، فَلَزِمَ مَنْزِلَهُ فَكَانَ لا يَخْرُجُ مِنْهُ حَذَارًا أَنْ يَلْقَاهَا فَتُكَلِّمَهُ . قَالَ : وَكَانَتِ امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ وَهَيْبَةٍ ، وَجَعَلَتْ تَطْلُبُهُ وَتَسْأَلُ عَنْهُ مَنْ يَعْرِفُهُ ، فَيُخْبِرُهَا أَنَّهُ قَدْ لَزِمَ بَيْتَهُ ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا كَتَبَتْ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ : تَقُولُ الَّتِي قَدْ شَفَّهَا حُبُّ نَاسِكٍ وَأَمْرَضَهَا حَتَّى تَغَيَّرَ حَالُهَا وَصَيَّرَهَا مِثْلَ الْقَضِيبِ بِرَوْضَةٍ تُزَعْزِعُهُ ضَعْفًا هُنَاكَ شَمَالُهَا وَخَلاهُ لِلأَحْزَانِ فَرْدًا مُعَذَّبًا وَمَا لِي وَالأَحْزَانِ مَا لِي وَمَا لَهَا أَفِي النُّسْكِ أَنْ لا تَرْحَمَ الْيَوْمَ عَاشِقًا شَكَا حُرْقَةً فِي الْقَلْبِ مِنْ ظَالِمٍ لَهَا قَالَ : وَبَعَثَتْ بِهَا إِلَيْهِ ، وَقَالَتْ لِلرَّسُولِ : أَخْبِرِيهِ بِمَا تَرِينَ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ ، فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ أَمْرَهُ وَيُعَطِّفَ قَلْبَهُ ، وَلا تُقَصِّرِي فِي تَرْغِيبِهِ فِيَّ ، وَمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَجْرِ ، @ 1 : 450 @ قَالَ : فَأَتَتْهُ الْمَرْأَةُ ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهَا ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ ، وَقَالَتْ : أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنِّي قَدْ حَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِي غَيْرَ أَنِّي تَحَمَّلْتُهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ وَحُسْنِ الْجَزَاءِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُلْقِيَ إِلَيْكَ أَمْرًا لَسْتُ أُحِبُّ فِيهِ مُفَارَقَةَ الْحَقِّ ، فَإِنِّي رَأَيْتُ كُلَّ بَاطِلٍ عِنْدَ الْحَقِّ مُضْمَحِلًّا ، وَكُلَّ أَمْرٍ يَدْعُو إِلَى ضَرَرٍ فِي الآخِرَةِ فَاسِدًا ، فَقَالَ : قُولِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ مَا بَدَا لَكِ أَنْ تَقُولِي ، وَدَعِي الإِكْثَارَ ، فَإِنَّ النَّهَارَ يَمْضِي وَالسَّاعَاتِ تُحْصَى ، قَالَ : فَأَقْرَأَتْهُ الشِّعْرَ ، وَأَخْبَرَتْهُ بِحَالِهَا ، فَقَالَ : أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ إِنَّ لِلَّهِ مِحَنًا يَمْتَحِنُ بِهَا عِبَادَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَأَحِبَّاءَهُ لِيَنْظُرَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ لَهُ ، وَكَيْفَ إِيثَارُهُمْ إِيَّاهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ ، وَمَا أَظُنُّ إِلا أَنَّ اللَّهَ ابْتَلانِي بِمَا ذَكَرْتِ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لِيَمْتَحِنَنِي ، وَوَاللَّهِ مَا لِي طَاقَةٌ بِمِحَنِ رَبِّي إِنْ لَمْ يُوَفِّقْنِي وَيُثَبِّتْنِي ، وَاللَّهِ لَمُفَارَقَةُ الأَحِبَّةِ فِي مَرْضَاتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمُقَامِ مَعَهُمْ وَالاشْتِغَالِ بِمَا يَقْطَعُنِي عَنْ خِدْمَتِهِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ ، فَأَبْلِغِيهَا عَنِّي السَّلامَ ، وَقُولِي لَهَا : قَدْ سَمِعْتُ دَعَوْاكِ وَمَا ذَكَرْتِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِرَاضٍ عَنْ نَفْسِي فِي خِدْمَةِ مَنْ إِلَيْهِ فَقْرِي وَحَاجَتِي ، فَكَيْفَ إِذَا عَلِقْتُهَا بِبَلاءٍ لا يُمْكِنُنِي التَّخَلُصَ مِنْهُ ، قَالَ : فَخَرَجَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ عِنْدِهِ ، فَأَتَتْهَا وَأَخَبْرَتْهَا بِمَقَالَتِهِ ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي ، ثُمَّ قَالَتْ لَهَا : فَكَيْفَ كَانَ إِنْصَاتُهُ لِكَلامِكِ حِينَ أَنْشَدْتِهِ الشِّعْرَ ، قَالَتْ : يَا أُخْتَاهُ رَأَيْتُ رَجُلا مُزْوَرًّا مُسْتَوْقِرًا ، كَأَنَّهُ قَدْ نَصَبَ الآخِرَةَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ، فَأَبْقِي عَلَى نَفْسِكِ وَلا تُهْلِكِيهَا فَتَنْدَمِي حِينَ لا تُغْنِي النَّدَامَةُ ، قَالَ : فَلَزِمَتْ مَنْزِلَهَا ، وَقَالَتْ : وَاللَّهِ لا أَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى مَوْضِعٍ أَبَدًا وَلأَجْعَلَنَّهُ قَبْرِي أَيَّامَ حَيَاتِي ، قَالَ : ثُمَّ لَزِمَتِ الصَّلاةَ ، فَكَانَتْ لا تَهْتَدِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مِنَ الصَّلاةِ ، فَكَانُوا يَسْمَعُونَهَا ، فَكَانَتْ تَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا ، فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ : فَقَالَتْ : إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ غَلَبَ عَلَى قَلْبِي ذِكْرُهُ حَتَّى لا يُفَارِقَنِي ، وَإِنِّي لأَذْكُرُ ذُنُوبِي فَأَبْكِي عَلَى تَفْرِيطِي ، ثُمَّ أَذْكُرُهُ فَأَبْكِي عَلَيْهِ ، فَيَهِيجُ مِنْ قَلْبِي شَجْوٌ لا يُشْبِهُهُ شَجْوٌ ، وَإِنِّي أَسْأَلُ الَّذِي حَرَمَنِي قُرْبَهُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُنْسِيَنِي ذِكْرَهُ ، وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي دَارِهِ ، قَالَ : وَمَرِضَتْ مَرَضًا شَدِيدًا ، وَبُلِيَتْ فِي بَدَنِهَا بَلاءً عَظِيمًا ، قَالَ : فَكَانَ الْمُعَالِجُ إِذَا بَدَأَ بِمُعَالَجَتِهَا حَادَثَهَا ، فَيَقُولُ : يَا فُلانَةُ مَا هَذَا الْجَزَعُ الَّذِي تَجْزَعِينَ ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَجُلا هُوَ أَهْيَأُ وَلا أَحْسَنُ هَدْيًا ، وَلا أَصْبَرُ عَلَى بَلاءٍ إِذَا نَزَلَ بِهِ مِنْ فَتَى فِي جِيرَانِي ، يُقَالُ لَهُ : فُلانٌ يَعْنِي صَاحِبَهَا ، فَتَسْكُتُ ثُمَّ تَقُولُ هِيَ : حَدِّثْنِي ، وَهُوَ يُقَطِّعُ مِنْ لَحْمِهَا وَكَأَنَّهَا لِمَا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهَا مِنَ الْمَحَبَّةِ لِذِكْرِهِ لا تُحِسُّ بِمَا يُصْنَعُ بِهَا ، فَإِذَا كَفَّ عَنْ @ 1 : 451 @ ذِكْرِهِ تَوَجَّعَتْ وَجَزَعَتْ فَمَا زَالَتْ فِي حَالِهَا تِلْكَ حَتَّى مَاتَتْ , فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي جَِنَازَتِهَا مُغَطَّى الرَّأْسِ حَتَّى دَفَنَهَا ، وَكُنْتُ كَثِيرًا إِذَا مَرَرْتُ بِالْمَقَابِرِ أُرَاهُ عِنْدَ قَبْرِهَا @ أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ الْغَوْرَجِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى السَّلامِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْفُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ ، قَالَ : بِتُّ عِنْدَ بَعْضِ الأَعْرَابِ فِي الْبَادِيَةِ وَلَهُ وَلَدٌ مُضْنَى عَلَى فِرَاشِهِ ، فَقَالَ لِي أَبُوهُ : ابْنِي هَذَا قَدْ نَزَلَ بِهِ مَا تَرَى مِنَ الْعِشْقِ ، فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَنْشِدْنِي شَيْئًا ، فَقُلْتُ : لَسْتُ بِشَاعِرٍ ، فَقَالَ : لَوْلا أَنَّكَ ضَيْفٌ لَسَأَلْتُكَ أَنْ تَحُدِّثَنِي ، وَلَكِنْ مِنْ حَقِّ الضِّيَافَةِ أَنْ يُحَدَّثَ الضَّيْفُ ، فَقُلْتُ لَهُ : فَمَا حَالُكَ ؟ فَحَدَّثَنِي بِحَدِيثٍ طَوِيلٍ ، ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً ، وَقَالَ : كَأَنَّ فُؤَادِي طَائِرٌ حَانَ وِرْدُهُ فَهَزَّ جَنَاحَيْهِ اشْتِيَاقًا إِلَى الْوِرْدِ ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ ، فَكُنْتُ فِيمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ ، قَالَ : وَجَدْتُ بِخَطِّ ابْنِ حَيُّوَيْهِ ، يَقُولُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنِ الْهَيْثَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ ، قَالَ : هَوِيَ فَتًى مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَتَاةً مِنْ فَخْذِهِ ، وَكَانَ أَيْسَرَ مِنْهَا وَأَغْنَى ، وَكَانَ أَبُوهُ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا ، وَيُرِيدُ لَهُ أَشْرَفَ مِنْهَا وَأَيْسَرَ ، وَيُعْرِضُ عَلَيْهِ غَيْرَهَا فَيَأْبَى إِلا هِيَ ، وَكَانَ أَبُوهَا قَدْ حَبَسَهَا عَلَيْهِ ، رَجَاءَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَلَمَّا طَالَ عَلَى أَبِيهَا وَأَيِسَ مِنْهُ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَقِيَهَا الْفَتَى يَوْمًا ، فَقَالَ لَهَا : لَعَمْرِي يَا سُعْدَى لَطَالَ تَأَيُّمِي وَمَعْصِيَتِي شَيْخَيَّ فِيكِ كِلَيْهِمَا وَتَرْكِي ذَا الْحَيَّيْنِ لَمْ أَبْغِ مِنْهُمَا سِوَاكِ وَلَمْ يَرْبَعْ هَوَايَ عَلَيْهِمَا فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ : حَبِيبِي لا تَعْجَلْ لِتَفْهَمَ حُجَّتِي كَفَانِيَ مَا بِي مِنْ بَلاءٍ وَمِنْ جَهْدِ وَمِنْ عَبَرَاتٍ تَعْتَرِينِي وَزَفْرَةٍ تَكَادُ لَهَا نَفْسِي تُسَلُّ مِنَ الْوِجْدِ غُلِبْتُ عَلَى نَفْسِي جِهَادًا وَلَمْ أُطِقْ خِلافًا عَلَى أَهْلِي بِهَزْلٍ وَلا جِدِّ @ 1 : 452 @ وَلَنْ يَمْنَعُونِي أَنْ أَمُوتَ بِرَغْمِهِمْ غَدًا جَوْفَ هَذَا الْغَارِ فِي جَدَثٍ وَحْدِي فَلا تَنْسَ أَنْ تَأْتِي هُنَاكَ فَتَلْتَمِسْ مَكَانِي فَتَسْلُوَ مَا تَحَمَّلْتَ مِنْ جَهْدِ فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ أَتَاهَا حَيْثُ زَعَمَتْ لَهُ ، فَوَجَدَهَا مَيِّتَةً ، فَأَدْخَلَهَا شِعْبًا ، ثُمَّ الْتَزَمَهَا فَمَاتَ مَعَهَا , قَالَ : فَالْتُمِسَا حَوْلا فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمَا خَبَرٌ ، فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي هُمَا فِيهِ وَكَانَ الْجَبَلُ يُدْعَى أَعْرَافًا : إِنَّ الْكَرِيمَيْنِ ذَوِي التَّصَافِي الذَّاهِبَيْنِ بِالْوَفَاءِ الصَّافِي وَاللَّهِ مَا لَقِيتُ فِي تِطْوَافِي أَبْعَدَ مِنْ غَدْرٍ وَمِنْ إِخْلافِ مِنْ مَيِّتَيْنِ فِي ذُرَى أَعْرَافِ قَالَ : فَصَعَدَ الْقَوْمُ الْجَبَلَ ، فَوَجَدُوهُمَا مَيِّتَيْنِ فَوَارَوْهُمَا " @ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : وَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ ، عَنِ الْعُمَرِيِّ ، قَالَ : كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُبْشَانِيُّ يَعْشَقُ صَفْرَاءَ الْعِمْلاقِيَّةَ ، وَكَانَتْ سَوْدَاءَ ، فَاشْتَكَى مِنْ حُبِّهَا وَضَنِيَ حَتَّى صَارَ إِلَى حَدِّ الْمَوْتِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِهِ لِمَوْلاهَا لَوْ وَجَّهْتَ صَفْرَاءَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُبْشَانِيِّ فَلَعَلَّهُ يَعْقِلُ إِذَا رَآهَا ، فَفَعَلَ , فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ صَفْرَاءُ ، قَالَتْ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِخَيْرٍ مَا لَمْ تَبْرَحِي ، قَالَتْ : مَا تَشْتَهِي ؟ قَالَ : قُرْبَكِ ، قَالَتْ : فَمَا تَشْتَكِي ؟ قَالَ : حُبَّكِ ، قَالَتْ : فَتُوصِي بِشَيْءٍ ، قَالَ : نَعَمْ ، أُوصِي بِكِ إِنْ قَبِلُوا مِنِّي ، فَقَالَتْ : إِنِّي أُرِيدُ الانْصِرَافَ ، قَالَ : فَتَعَجَّلِي ثَوَابَ الصَّلاةِ عَلَيَّ فَقَامَتْ فَانْصَرَفَتْ ، فَلَمَّا رَآهَا مُوَلِّيَةً تَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ " @ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَالِمٍ ، قَالَ : ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَرْبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَفَدَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، فَحَدَّثَهُ ، قَالَ : اشْتَرَيْتُ جَارِيَةً مُوَلَّدَةً بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ ، فَوُصِفَتْ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ : إِمَّا تُهْدِيَهَا لِي ، وَإِمَّا أَنْ تَبِيعَهَا بِحُكْمِكَ ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ لا تَخْرُجْ وَاللَّهِ عَنْ مِلْكِي بِبِيَعٍ وَلا هِبَةٍ أَبَدًا , وَمَكَثَتْ عِنْدِي عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لا أَزْدَادُ لَهَا إِلا حُبًّا ، حَتَّى أَتَتْنِي عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِنَا ، فَذَكَرَتْ أَنَّ بَعْضَ عُزَّابِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَهْوَاهَا ، وَأَنَّهُ يَجِيءُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُتَنَكِّرًا فَيَقِفُ بِالْبَابِ حَتَّى يَسْمَعَ غِنَاءَهَا ، فَرَاعَيْتُ مَجِيئَهُ لَيْلَةً فَإِذَا بِهِ قَدْ أَقْبَلَ مُتَقَّنِعَ @ 1 : 453 @ الرَّأْسِ ، حَتَّى قَعَدَ مُسْتَخْفِيًا ، فَدَعَوْتُ قَيَّمَةَ الْجَارِيَةَ ، فَقُلْتُ : انْطَلِقِي السَّاعَةَ فَأَصْلِحِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَحْسَنَ مَا أَمْكَنَ ، وَعَجِّلِي بِهَا إِلَيَّ , فَلَمَّا جَاءَتْ بِهَا نَزَلْتُ قَابِضًا عَلَى يَدِهَا ، وَفَتَحْتُ الْبَابَ ، ثُمَّ حَرَّكْتُ الرَّجُلَ فَانْتَبَهَ مَذْعُورًا ، فَقُلْتُ : لا بَأْسَ عَلَيْكَ خُذْ بِيَدِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ هِيَ لَكَ فَإِذَا هَمَمْتَ بِبَيْعِهَا فَارْدُدْهَا إِلَيَّ ، فَدُهِشَ الْفَتَى وَلُبِطَ بِهِ ، فَدَنَوْتُ إِلَى أُذُنِهِ ، فَقُلْتُ : وَيْحَكَ قَدْ أَظْفَرَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِبُغْيَتِكَ ، فَانْصَرِفْ إِلَى مَنْزِلِكَ , فَإِذَا الْفَتَى مَيِّتٌ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَانَتِ الْجَارِيَةُ فِي عَيْنِي ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوَجِّهَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ ، فَيَعْلَمَ حَالَهَا أَوْ تُخْبِرَهُ عَنْ نَفْسِهَا ، فَيَحْقِدَ ذَلِكَ عَلَيَّ ، فَمَكَثَتْ مُدَيْدَةً ثُمَّ مَاتَتْ وَلا أَظُنُّهَا مَاتَتْ إِلا كَمَدًا وَأَسَفًا عَلَى الْفَتَى " @ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ سَيَّارٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ ، يَقُولُ : قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ بَعْضِ إِخَوَانِي : هَلْ لَكَ فِي عَاشِقٍ تَرَاهُ ؟ فَمَضَيْتُ مَعَهُ ، فَرَأَيْتُ فَتًى كَأَنَّمَا نُزِعَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ ، وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِإِزَارٍ مُرْتَدٍ بِآخَرَ ، وَإِذَا هُوَ مُفَكِّرٌ ، وَفِي سَاعِدِهِ وَرْدَةٌ ، فَذَكَرْنَا لَهُ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ ، فَتَهَيَّجَ وَقَالَ : جَعَلْتُ مِنْ وَرْدَتِهَا تَمِيمَةً فِي عَضُدِي أَشُمُّهَا مِنْ حُبِّهَا إِذَا عَلانِي جَهْدِي فَمَنْ رَأَى مِثْلِي فَتًى بِالْحُزْنِ أَضْحَى مُرْتَدِي أَسْقَمَهُ الْحُبُّ وَقَدْ صَارَ قَلِيلَ الأَوَدِ وَصَارَ سَاهٍ دَهْرَهُ مُقَارِنًا لِلْكَمَدِ أَلا فَمَنْ يَرْحَمُ أَوْ يَرِقُّ لِي مِنْ كَمَدِ ثُمَّ أَطْرَقَ ، فَقُلْتُ : مَا شَأْنُهُ ؟ قَالُوا : عَاشِقٌ جَارِيَةً لِبَعْضِ أَهْلِهِ ، فَأَعْطَى بِهَا كُلَّ مَا يَمْلِكُ وَهُوَ سَبْعُ مِائَةِ دِينَارٍ ، فَأَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا ، فَنَزَلَ بِهِ مَا تَرَى وَفَقَدَ عَقْلَهُ , قَالَ : فَخَرَجْنَا فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ مَاتَ فَحَضَرْتُ جَِنَازَتَهُ ، فَلَمَّا سُوِّيَ عَلَيْهِ ، إِذَا بِجَارِيَةٍ تَسْأَلُ عَنِ الْقَبْرِ ، فَدَلَلْتُهَا عَلَيْهِ ، فَمَا زَالَتْ تَبْكِي وَتَأْخُذُ التُّرَابَ فَتَجْعَلُهُ فِي شَعْرِهَا , فَبَيْنَا هِيَ @ 1 : 454 @ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ قَوْمٌ يَسْعَوْنَ ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهَا ضَرْبًا ، فَقَالَتْ : شَأْنُكُمْ وَاللَّهِ لا تَنْتَفِعُونَ بِي بَعْدَهُ أَبَدًا , وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الإِبَرِيُّ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِجَازَةً ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ الْخُلْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ ، يَقُولُ : قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ بَعْضِ إِخْوَانِي : أُرِيكَ فَتًى عَاشِقًا ؟ قُلْتُ : بَلَى ، وَاللَّهِ فَإِنِّي أَسْمَعُ النَّاسَ يُنْكِرُونَ الْعِشْقَ وَذِهَابَ الْعَقْلِ فِيهِ ، وَإِنِّي لأُحِبُّ رُؤْيَتَهُ ، فَعِدْنِي يَوْمًا أَجِيءُ مَعَكَ فِيهِ , قَالَ : فَوَعَدْتُهُ يَوْمًا فَمَضَيْنَا فَأَنْشَأَ صَاحِبِي يَحُدِّثُنِي عَنْ نُسُكِهِ وَعِبَادَتِهِ ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الاجْتِهَادِ ، قُلْتُ : وَبِمَنْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ ، قَالَ : بِجَارِيَةٍ لِبَعْضِ أَهْلِهِ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ ، فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا مِنْهُ فَأَبَوْا ، وَبَذَلَ لَهُمْ جَمِيعَ مُلْكِهِ وَهُوَ سَبْعُ مِائَةِ دِينَارٍ فَأَبَوْا عَلَيْهِ ضِرَارًا وَحَسَدًا أَنْ يَكُونَ مِثْلَهَا فِي مُلْكِهِ ، فَلَمَّا أَبَوْا عَلَيْهِ بَعَثَتْ إِلَيْهِ الْجَارِيَةُ ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ، مُرْنِي بِأَمْرِكَ فَوَاللَّهِ لأُطِيعَنَّكَ وَلأَنْتَهِيَنَّ إِلَى أَمْرِكَ فِي كُلِّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا : عَلَيْكِ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّ عَلَيْهَا الْمُعَوِّلَ وَالسُّكُونَ إِلَيْهَا وَبِطَاعَةِ مَنْ يَمْلِكُ رِقَّكِ فَإِنَّهَا مَضْمُومَةٌ إِلَى طَاعَةِ رَبِّكِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَدَعِي الْفِكْرَ فِي أَمْرِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فَرَجًا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ ، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ بِالَّذِي تَطِيبُ نَفْسِي بِنَيْلِ شَيْءٍ أُحِبُّهُ أَبَدًا فِي مُلْكِي فَأُمْنَعُهُ ، أَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ حَرَامًا بِغَيْرِ ثَمَنٍ ، وَلَكِنْ أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرِي فَلْيَكُنْ هَذَا آخِرُ رُسُلُكِ إِلَيَّ ، وَلا تَعُودِي ، فَإِنِّي أَكْرَهُ وَاللَّهِ أَنْ يَرَانِي اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَا فِي قَبْضَتِهِ مُلْتَمِسًا أَمْرًا يَكْرَهُهُ مِنِّي , فَعَلَيْكِ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهَا عِصْمَةٌ لأَهْلِ طَاعَتِهِ ، وَفِيهَا سُلُوٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، قَالَ : ثُمَّ لَزِمَ الاجْتِهَادَ الشَّدِيدَ ، وَلَبِسَ الشَّعْرَ وَتَوَّحَدَ ، فَكَانَ لا يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ إِلا مِنْ لَيْلٍ إِلَى لَيْلٍ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَشْغُولُ الْقَلْبِ بِذِكْرِهَا مَا يَكَادُ يُفَارِقُهُ , فَوَاللَّهِ مَا زَالَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى قَطَّعَهُ فَهُوَ الآنَ ذَاهِبُ الْعَقْلِ وَالِهٌ فِي مَنْزِلِهِ , قَالَ : ثُمَّ صِرْنَا إِلَى الْبَابِ فَاسْتَأْذَنَّا فَأُذِنَ لَنَا , قَالَ عَلِيٌّ : فَدَخَلْتُ إِلَى دَارٍ قَوْرَاءَ سَرِيَّةٍ ، وَإِذَا أَنَا بِشَابٍّ فِي وَسَطِ الدَّارِ على حصير متزر بإزار مرتد بآخر ، قَالَ : فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يُرُدَّ عَلَيْنَا السَّلامَ ، فَجَلَسْنَا إِلَى جَنْبِهِ ، فَإِذَا هُوَ مِنْ أَجْمَلِ مَنْ رَأَيْتُ وَجْهًا ، وَهُوَ مُطْرِقٌ يَنْكِتُ فِي الأَرْضِ ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى سَاعِدِهِ ، ثُمَّ يَتَنَفَّسُ الصَّعْدَاءَ ، حَتَّى أَقُولَ قَدْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ ، وَهُوَ مَعَ @ 1 : 455 @ ذَلِكَ كَالْخَلالِ مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الَّذِي بِهِ , قَالَ : فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِوَرْدَةٍ حَمْرَاءَ مَشْدُودَةٍ فِي عَضُدِهِ ، قَالَ : فَقُلْتُ لِصَاحِبِي : مَا هَذِهِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ الْعَامَ وَرْدًا قَبْلَ هَذِهِ , فَقَالَ : أَظُنُّ فُلانَةً سَمَّاهَا بَعَثَتْ بِهَا إِلَيْهِ ، فَلَمَّا سَمَّاهَا رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْنَا ، ثُمَّ قَالَ : جَعَلْتُ مِنْ وَرْدَتِهَا تَمِيمَةً فِي عَضُدِي أَشُمُّهَا مِنْ حُبِّهَا إِذَا عَلانِي كَمَدِي فَمَنْ رَأَى مِثْلِي فَتًى بِالْحُزْنِ أَضْحَى مُرْتَدِي أَسْقَمَهُ الْحُبُّ فَقَدْ صَارَ حَلِيفَ الأَوَدِ وَصَارَ سَهْوًا دَهْرُهُ مُقَارِنًا لِلْكَمَدِ قَالَ : ثُمَّ أَطْرَقَ ، فَقُلْتُ : السَّاعَةَ وَاللَّهِ , قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ : وَوَرَدَ عَلَيَّ مِنْ أَمْرِهِ مَا لَمْ أَتَمَالَكْ ، وَقُمْتُ أَجُرُّ رِدَائِي ، فَوَاللَّهِ مَا بَلَغْتُ الْبَابَ حَتَّى سَمِعْتُ الصُّرَاخَ , فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : مَاتَ وَاللَّهِ ، قَالَ عَلِيٌّ : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَشْهَدَهُ , قَالَ : وَتَسَامَعَ النَّاسُ فَجَاءُوا بِطَبِيبٍ ، فَقَالَ : خُذُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِكُمْ فَقَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ ، فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَدَفَنُوهُ ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ ، فَقَالَ لِي صَاحِبِي : امْضِ بِنَا ، فَقُلْتُ : امْضِ أَنْتَ فَإِنِّي أُرِيدُ الْجُلُوسَ هَهُنَا سَاعَةً ، فَمَضَى فَمَا زِلْتُ أَبْكِي وَأَعْتَبِرُ بِهِ وَأَذْكُرُ أَهْلَ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا هُمْ فِيهِ , قَالَ : فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ كَأَنَّهَا مَهَاةٌ ، وَهِيَ تُكْثِرُ الالْتِفَاتَ ، فَقَالَتْ لِي : يَا هَذَا أَيْنَ دُفِنَ هَذَا الْفَتَى ؟ قَالَ عَلِيٌّ : فَرَأَيْتُ وَجْهَهَا مَا رَأَيْتُ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، فَأَوْمَأْتُ إِلَى قَبْرِهِ ، قَالَ : فَذَهَبَتْ إِلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا تَرَكَتْ عَلَى الأَرْضِ كَثِيرَ تُرَابٍ إِلا أَلْقَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا ، وَجَعَلَتْ تَتَمَرَّغُ فِيهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهَا سَتَمُوتُ ، فَمَا كَانَ أَسْرَعَ مِنْ أَنْ طَلَعَ الْقَوْمُ يَسْعَوْنَ حَتَّى جَاءُوا إِلَيْهَا وَأَخَذُوهَا ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهَا ، فَقُمْتُ إِلَيْهِمْ ، فَقُلْتُ : رِفْقًا بِهَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ ، قَالَتْ : دَعْهُمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ يَبْلُغُوا هِمَّتَهُمْ ، فَوَاللَّهِ لا انْتَفَعُوا بِي أَبَدًا بَعْدَهُ أَيَّامَ حَيَاتِي ، فَلْيَصْنَعُوا بِي مَا شَاءُوا ، فَإِذَا هِيَ الَّتِي كَانَ يُحِبُّهَا الْفَتَى ، فَانْصَرَفْتُ @ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا التَّنُوخِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكَانَ يَنْزِلُ الْكُوفَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُذْرِيُّ , قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ مَيْسَرَةَ ، وَكَانَ كَهَيْئَةِ الْخَيَالِ ، وَكَأَنَّهُ صُبِغَ بِالْوَرْسِ لا يَكَادُ يُكَلِّمُ أَحَدًا وَلا يُجَالِسُهُ ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عَاشِقٌ ، فَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ قِصَّتِهِ ، فَيَقُولُ : @ 1 : 456 @ يُسَائِلُنِي ذُو اللُّبِّ عَنْ طُولِ عِلَّتِي وَمَا أَنَا بِالْمُبْدِي لِذِي النَّاسِ عِلَّتِي سَأَكْتُمُهَا صَبْرًا عَلَى حَرِّ جَمْرِهَا وَأَكْتُمُهَا إِذْ كَانَ فِي السِّرِّ رَاحَتِي إِذَا كُنْتُ قَدْ أَبْصَرْتُ مَوْضِعَ عِلَّتِي وَكَانَ دَوَائِي فِي مَوَاضِعِ لَذَّتِي صَبَرْتُ عَلَى دَائِي احْتِسَابًا وَرَغْبَةً وَلَمْ أَكُ أُحْدُوثَاتِ أَهْلِي وَخُلَّتِي قَالَ : فَمَا أَظْهَرَ أَمْرَهُ وَلا عَلِمَ أَحَدٌ بِقِصَّتِهِ حَتَّى كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي كَانَتْ بِي مِنْ أَجْلِ فُلانَةَ ابْنَةِ عَمِّي ، وَاللَّهِ مَا حَجَبَنِي عَنْهَا وَأَلْزَمَنِي الضُّرَّ إِلا خَوْفُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا غَيْرَ ، فَمَنْ بُلِيَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ فَلا يَكُنْ أَحَدٌ أَوْثَقُ عِنْدَهُ بِسِّرِهِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلَوْلا أَنَّ الْمَوْتَ نَازِلٌ بِي السَّاعَةَ مَا حَدَّثْتُكُمْ ، فَأَقْرِؤُهَا مِنِّي السَّلامَ ، وَمَاتَ " @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : وَجَدْتُ بِخَطِّ ابْنِ حَيُّوَيْهِ وَنَقَلْتُهُ مِنْهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْعُتْبِيُّ ، عَنْ شَبَابَةَ بْنِ الْوَلِيدِ الْعُذْرِيِّ أَنَّ فَتًى مِنْ عُذْرَةَ ، يُقَالُ لَهُ : أَبُو مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ كَانَ عَاشِقًا لابْنَةِ عَمٍّ لَهُ عِشْقًا شَدِيدًا ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً ، ثُمَّ إِنَّهُ قَعَدَ بِضْعِ عِشْرَةَ سَنَةً لا يُحَسُّ لَهُ خَبَرٌ , قَالَ شَبَابَةُ : فَاضْتَلَلْتُ إِبِلا لِي فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهَا ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيُرُ فِي الرِّمَالِ إِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ : يَابْنَ الْوَلِيدِ أَلا تَحْمُونَ جَارَكُمْ وَتَحْفَظُونَ لَهُ حَقَّ الْقُرَابَاتِ عَهْدِي إِذَا جَارُ قَوْمٍ نَابَهُ حَدَثٌ وَقَوْهُ مِنْ كُلِّ مَفْرُوجِ الْمُلِمَّاتِ هَذَا أَبُو مَالِكٍ الْمُمْسِي بِبَلْقَعَةٍ مَعَ الضِّبَاعِ وَآسَادٍ وَغَابَاتِ طَلِيحُ شَوْقٍ بِنَارِ الْحُبِّ مُحْتَرِقٌ تَعْتَادُهُ زَفَرَاتٌ إِثَرَ لَوْعَاتِ أَمَّا النَّهَارُ فَيُضْنِيهِ تَذَكُّرُهُ وَاللَّيْلُ مُرْتَقِبٌ لِلْصُبْحِ هَلْ يَاتِي يَهْذِي بِجَارِيَةٍ مِنْ عُذْرَةَ اخْتَلَسَتْ فُؤَادَهُ فَهُوَ مِنْهَا فِي بَلِيَّاتِ فَقُلْتُ : دُلَّنِي عَلَيْهِ رَحِمَكَ اللَّهُ ، قَالَ : نَعَمْ ، أَقْصُدُ الصُّوْتَ ، فَلَمَّا قَصَدْتُ ، سَمِعْتُ أَنِينًا مِنْ خِبَاءٍ ، فَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ : يَا رَسِيسَ الْهَوَى أَذَبْتَ فُؤَادِي وَحَشَوْتَ الْحَشَا عَذَابًا أَلِيمَا فَدَنَوْتُ فَقُلْتُ : أَبُو مَالِكٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقُلْتُ : مَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ؟ قَالَ : حُبِّي سُعَادَ ابْنَةَ @ 1 : 457 @ أَبِي الْهَيْذَامِ الْعُذْرِيِّ ، شَكَوْتُ يَوْمًا مَا أَجِدُ مِنْ حُبِّهَا إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَنَا ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى هَذَا الْوَادِي مُنْذُ بِضْعِ عَشْرَةَ سَنَةٍ يَأْتِينِي كُلَّ يَوْمٍ بِخَبَرِهَا وَيَقُوتُنِي مِنْ عِنْدِهِ , فَقُلْتُ : إِنِّي أَصِيرُ إِلَى أَهْلِهَا فَأُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَيْتُ ، قَالَ : أَنْتَ وَذَلِكَ ، فانصرفت ، فأخبرتهم ، فرقوا له فزوجوه بحضرتي ، فرجعت إليه أفرج عنه ، فلما أخبرته الخبر ، حدد النظر إلي ثم تأوه تأوها شديدا بلغ من قلبي ، ثم قَالَ : الآنَ إِذْ حَشْرَجَتْ نَفْسِي وَحَاضَرَهَا فِرَاقُ دُنْيَا وَنَادَاهَا مُنَادِيهَا ! ثُمَّ زَفَرَ زَفْرَةً ، فَمَاتَ فَدَفَنْتُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ ، فَأَقَامَتِ الْجَارِيَةُ بَعْدَهُ ثَلاثًا لا تُطْعَمُ ثُمَّ مَاتَتْ " @ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبْعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُتْبِيُّ ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ ، قَالَ : رَأَيْتُ امْرَأَةً مُنْحَطَّةً عَلَى قَبْرٍ ، وَهِيَ تَقُولُ : فَيَا قَبْرُ لَوْ شَفَّعْتَنِي فِيهِ مَرَّةً فَأَخْرَجْتَهُ مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ فَكُنْتُ أَرَى هَلْ غَيَّرَ التُّرْبِ وَجْهَهُ وَهَلْ عَاثَ دُودُ اللَّحْدِ فِي ذَلِكَ اللَّحْدِ فَقُلْتُ لَهَا : مَنْ صَاحِبُ الْقَبْرِ مِنْكِ ؟ قَالَتْ : عَمٍّ لِي تَزَوَّجَنِي ، فَطَفِقَ لا يَرْوَى مِنِّي وَلا أَنْهَلُ مِنْهُ ، حَتَّى كَانَ الْعَامُ الْمَاضِي ، وَغَزَتْنَا سُلَيْمٌ ، وَلَيْسَ فِي الْحَيِّ غَيْرِي وَغَيْرُهُ ، فَخَرَجَ يَحْمِي ، وَهُوَ يَقُولُ : نَعَتْنِي زُبَيْدٌ إِنْ شَكَوْتُ حَلِيلَتِي طِعَانِي وَكَرِّي مَا إِذَا الْخَيْلُ كَرَّتِ فَإِنْ مِتُّ فَاغْزِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِذِكْرِي وَلا تَنْسِي أُمَيْمَةُ خُلَّتِي فَوَاللَّهِ مَا بَرِحَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ , قُلْتُ : فَكَمْ سَنَةٍ كَانَتْ لَهُ ؟ قَالَتْ : أَنَا أَكْبَرُ مِنْهُ وَلِي تِسْعُ عَشْرةَ سَنَةً ، وَاللَّهِ لا شَمِمْتُ رُوحَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ السَّاعَةِ ، فَظَنَنْتُهَا هَازِئَةً ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَأَيْتُ جَِنَازَةً فَسَأَلْتُ عَنْهَا ، فَقِيلَ لِي : هَذِهِ الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ تُحَدِّثُكَ بِالأَمْسِ عِنْدَ الْقَبْرِ عَنْ بَعْلِهَا ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَّتْ لِبَعْلِهَا وَصَدَقَتْ فِي نَفْسِهَا " @ وَبِالإِسْنَادِ : قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ الْعُمَرِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ جَارِيَةً عِنْدَ قَبْرٍ ، وَهِيَ تَقُولُ : بِنَفْسِي فَتًى أَوْفَى الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا وَأَقْوَاهُمُ فِي الْمَوْتِ صَبْرًا عَلَى الْحُبِّ فَقُلْتُ : بِمَ صَارَ أَقْوَاهُمْ وَأَوْفَاهُمْ ؟ قَالَتْ : هَوِيَ فَكَانَ أَهْلِي إِذَا جَاهَرَ بِحُبِّي لامُوهُ ، وَإِذَا كَتَمَهُ عَنَّفُوهُ , فَلَمَّا أَخَذَهُ الأَمْرُ ، قَالَ بَيْتَيْنِ مِنَ الشِّعْرِ وَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُمَا إِلَى أَنْ مَاتَ , قُلْتُ : وَمَا هُمَا ؟ قَالَتْ قَوْلُهُ : @ 1 : 458 @ يَقُولُونَ إِنْ جَاهَرْتُ قَدْ عَضَّكَ الْهَوَى وَإِنْ لَمْ أَبُحْ بِالْحُبِّ قَالُوا : تَصَبَّرَا فَمَا لِلَّذِي يَهْوَى وَيْكَتِمُ حُبَّهُ مِنَ الأَمْرِ إِلا أَنْ يَمُوتَ فَيُعْذَرَا وَاللَّهِ يَا هَذَا لا أَبْرَحُ أَوْ يَتَّصِلَ قَبْرَانَا ! ثُمَّ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَصَاحَ النِّسَاءُ ، وَقُلْنَ : قَضَتْ وَالَّذِي اخْتَارَ لَهَا الْوَفَاةَ , فَمَا رَأَيْتُ أَسْرَعُ وَلا أَوْحَى مِنْ أَمْرِهَا " @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلافِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَلادُ بْنُ يَزِيدَ الأَرْقَطُ ، قَالَ : كَانَ عُوَيْمَرُ الْعُقَيْلِيُّ مَشْغُوفًا بِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا : رَيَّا ، فَزُوِّجَتْ بِرَجُلٍ ، فَحَمَلَهَا إِلَى بِلادِهِ ، فَاشْتَدَّ وَجْدُهُ ، وَاعْتَلَّ عِلَّةً ، وَأَخَذَهُ الْهُلاسُ فَدَعَوْا لَهُ طَبِيبًا لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ أَخْبَرَنِي بِالَّذِي تَجِدُ ، فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ ، فَقَالَ : عَطَفْتُ عَلَى أَسْرَارِكُمْ فَكَسَوْتُهَا قَمِيصًا مِنَ الْكِتْمَانِ لا يَتَخَرَّقُ وَلِي عَبْرَتَانِ مَا يَفِيقَانِ عَبْرَةٌ تَفِيضُ وَأُخْرَى لِلصَّبَابَةِ تَخْنُقُ وَأَكْثَرُ حَظِّي مِنْكِ أَنِّي إِذَا جَرَتْ لِيَ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَائِكُمْ أَتَنَشَّقُ ثُمَّ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَمَا مَكَثَ إِلا لِيَالِيَ يَسِيرَةً حَتَّى قَضَى " @ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : تَزَوَّجَ مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ بِنْتَ عَمِّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، فَشُغِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ ، وَكَانَ مَالِكٌ شُجَاعًا مُسْبَعًا ، فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لا يُقَاتِلَ إِذَا لَقِيَ شَفَقًا عَلَيْهِ ، وَضَنًّا بِهِ ، وَإِنَّهُ غَزَا حَيًّا مِنْ لَخْمٍ ، فَبَاشَرَ الْقِتَالَ فَأَصَابَتْهُ جِرَاحٌ ، فَقَالَ وَهُوَ مُثْقَلٌ مِنْهَا : أَلا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ غَزَالٍ تَرَكْتُهُ إِذَا مَا أَتَاهُ مَصْرَعِي كَيْفَ يَصْنَعُ فَلَوْ أَنَّنِي كُنْتُ الْمُؤَخَّرَ بَعْدَهُ لَمَا بَرِحَتْ نَفْسِي عَلَيْهِ تَطْلُعُ وَإِنَّهُ مَكَثَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ , فَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُهُ إِلَى زَوْجَتِهِ بَكَتْ سَنَةً ، ثُمَّ اعْتُقِلَ لِسَانُهَا ، فَامْتَنَعَتْ عَنِ الْكَلامِ ، وَكَثُرَ خُطَّابُهَا ، فَقَالَ عُمُومَتُهَا وَوُلاةُ أَمْرِهَا ، نُزَوِّجُهَا ، @ 1 : 459 @ فَلَعَلَّ لِسَانَهَا يَنْطَلِقُ ، وَيَذَهَبُ حُزْنُهَا ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ ، فَزَوَّجُوهَا بَعْضَ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ ، فَسَاقَ إِلَيْهَا أَلْفَ بَعِيرٍ ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ فِيهَا ، قَامَتْ عَلَى بَابِ الْقُبَّةِ ، فَقَالَتْ : يَقُولُ رِجَالٌ زَوِّجُوهَا لَعَلَّهَا تَقَرُّ وَتَرْضَى بَعْدَهُ بِحَلِيلِ فَأَخْفَيْتُ فِي النَّفْسِ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا رَجَاءٌ لَهُمْ وَالصِّدْقُ أَفْضَلُ قِيلِ أَبَعْدَ ابْنِ عَمِّي فَارِسِ الْقَوْمِ مَالِكٍ أُزَفُّ إِلَى بَعْلٍ بِهَضْبِ كَلِيلِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا أَقَامَ وَنَادَى صَحْبَهُ بِرَحِيلِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ نَكُولِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا جَوَادٌ بِمَا فِي الرَّحْلِ غَيْرُ بَخِيلِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا خَفِيفٌ عَلَى الْحَدَّاثِ غَيْرُ ثَقِيلِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا صَرُومٌ كَمَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلِ , قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ : وَحَدَّثَنِي مُشْكِدَانَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبْقَرِيُّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي شَيْخٌ أَثِقُ بِهِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَزَادَ فِيهِ : فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنَ الشِّعْرِ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَكَى لِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِرَبَاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْدِقَائِي أَنَّهُ دَخَلَ بَعْضَ الْمَارَسْتَانَاتِ بِبَغْدَادَ ، فَرَأَى شَابًّا حَسَنَ الْوَجْهِ نَظِيفَ الثِّيَابِ جَالِسًا عَلَى حَصِيرٍ نَظِيفٍ ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِخَّدَةٌ نَظِيفَةٌ ، وَفِي يَدَهِ مِرْوَحَةٌ ، وَإِلَى جَانِبِهِ كَرَارٌ فِيهِ مَاءٌ ، قَالَ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلامَ أَحْسَنَ رَدٍّ ، فَقُلْتُ لَهُ : هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أُرِيدُ قُرْصَيْنِ وَعَلَيْهِمَا فَالُوذَجٌ ، فَمَضَيْتُ فَجِئْتُهُ بِذَلِكَ ، وَجَلَسْتُ مُقَابِلَهُ حَتَّى أَكَلَ ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ : بَقِيَ لَكَ حَاجَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَأَظُنُّكَ تَقْدِرُ عَلَيْهَا ، فَقُلْتُ : اذْكُرْهَا ، فَلَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُيَسِّرُهَا ، فَقَالَ : تَمْضِي إِلَى نَهْرِ الدَّجَاجِ دَرْبِ أَحْمَدَ الدَّهْقَانِ إِلَى دَارٍ عَلَى بَابِ زُقَاقِ الْغَفْلَةِ ، فَاطْرُقِ الْبَابَ ، وَقُلْ إِنَّ فُلانًا قَالَ لِي : مُرَّ بِالْحَبِيبِ وَقُلْ لَهُ مَجْنُونُكُمْ مَنْ يَحُلُّهْ قَالَ : فَمَضَيْتُ وَسَأَلْتُ عَنِ الدَّرْبِ وَالزُّقَاقِ ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ ، فَطَرَقْتُ الْبَابَ فَخَرَجَتْ إِلَيَّ عَجُوزٌ فَأَبْلَغْتُهَا الرِّسَالَةَ ، فَدَخَلَتْ وَغَابَتْ عَنِّي سَاعَةً ، ثُمَّ خَرَجَتْ ، وَقَالَتْ : @ 1 : 460 @ ارْجِعْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ عَلَيْكُمْ مَنْ أَعَلَّهْ فَرَجَعْتُ إِلَى الْفَتَى فَأَخْبَرْتُهُ بِالْجَوَابِ ، فَشَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ ، وَعُدْتُ إِلَى الْقَوْمِ أُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ فَوَجَدْتُ الصُّرَاخَ فِي الدَّارِ ، وَقَدْ مَاتَتِ الْجَارِيَةُ ، أَوْ كَمَا قَالَ @ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْعُتَيْقِيِّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأَزْهِرِ ، قَالَ : قَالَ الرِّيَاشِيُّ : قَالَ ابْنُ عَائِشَةَ : " أَحَبَّ رَجُلٌ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ ، فَقَالَتْ : إِنَّ النَّاسَ قَدِ أَكْثَرُوا عَلَيْنَا ، فَلَوْ خَرَجْتَ بِنَا مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ , قَالَ : فَخَرَجَ بِهَا وَخَرَجَ فِي إِثْرِهِمَا أَخٌ لَهُ ، فَجَعَلَ لا يَتْرُكُ مَنْزِلا إِلا قِيلَ لَهُ : قَدْ نَزَلا وَارْتَحَلا ، حَتَّى أَتَى مَنْزِلا ، فَقِيلَ لَهُ : نَزَلا بِهَذَا الْمَاءِ ، فَمَرِضَتْ فَمَاتَتْ فَدَفَنَّاهَا ، ثُمَّ كَانَ يَأْتِي الرَّجُلُ قَبْرَهَا فَيَبْكِي وَيَنْصَرِفُ ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا ، وَهَذَانِ هُمَا , فَأَنْشَأَ يَقُولُ : أَفِقْ مُرَّ إِنَّ الْوُدَّ شَرُّ لَصِيقٍ وَإِلا فَمُتْ إِنْ كُنْتَ غَيْرَ مُطِيقِ فَقَدْ سَاقَ لَيْلَى الْحُبُّ حَتَّى أَحَلَّهَا بِرَاذَانَ قَبْرًا غَيْرَ جِدِّ عَمِيقِ فَمِنْ بَيْنَ مَوْتَانَا دُفِنْتِ غَرِيبَةً فَلا تَبْعُدِي مِنْ ذِي هَوًى وَمَشُوقِ @ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا . وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ , قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنِ الْعَلافِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ ، قَالا : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَوَّاصُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي فَضْلٌ الْيَزِيدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْهِلالِيَّ ، قَالَ : شَهِدْتُ أَبَا يَحْيَى التَّيْمِيَّ ، يَقُولُ : كَانَ يَخْتَلِفُ مَعَنَا فَتًى مِنَ النُّسَّاكِ ، يُقَالُ لَهُ : أَبُو الْحَسَنِ إِلَى مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ مَعَهُ فَتًى حَسَنُ الْوَجْهِ يَفْتِنُ النَّاسَ إِذَا رَأَوْهُ ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْقَوْلَ فِيهِ ، وَفِي صُحْبَتِهِ إِيَّاهُ ، وَمَنَعَهُ أَهْلُهُ أَنْ يَصْحَبَهُ وَأَنْ يُكَلِّمَهُ ، فَذُهِلَ عَقْلُهُ حَتَّى خُشِيَ عَلَيْهِ التَّلَفُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِسْعَرًا ، فَقَالَ : قُولُوا لَهُ لا يَقْرَبُنِي وَلا يَأْتِي مَجْلِسِي ، فَإِنِّي لَهُ كَارِهٌ ، فَلَقِيتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَتَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : @ 1 : 461 @ يَا مَنْ بَدَائِعُ حُسْنِ صُورَتِه ِ تُثْنِي إِلَيْهِ أَعِنَّةُ الْحَدَقِ لِي مِنْكَ مَا لِلنَّاسِ كُلِّهِمُ نَظَرٌ وَتَسْلِيمٌ عَلَى الطُّرُقِ لَكِنَّهُمْ سَعِدُوا بِأَمْنِهِم ُ وَشَقِيتُ حِينَ أَرَاكَ بِالْفَرَقِ ثُمَّ صَرَخَ صَرْخَةً ، وَشَخَصَ بَصَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَسَقَطَ ، فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ " @ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ ، قَالَ : أَنْبَأنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيعِ الْكَادِحِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : عَن صَاحِبُ هِنْدٍ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو , وَإِنَّهُ عَشِقَهَا ، فَمَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا حَتَّى ضَنِيَ ، فَلَمْ يَدْرِ أَهْلُهُ مَا بِهِ ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ عَجُوزٌ ، فَقَالَتْ : إِنَّ صَاحِبَكُمْ عَاشِقٌ فَاذْبَحُوا لَهُ شَاةً وَائْتُوهُ بِهَا ، وَغَيِّبُوا فُؤَادَهَا فَفَعَلُوا ، وَأَتَوْهُ بِهَا ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ بَضْعَةً وَيَضَعُ أُخْرَى ، قَالَ : أَمَا لِشَاتِكُمْ قَلْبٌ ، فَقَالَ أَخُوهُ : أَلا أَرَاكَ عَاشِقًا وَلَمْ تُخْبِرْنَا ! فَبَلَغَنِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ : آهٍ ، وَمَاتَ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ ، قَالَ : ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ ، فِيمَا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ صَالِحِ بْنِ دَاوُدَ ، ذَكَرَ عَنْ جَارِيَةٍ مِنْ جَوَارِي الْقِيَانِ , أَنَّهَا كَانَتْ تَمِيلُ إِلَيْهِ مَحَبَّةً وَكَلَفًا ، وَكَانَتْ مَوْصُوفَةً بِالأَدَبِ ، شَاعِرَةً ، فَحَضَرَ يَوْمًا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ ، قَالَتْ : طَابَ عَيْشُنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا ، فَكَتَبَتْ عَلَى مِنْدِيلٍ : لَعَلَّ الَّذِي أَبْلَى بِحُبِّكَ يَا فَتَى يَرُدُّكَ لِي يَوْمًا إِلَى أَحْسَنِ الْعَهْدِ ثُمَّ تَغَافَلَتْ أَهْلَ الْمَجْلِسِ وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ الْمِنْدِيلَ ، قَالَ : فَمَا هُوَ إِلا أَنْ قَرَأْتُ الشِّعْرَ حَتَّى وَجَدْتُ فِي قَلْبِي مِنْ أَمْرِهَا مِثْلَ النَّارِ ، فَقُمْتُ وَانْصَرَفْتُ خَوْفًا مِنَ الْفَضِيحَةِ ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَعْمَلُ الْحِيلَةَ فِي ابْتِيَاعِهَا مِنْ حَيْثُ لا تَعْلَمْ ، فَعَسُرَ ذَلِكَ ، فَعَرَّفْتُهَا مَا قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ مِنَ ابْتِيَاعِهَا ، فَأَعَانَتْنِي عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَلَكْتُهَا ، فَلَمْ أُوثِرْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ حَرَمِي وَأَهْلِي ، وَلا كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ يَعْدِلُهَا ، فَتُوُفِّيَتْ ، فَأَنَا لا عَيْشَ لِي وَلا سُرُورَ ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ بَعْدَ هَذَا الْكَلامِ إِلا أَيَّامًا يَسِيرَةً حَتَّى مَاتَ أَسَفًا عَلَيْهَا وَكَمَدًا ، فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ . وَأَنْبَأَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ ، قَالا : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ , قَالَ : أَنْبَأَنَا @ 1 : 462 @ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْيَشْكُرِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الصَّائِغُ ، بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ ابْنِ الأَشْدَقِ ، قَالَ : كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَرَأَيْتُ شَابًّا تَحْتَ الْمِيزَابِ قَدْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي كِسَائِهِ يَئِنُّ كَالْمَحْمُومِ ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ ، ثُمَّ قَالَ : مِنْ أَيْنَ ؟ قُلْتُ : مِنَ الْبَصْرَةِ ، قَالَ : وَرَاجِعٌ إِلَيْهَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : إِذَا دَخَلْتَ النِّبَاجَ فَاخْرُجْ إِلَى الْحَيِّ ، ثُمَّ نَادِ : يَا هِلالُ ، تَخْرُجُ إِلَيْكَ جَارِيَةٌ ، تُنْشِدُهَا هَذَا الْبَيْتَ : وَقَدْ كُنْتُ أَهْوَى أَنْ تَكُونَ مَنِيَّتِي بِعَيْنَيْكِ حَتَّى تَنْظُرِي مَيَّتَ الْحُبِّ وَمَاتَ مَكَانَهُ , فَلَمَّا دَخَلْتُ النِّبَاجَ أَتَيْتُ الْحَيَّ ، فَنَادَيْتُ : يَا هِلالُ ، يَا هِلالُ ، فَخَرَجَتْ إِلَيَّ جَارِيَةٌ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهَا ، قَالَتْ : مَا وَرَاءَكَ ؟ قُلْتُ : شَابٌّ بِمَكَّةَ أَنْشَدَنِي هَذَا الْبَيْتَ ، قَالَتْ : وَمَا صَنَعَ ؟ قُلْتُ : مَاتَ ، فَخَرَّتْ مَكَانَهَا مَيِّتَةً @ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ كِلاهُمَا , عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، قَالَ : حَجَجْتُ فَرَأَيْتُ امْرَأَةً قُبَيْلَ فَيْدٍ ، وَهِيَ تَقُولُ : فَإِنْ تَضْرِبُوا ظَهْرِي وَبَطْنِي كَلَيْهِمَا فَلَيْسَ لِقَلْبٍ بَيْنَ جَنْبِيَ ضَارِبُ فَسَأَلْتُ عَنْهَا ، فَقِيلَ : عَاشِقٌ , ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَإِذَا بِهَا قَدْ حَالَ لَوْنُهَا مَعَ حُسْنِهِ ، وَهِيَ تَقُولُ : فَإِنْ يَكُ عِيسَى قَدْ أَطَاعَ بِيَ الْعِدَا فَلا وَأَبِيهِ مَا أَطَعْتُ الأَعَادِيَا يَقُولُونَ لِي مَوْلَى فَلا تَقْرَبِنَّهُ وَعَيْشِ أَبِي إِنِّي أُحِبُّ الْمَوَالِيَا ثُمَّ رَجَعَتُ مِنَ الْعَامِ الثَّالِثِ ، فَإِذَا هِيَ مُقَيَّدَةٌ ، فَاقِدَةٌ عَقْلَهَا ، وَهِيَ تَقُولُ : أَيَا طَلْحَةَ الرُّعْيَانِ ظِلُّكَ بَارِدٌ وَمَاؤُكَ عَذْبٌ يَسْتَسِيغُ لِشَارِبِ ثُمَّ سَأَلْتُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهَا مَاتَتْ " @ 1 : 463 @ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الإِبَرِيُّ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِئُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الأَرْدَسْتَانِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِمَكَّةَ بَابِ النَّدْوَةِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِنَسَفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ الرَّقِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّامِرِيُّ ، قَالَ : مَرَرْتُ بِدَيْرِ هِزْقَلَ أَنَا وَصَدِيقٌ لِي ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ فَتَرَى مَنْ فِيهِ مِنْ مِلاحِ الْمَجَانِينِ ؟ قُلْتُ : ذَاكَ إِلَيْكَ ، فَدَخَلْنَا فَإِذَا بِشَابٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ ، مُرَجَّلِ الشَّعْرِ ، مَكْحُولِ الْعَيْنِ ، أَزَجِّ الْحَوَاجِبِ ، كَأَنَّ شَعْرَ أَجْفَانِهِ مَقَادِيمُ النُّسُورِ ، وَعَلَيْهِ طَلاوَةٌ تَعْلُوهُ حَلاوَةٌ ، مَشْدُودٌ بِسِلْسِلَةٍ إِلَى جِدَارٍ ، فَلَمَّا بَصُرَ بِنَا ، قَالَ : مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ ، قَرَّبَ اللَّهُ مَا نَأَى مِنْكُمْ ، بِأَبِي أَنْتُمْ , قُلْنَا : وَأَنْتَ ، فَأَمْتَعَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ بِقُرْبِكَ ، وَآنَسَ جَمَاعَةَ ذَوِي الْمُرُوءَةِ بِشَخْصِكَ ، وَجَعَلَنَا وَسَائِرَ مَنْ يُحِبُّكَ فِدَاكَ , فَقَالَ : أَحَسَنَ اللَّهُ عَنْ جَمِيلِ الْقَوْلِ جَزَاءَكُمَا ، وَتَوَلَّى عَنِّي مُكَافَأَتَكُمَا , قُلْنَا : وَمَا تَصْنَعُ فِي هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ لِغَيْرِهِ أَهْلٌ ؟ فَقَالَ : اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي كَمِدُ لا أَسْتَطِيعُ أَبُّثُ مَا أَجِدُ رُوحَانِ لِي رُوحٌ تَضَمَّنَهَا بَلَدٌ وَأُخْرَى حَازَهَا بَلَدُ أَمَّا الْمُقِيمَةُ لَيْسَ يَنْفَعُهَا صَبْرٌ وَلَيْسَ بِقُرْبِهَا جَلَدُ وَأَظُنُّ غَائِبَتِي كَشَاهِدَتِي بِمَكَانِهَا تَجِدُ الَّذِي أَجِدُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : أَحْسَنْتُ ؟ ، قُلْنَا : نَعَمْ , وَوَلَيْنَا ، فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتُمْ مَا أَسْرَعَ مَلَلَكُمْ ، بِاللَّهِ أَعِيرُونِي أَفْهَامَكُمْ وَأَذْهَانَكُمْ , قُلْنَا : هَاتِ ، فَقَالَ : لَمَّا أَنَاخُوا قُبَيْلَ الصُّبْحِ عِيرَهُمُ وَرَحَّلُوهَا فَسَارَتْ بِالْهَوَى الإِبِلُ وَقَلَّبَتْ مِنْ خِلالِ السَّجْفِ نَاظِرَهَا تَرْنُو إِلَيَّ وَدَمْعُ الْعَيْنِ مُنْهَمِلُ فَوَدَّعَتْ بِبِنَانٍ عَقْدُهُ عَنَمٌ نَادَيْتُ لا حَمَلَتْ رِجْلاكَ يَا جَمَلُ @ 1 : 464 @ وَيْلِي مِنَ الْبَيْنِ مَاذَا حَلَّ بِي وَبِهَا يَا نَازِحَ الدَّارِ حَلَّ الْبَيْنُ فَارْتَحِلُوا يَا رَاحِلَ الْعِيسِ عَرِّجْ كَيْ أُوَدِّعُهَا يَا رَاحِلَ الْعِيسِ فِي تِرْحَالِكَ الأَجَلُ إِنِّي عَلَى الْعَهْدِ لَمْ أَنْقُضْ مَوَدَّتَكُمْ فَلَيْتَ شِعْرِي وَطَالَ الْعَهْدُ مَا فَعَلُوا فَقُلْنَا ، وَلَمْ نَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ مَا وَصَفَ ، مُجُونًا : مَاتُوا ، فَقَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكُمْ مَاتُوا ؟ فَقُلْنَا : انْظُرْ مَا تَصْنَعُ ، نَعَمْ مَاتُوا , قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَيِّتٌ فِي إِثْرِهِمْ , ثُمَّ جَذَبَ نَفْسَهُ فِي السِّلْسِلَةِ جَذْبَةً دُلِعَ مِنْهَا لِسَانُهُ وَنَدَرَتْ لَهَا عَيْنَاهُ وَانْبَعَثَتْ شَفَتَاهُ بِالدِّمَاءِ ، فَتَلَبَّطَ سَاعَةً ثُمَّ مَاتَ , فَلا أَنْسَى نَدَامَتَنَا عَلَى مَا صَنَعْنَا ! وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ @ فأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُبَرِّدُ ، قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي مَعَ الْمأْمُونِ ، فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْ نَحْوِ الرِّقَّةِ ، إِذَا نَحْنُ بِدَيْرٍ كَبِيرٍ ، فَأَقْبَلَ إِلِيَّ بَعْضُ أَصْحَابِي ، فَقَالَ : مِلْ بِنَا إِلَى هَذَا الدَّيْرِ لِنَنْظُرَ مَنْ فِيهِ وَنَحْمَدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا رَزَقَنَا مِنَ السَّلامَةِ ، فَلَمَّا دَخَلْنَا إِلَى الدَّيْرِ رَأَيْنَا مَجَانِينَ مُغَلْغَلِينَ وَهُمْ فِي نِهَايَةِ الْقَذَارَةِ ، فَإِذَا مِنْهُمْ شَابٌّ عَلَيْهِ ثِيَابٌ نَاعِمَةٌ , فَلَمَّا بَصُرَ بِنَا ، قَالَ : مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُمْ يَا فِتْيَانُ ؟ حَيَّاكُمُ اللَّهُ , فَقُلْنَا : نَحْنُ مِنَ الْعِرَاقِ ، فَقَالَ : بِأَبِي الْعِرَاقُ وَأَهْلُهَا ، بِاللَّهِ أَنْشِدُونِي أَوْ أُنْشِدُكُمْ ، فَقَالَ : الْمُبَرِّدُ : وَاللَّهِ إِنَّ الشِّعْرَ مِنْ هَذَا لَظَرِيفٌ , فَقُلْنَا : أَنْشِدْنَا ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ : اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي كَمِدُ لا أَسْتَطِيعُ أَبُثُّ مَا أَجِدُ رُوحَانِ لِي رُوحٌ تَضَمَّنَهَا بَلَدٌ وَأُخْرَى حَازَهَا بَلَدُ وَأَرَى الْمُقِيمَةَ لَيْسَ يَنْفَعُهَا صَبْرٌ وَلا يَقْوَى بِهَا جَلَدُ وَأَظُنُّ غَائِبَتِي كَشَاهِدَتِي بِمَكَانِهَا تَجِدُ الَّذِي أَجِدُ قَالَ الْمُبَرِّدُ : إِنَّ هَذَا لَظَرِيفٌ وَاللَّهِ ، زِدْنَا , فَأَنْشَأَ يَقُولُ : لَمَّا أَنَاخُوا قُبَيْلَ الصُّبْحِ عِيرَهُمُ وَرَحَّلُوهَا فَثَارَتْ بِالْهَوَى الإِبِلُ وَأَمْرَرَتْ مِنْ خِلالِ السَّجْفِ نَاظِرَهَا تَرْنُو إِلَيَّ وَدَمْعُ الْعَيْنِ مُنْهَمِلُ @ 1 : 465 @ وَوَدَّعَتْ بِبَنَانٍ عِقْدُهَا عَنَمُ نَادَيْتُ لا حَمَلَتْ رِجْلاكَ يَا جَمَلُ وَيْلِي مِنَ الْبَيْنِ مَاذَا حَلَّ بِي وَبِهَا مِنْ نَازِلِ الْبَيْنِ حَانَ الْبَيْنُ وَارْتَحَلُوا يَا رَاحِلَ الْعِيسِ عَرِّجْ حَتَّى نُوَدِّعَهَا يَا رَاحِلَ الْعِيسِ فِي تِرْحَالِكَ الأَجَلُ إِنِّي عَلَى الْعَهْدِ لَمْ أَنْقُضْ مَوَدَّتَهُمْ فَلَيْتَ شِعْرِي لِطُولِ الْعَهْدِ مَا فَعَلُوا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْبُغَضَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعِي ، مَاتُوا , قَالَ : إِذَنْ فَأَمُوتُ , فَقَالَ لَهُ : إِنْ شِئْتَ , فَتَمَطَّى وَاسْتَنَدَ إِلَى السَّارِيَةِ الَّتِي كَانَ مَشْدُودًا فِيهَا ، فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى دَفَنَّاهُ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّوْزِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْجَرَادِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرٌ . وَأَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ , قَالا : حَدَّثَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ يُونُسَ ، قَالَ : انْصَرَفْتُ مِنَ الْحَجِّ ، فَمَرَرْتُ بِمَاوِيَّهَ ، وَكَانَ لِي فِيهَا صَدِيقٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، فَصِرْتُ إِلَيْهِ مُسَلِّمًا ، فَأَنْزَلَنِي ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ وَنَحْنُ قَاعِدَانِ بِفِنَائِهِ ، إِذَا نِسَاءٌ مُسْتَبْشِرَاتٌ ، وَهُنَّ يَقُلْنَ : تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : أَحَبَّ فَتَى مِنَّا بنت عَمٍّ لَهُ ، فَتَزَوَّجَتْ ، وَحُمِلَتْ إِلَى نَاحِيَةِ الْحِجَازِ ، فَإِنَّهُ لَعَلَى فِرَاشِهِ مُذْ حَوْلٍ مَا تَكَلَّمَ , فَقُلْتُ : أُحِبّ أَنْ أَرَاهُ , فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ ، فَمَشَيْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ، وَإِذَا فَتَى مُضْطَجِعٌ بِفِنَاءِ بَيْتٍ مِنْ تِلْكَ الْبُيُوتِ ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلا خَيَالٌ ، فَأَكْبَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ ، فَسَأَلَهُ وَأَمُّهُ وَاقِفَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا مَالِكُ هَذَا عَمُّكَ أَبُو فُلانٍ ، يَعُودُكَ ، فَفَتَحَ عَيْنَهُ وَأَنْشَأَ ، يَقُولُ : لِيَبْكِنِي الْيَوْمَ أَهْلُ الْوُدِّ وَالشَّفَقِ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُهْجَتِي شَيْءٌ سِوَى رَمَقِي الْيَوْمَ آخِرُ عَهْدِي بِالْحَيَاةِ فَقَدْ أُطْلِقْتُ مِنْ رَبْقَةِ الأَحْزَانِ وَالْقَلَقِ ثُمَّ تَنَفَسَّ الصَّعْدَاءَ ، فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ , فَقَامَ الشَّيْخُ ، وَقُمْتُ فَانْصَرَفْتُ إِلَى خِبَاءَةٍ ، وَإِذَا امْرَأَةٌ بَضَّةٌ تَبْكِي وَتَفَجَّعُ ، فَقَالَ الشَّيْخُ : مَا يُبْكِيكِ ؟ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ : أَلا أَبْكِي لِصَبٍّ شَفَّ مُهْجَتَهُ طُولُ السِّقَامِ وَأَضْنَى جِسْمُهُ الْكَمَدُ @ 1 : 466 @ يَا لَيْتَ مَنْ خَلَّفَ الْقَلْبَ الْمَهِيمَ بِهِ عِنْدِي فَأَشْكُو إِلَيْهِ بَعْضَ مَا أَجِدُ أَنَشْرُ تُرْبِكَ أَسَرَى لِي النِّسِيمُ بِهِ أَمْ أَنْتَ حَيْثُ يُنَاطُ السَّحَرُ وَالْكَبِدُ ثُمَّ أَنْكَبَّتْ عَلَى كَبِدِهَا ، وَشَهِقَتْ فَإِذَا هِيَ مَيِّتَةٌ ، قَالَ يُونُسُ : فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِ الشَّيْخِ وَأَنَا وَقِيذٌ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ ، قَالَ : ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَدَائِنِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّ بَعْضَ الأَعْرَابِ عَشِقَ جَارِيَةً مِنْ حَيِّهِ ، فَكَانَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا ، فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُهَا بِمَكَانِهِ وَمَجْلِسِهِ مِنْهَا ، تَحَمَّلُوا بِهَا ، فَتَبِعَهُمْ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَفُطِنَ بِهِ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ فُطِنَ بِهِ ، انْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ : بَانَ الْخَلِيطُ فَأَوْجَعُوا قَلْبِي حَسْبِي بِمَا قَدْ أَوْرَثُوا حَسْبِي إِنْ تَكْتُبُوا نَكْتُبْ وَإِنْ لا تَكْتُبُوا تَأَتِيكُمْ بِمَكَانِكُمْ كُتُبِي جَدَّ الرَّحِيلُ وَكَانَ فُرْقَةُ بَيْنِنَا لا شَكَّ أَنِّي مُنْقَضِ نَحْبِي قَالَ : ثُمَّ وَقَفَ عَلَى جَبَلٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مَاضِيِّنَ ، فَلَمَّا غَابُوا مِنْ عَيْنِهِ خَرَّ مَيِّتًا " @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هَارُونُ أَبُو مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجَشُونِ : أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا دَفَنَ حُبَابَةَ رَجَعَ فَمَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى خُرِجَ بِنَعْشِهِ " , وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : إِنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُ لا يَصْفُو لأَحَدٍ عَيْشُهُ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ لا يُكَدِّرُهُ شَيْءٌ ، سَأُجَرِّبُ ذَلِكَ , ثُمَّ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ : إِذَا كَانَ غَدًا فَلا تُخْبِرُونِي بِشَيْءٍ وَلا يَأْتِينِي كِتَابٌ ، وَخَلا هُوَ وَحُبَابَةُ ، فَأُتِيَا بِمَا يَأْكُلانِ ، فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً ، فَشَرِقَتْ بِحَبَّةٍ مِنْهَا ، فَمَاتَتْ ، فَأَقَامَ لا يَدْفِنُهَا حَتَّى تَغَيَّرَتْ ، وَأَنْتَنَتْ وَهُوَ يَشُمُّهَا وَيَلْثُمُهَا ، فَعَاتَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَذِنَ فِي غُسْلِهَا ، وَخَرَجَ مَعَهَا ، فَلَمَّا دُفِنَتْ ، قَالَ : أَصْبَحْتُ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ كُثَيِّرٌ : فَإِنْ تَسْلُ عَنْكَ النَّفْسُ أَوْ تَدَعِ الصِّبَا فَبِالْيَأْسِ تَسْلُو عَنْكَ لا بِالتَّجَلُّدِ , فَمَا أَقَامَ إِلا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى دُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا , وَفِي رِوَايَةٍ : بَقِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَخَرَجَ يَوْمًا فَقَالَ : انْبِشُوهَا حَتَّى أَنْظُرُ إِلَيْهَا , فَقِيلَ لَهُ : تَصِيرُ حَدِيثًا ، فَسَكَتَ , وَحَكَى الأَصْبَهَانِيُّ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ بِنَبْشِهَا بَعْدَ ثَلاثٍ ، فَنُبِشَتْ ، وَكُشِفَ لَهُ عَنْ @ 1 : 467 @ وَجْهِهَا وَقَدْ تَغَيَّرَتْ تَغَيُّرًا قَبِيحًا ، فَقِيلَ لَهُ : أَلا تَرَاهَا كَيْفَ صَارَتْ ؟ ! فَقَالَ : مَا رَأَيْتُهَا قَطُّ أَحَسَنَ مِنْهَا الْيَوْمَ ، أَخْرِجُوهَا , فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى سَكَتَ , ثُمَّ مَاتَ عُقَيْبَ ذَلِكَ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ التَّوْزِيِّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّصَافِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، يَقُولُ : سَمِعْتُ مُصْعَبًا ، يَقُولُ : قَرَأْتُ عَلَى لَوْحَيْنِ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمَا عَلَى قَبْرَيْنِ : أَمُغَطَّى مِنِّي عَلَى بَصَرِي فِي الْحُبِّ أَمْ أَنْتَ أَكْمَلُ النَّاسِ حُسْنَا وَحَدِيثٌ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا وَرَأَيْتُ امْرَأَةً عِنْدَ الْقَبْرَيْنِ ، تَقُولُ : بِأَبِي لَمْ تُمَتِّعْكَ الدُّنْيَا مِنْ لَذَّاتُهَا ، اسْتَوْدَعْتُكَ مَنْ وَهَبَكَ لِي ثُمَّ سَلَبَكَ أَسَرَّ مَا كُنْتُ بِكَ ، فَقُلْتُ لَهَا : مَنْ هَذَا ؟ قَالَتِ : ابْنِي ، وَهَذِهِ ابْنَةُ عَمِّهِ ، كَانَ مُسَمَّى بِهَا ، فَلَيْلَةً زُفَّتْ إِلَيْهِ ، أَخَذَهَا وَجَعٌ أَتَى عَلَى نَفْسِهَا فَقَضَتْ ، فَانْصَدَعَ قَلْبُ ابْنِي فَلَحِقَتْ رُوحُهُ رُوحَهَا ، فَدَفَنْتُهُمَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . قُلْتُ : فَمَنْ كَتَبَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ ؟ قَالَتْ : أَنَا ، كَانَ كَثِيرًا مَا يَتَمَثَّلُ بِهِمَا ، قُلْتُ : مِمَّنْ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : فَزَارِيَّةٌ ، قُلْتُ : وَمَنْ قَائِلُهُمَا ؟ قَالَتْ : مَالِكُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ حِصْنٍ ، يَقُولُهُمَا فِي امْرَأَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي جُنْدَبٍ الأَنْصَارِيِّ . ثُمَّ قَالَتْ : وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ : يَا مُنَزِّلَ الْغَيْثِ بَعْدَمَا قَنَطُوا وَيَا وَلِيَّ الإِنْعَامِ وَالْمِنَنِ يَكُونُ مَا شِئْتُ أَنْ يَكُونَ وَمَا قَدَرْتَ أَنْ لا يَكُونُ لَمْ يَكُنِ لَوْ شِئْتَ إِذْ كَانَ حُبُّهَا عَرَضًا لَمْ تُرِنِي وَجْهَهَا وَلَمْ تَرَنِي يَا جَارَةَ الْحَيِّ كُنْتِ لِي سَكَنًا إِذْ لَيْسَ بَعْضُ الْجِيرَانِ بِالسَّكَنِ أَذْكُرُ مِنْ جَارَتِي مَحَاسِنَهَا طَرَائِقًا مِنْ حَدِيثِهَا الْحَسَنِ وَمِنْ حَدِيثٍ يَزِيدُنِي مِقَةً مَا لِحَدِيثِ الْمَوْمُوقِ مِنْ ثَمَنِ قَالَ : فَكَتَبْتُهَا ثُمَّ قَامَتْ مُوَلِّيَةً بَلَغَنِي عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي نَهْدٍ ، قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ : مُرَّةُ ، زُوِّجَ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ جَمِيلَةٌ ، يُقَالُ لَهَا : لَيْلَى ، وَكَانَ مُسْتَهَامًا بِهَا ، فَضُرِبَ عَلَيْهِ الْبَعْثُ إِلَى خُرَاسَانَ ، فَكَرِهَ فِرَاقَهَا ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدًا ، فَخَلَّفَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ @ 1 : 468 @ قَوْمِهِ بِرَاذَانَ ، فَغَزَا ، ثُمَّ تَعَجَّلَ . فَلَمَّا صَارَ بِرَاذَانَ جَلَسَ قَرِيبًا مِنَ الْقَصْرِ ، وَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ نَهَارًا ، فَخَرَجَتْ مِنَ الْقَصْرِ جَارِيَةٌ ، فَقَالَ لَهَا : مَا فَعَلَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي خَلَّفْتَهَا عِنْدَكُمْ ؟ قَالَتْ : أَمَا تَرَى ذَلِكَ الْقَبْرَ الْجَدِيدَ ، فَإِنَّهُ قَبْرُهَا . فَلَمْ يُصَدِّقْ حَتَّى خَرَجَتْ أُخْرَى فَسَأَلَهَا ، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَتَى الْقَبْرَ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ ، وَيَقُولُ : فَيَا قَبْرَ لَيْلَى لَوْ شَهِدْنَاكَ أَعْوَلَتْ عَلَيْكَ نِسَاءٌ مِنْ فَصَيحٍ وَمِنْ عَجَمِ وَيَا قَبْرَ لَيْلَى مَا تَضَمَّنْتَ مِثْلَهَا شَبِيهًا لِلَيْلَى فِي عَفَّافٍ وَفِي كَرَمِ وَيَا قَبْرَ لَيْلَى أَكْرِمَنَّ مَحِلَّهَا تَكُنْ لَكَ مَا عِشْنَا عَلَيْنَا بِهَا نِعَمُ وَيَا قَبْرَ لَيْلَى إِنَّ لَيْلَى غَرِيبَةٌ بِرَاذَانَ لَمْ يَشْهَدْكَ خَالٌ وَلا ابْنُ عَمِ وَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى مَاتَ فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا . @ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، قَالَ : صَحِبَنِي فَتًى فِي بَعْضِ أَسْفَارِي ، فَكُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُهُ يَنْشِدُ هَذِهِ الأَبْيَاتَ : أَلا إِنَّمَا التَّقْوَى رَكَائِبُ أُدْلِجَتْ وَأَدْرَكَتِ السَّارِي بِلَيْلٍ فَلَمْ يَنَمْ وَفِي صُحْبَةِ التَّقْوَى عَنَاءٌ وَثَرْوَةٌ وَفِي صُحْبَةِ الأَهْوَاءِ ذُلٌّ مَعَ النَّدَمْ فَلا تَصْحَبِ الأَهْوَاءَ وَاهْجُرْ مُحِبَّهَا وَكُنْ لِلْتُقَى إِلْفًا وَكُنْ فِي التُّقَى عَلَمْ فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا : مَا هَذِهِ الأَبْيَاتُ الَّتِي أَسْمَعُكَ كَثِيرًا تَنْشُدُهَا ؟ فَضَحِكَ ، وَقَالَ : كَيْفَ سَأَلْتَنِي عَنْهَا ؟ فَقُلْتُ : لإِنِّي أَرَاكَ كَثِيرًا مَا تُنْشِدُهَا ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ مِنْ قَوْلِكَ هِيَ ؟ قَالَ : لا ، وَلَكِنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَخٍ لِي ، وَلَهُ حَدِيثٌ عَجِيبٌ , فَقُلْتُ لَهُ حَدَّثَنِي ، فَقَالَ نَعَمْ ، كَانَ لِي أَخٌ وَكُنْتُ أُحِبُّهُ الْحُبَّ الَّذِي لا شَيْئَ بَعْدَهُ ، فَمَكَثْنَا بِذَلِكَ حِينًا ، فَلَزِمَ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ وَالأَدْبَ ، وَمَا رَأَيْتُ فَتًى مَعَ التَّقْوَى أَمْزَحُ مِنْهُ , قَالَ : ثُمَّ تَغَيَّرَ عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَعْهَدُ مِنْهُ مِنَ الْمِزَاحِ وَالسُّرُورِ وَحُسْنِ الْحَدِيثِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ غَمَّنِي ، وَأَنْكَرْتُهُ , فَخَلَوْتُ بِهِ يَوْمًا ، فَقُلْتُ : يَا أَخِي مَا قِصَّتُكَ ، وَمَا حَالُكَ ، وَمَا الَّذِي نَزَلَ بِكَ ؟ أَخْبِرْنِي ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ سُرِرْتُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا أَعَنْتُكَ عَلَيْهِ , قَالَ : وَاللَّهِ يَا أَخِي مَا هُوَ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ، وَلَسْتُ أُبْدِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ الأَمْرُ آخِرَهُ وَيَخْرُجَ مِنْ يَدِي ، وَلا أَسْتَطِيعُ رَدَّهُ , قَالَ : وَلَهِجَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ : أَلا إِنَّمَا التَّقْوَى رَكَائِبُ أُدْلِجَتْ @ 1 : 469 @ قَالَ : فَعَظُمَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِهِ ، وَشَغَلَ قَلْبِي وَأَخَذَهُ شَبِيهٌ بِالسَّهْوِ ، وَيَقُولُ فِي بَعْضِ السَّاعَاتِ : رَبِّ لا تَسْلُبْنِي دِينِي وَلا تَفْتِنِّي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي , فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : مَا أَرَاهُ إِلا وَقَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَهُوَ يَخَافُ ، وَمَكَثَ بِذَلِكَ حِينًا مَا يَزْدَادُ إِلا ضَنًى , وَجَعَلَ أَهْلُهُ يَسْأَلُونَنِي ، فَأَقُولُ : وَاللَّهِ مَا عِلْمِي بِهِ إِلا كَعِلْمُكُمْ ، عَنْ حَالِهِ فَمَا يُخْبِرُنِي بِشَيْءٍ , وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الأَمْرُ فَسَقَطَ عَلَى الْفِرَاشِ ، وَكَانَ النَّاسُ يَعُودُونَهُ ، وَدَخَلَ الأَطِبَّاءُ عَلَيْهِ ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : سُلٌ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : غَمٌ ، وَاخْتَلَفَتْ فِي أَمْرِهِ عَلَيْنَا الأَقَاوِيلُ ، وَكَانَ لا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِ : أَلا إِنَّمَا التَّقْوَى رَكَائِبُ أُدْلِجَتْ فَأَدْرَكَتِ السَّارِي بِلَيْلٍ فَلَمْ يَنَمْ قَالَ : وَلَمْ يَزَلْ بِهِ الأَمْرُ حَتَّى غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَضَاقَ بِهِ مَكَانُهُ ، فَأَدْخَلْنَاهُ بَيْتًا فَكَانَ يَصْرُخُ اللَّيْلَ كُلَّهُ ، فَإِذَا مَلَّ مِنَ الصُّرَاخِ أَنَّ كَمَا يَئِنُّ الْمُدْنِفُ مِنْ عِلَّتِهِ , فَأَشَارُوا عَلَيْنَا بِتَخَلِيَتِهِ ، وَقَالُوا : إِنَّكُمْ إِنْ خَلَيْتُمُوهُ تَفَرَّحَ وَاسْتَرَاحَ , فَخَلَيْنَاهُ ، فَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ خَرَجَ فَقَعَدَ عَلَى بَابِ دَارِهِ ، فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِهِ سَأَلَهُ : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَيَقُولُ : أُرِيدُ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا ، فَيَقُولُ : اذْهِبْ مَحْفُوظًا لَوْ كَانَ طَرِيقُكَ عَلَى بُغْيَتِنَا أَوْدَعْنَاكَ كَلامًا , قَالَ : فَمَرَّ بِهِ بَعْضُ إِخْوَانِهِ ، فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : أُرِيدُ حَيْثُ تُحِبُّ ، فَهَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : مَا هِيَ ؟ فَقَالَ : تَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى الْحَبِيبِ تَحِيَّةً وَتَبُثُّهُ بِمَطَاوِلِ الأَسْقَامِ وَتَقُلْ لَهُ إِنَّ الْتُقَى زَمَّ الْهَوَى لَمَّا سَمَا مُسْتَعْجِلا بِزِمَامِ فَقَالَ : أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : فَمَضَى فَمَا كَانَ بِأَسْرَعِ مِنْ أَنْ رَجَعَ ، فَقَالَ : قَدْ بَلَّغْتُ الْقَوْمَ رِسَالَتَكَ , قَالَ : فَمَا قَالُوا ؟ قَالَ : قَالُوا : لَئِنْ كَانَ تَقْوَى اللَّهِ زَمَّكَ أَنْ تَنَلْ أُمُورًا نَهَى عَنْهَا فَهُنَّ حَرَامُ فَزُرْنَا لِنَقْضِيَ مِنْ حَدِيثٍ لُبَانَةً وَنَشْفِي نُفُوسًا آذَنَتْ بِسِقَامِ قَالَ : فَوَثَبَ قَائِمًا ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : لا قَلَّ مَنْ هَذَا وَفِيهِ لِذِي الْهَوَى شِفَاءٌ وَقَدْ يَسْلُوا الْفَتَى جِدُّ وَامِقِ إِذَا الْيَأْسُ حَلَّ الْقَلْبَ لَمْ يَنْفَعِ الْبُكَا وَهَلْ يَنْفَعُ الْمَعْشُوقُ دَمْعَةُ عَاشِقِ قَالَ : وَمَضَى ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ ، فَقُلْتُ لأَهْلِهِ لا يَتْبَعُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ ، وَتَبِعْتُهُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالرَّأْيِ وَالدِّينِ ، وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ ، فَوَقَفَ عَلَى الْبَابِ ، فَقَالَ : فَهَأَنَذَا قَدْ جِئْتُ أَشْكُو صَبَابَتِي وَأُخْبِرُكُمْ عَمَّا لَقِيتُ مِنَ الْحُبِّ @ 1 : 470 @ وَأُظْهِرُ تَسْلِيمًا عَلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي وَصُولٌ ثُمَّ ذَا مِنْكُمْ حَسْبِي قَالَ : فَلَمَّا فَهِمْتُ الْقِصَّةَ وَخَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُنِي أَحَدٌ أَوْ يَرَاهُ بَعْضُ مَنْ يَعْرِفُهُ أَوْ يَفْهَمَ قِصَّتَهُ ، خَرَجْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : مَا جُلُوسُكَ عَلَى بَابِ الْقَوْمِ وَلَمْ يَأْذَنُوا لَكَ ؟ قَالَ : بَلَى , فَقُلْتُ : كَيْفَ وَهُمْ يَقُولُونَ : بِاللَّهِ رَبِّكَ لا تُمُرُّ بِبَابِنَا إِنَّا نَخَافُ مَقَالَةَ الْحُسَّادِ وَدَعِ التَّعَتُّبَ وَالتَّذُكُّرَ إِنَّهُ يَنْقُلُهُ عَنْكَ أَجِلَّةُ الْعُوَّادِ قَالَ : يَا صَالِحُ وَقَدْ قَالُوا هَذَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَجَعَلَ يَهْذِي ، وَيَقُولُ : إِنْ كَانَ قَدْ كَرِهُوا زِيَارَةَ عَاشِقٍ فَلَرُبَّ مَعْشُوقٍ يَزُورُ الْعَاشِقَا فَلَمَّا رَجَعَتْ سَأَلُونِي عَنْ قِصَّتِهِ ، فَقُلْتُ : مَا أَخْطَأَ الْجَبَّانَةَ , وَلَزِمَ بَيْتَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ زَائِلَ الْعَقْلِ حَتَّى مَاتَ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِئُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمُحَسِّنُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّيْبُلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدٌ النِّعَالِيُّ ، غُلامُ أَبِي الْهُذَيْلِ ، قَالَ : انْصَرَفْتُ مِنْ جَِنَازَةٍ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ ، فَتَوَخَّيْتُ سِكَّةً ظَلِيلَةً ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى بَابِ دَارٍ ، فَسَمِعْتُ تَرَنُّمًا يَجْذِبُ الْقَلْبَ ، فَطَرَقْتُ الْبَابَ وَاسْتَسْقَيْتُ مَاءً ، فَإِذَا فَتَى ابْتَهَرْتُ بِجَمَالِهِ إِلا أَنَّ آثَارَ الْعِلَّةِ وَالسَّقَمِ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَأَدْخَلَنِي إِلَى خَيْشٍ نَظِيفٍ وَفَرْشٍ سَوِيٍ ، وَجَاءَتْ وَصِيفَةٌ مَعَهَا طِسْتٌ وَمِنْدِيلٌ ، فَغَسَلْتُ رِجْلِيَّ ، وَجَاءَتْ أُخْرَى بِطِسْتٍ فَغَسَلْتُ يَدَيَّ لِلْطَعَامِ ، وَأَقْبَلَ الْفَتَى ضَاحِكًا لِيُؤْنِسُنِي ، وَأَنَا أَعْرِفُ الْعَبْرَةَ فِي عَيْنَيْهِ ، وَأَقْبَلَ يَأْكُلُ كَأَنَّهُ يُغَصُّ بِمَا يَأْكُلُهُ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يُنَشِّطُنِي ، فَلَمَّا انْقَضَى أَكْلُنَا أُتِينَا بِشَرَابٍ ، فَشَرِبَ قَدَحًا وَشَرِبْتُ آخَرَ ، ثُمَّ زَفَرَ زَفْرَةً ظَنَنْتُ أَنَّ أَعْضَاءَهُ قَدِ انْتُقِضَتْ ، وَقَالَ لِي : يَا أَخِي إِنَّ لِي نَدِيمًا فَقُمْ بِنَا إِلَيْهِ , فَقُمْتُ وَتَقَدَّمَنِي فَدَخَلَ مَجْلِسًا فَإِذَا قَبْرٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَخْضَرُ ، وَفِي الْبَيْتِ رَمْلٌ مَصْبُوبٌ ، فَقَعَدَ عَلَى الرَّمْلِ وَطَرَحَ لِي مُصَلَّى ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لا قَعَدْتُ إِلا كَمَا تَقْعُدُ , وَأَقْبَلَ يُرَدِّدُ الْعَبَرَاتِ ثُمَّ شَرِبَ كَأْسًا وَشَرِبْتُ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : أَطَأُ التُّرَابَ وَأَنْتَ رَهْنُ حُفَيْرَةٍ هَالَتْ يَدَايَ عَلَى صَدَاكَ تُرَابَهَا إِنِّي لأَغْدَرُ مَنْ مَشَى إِنْ لَمْ أَطَأُ بِجِفُونِ عَيْنِيَ مَا حَيِّيتُ جَنَابَهَا @ 1 : 471 @ لَوْ أَنَّ جَمْرَ جَوَانِحِي مُتَلَبِّسٌ بِالنَّارِ أَطْفَأَ حَرَّهَا وَأَذَابَهَا ثُمَّ أَكْبَ عَلَى الْقَبْرِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، فَجَاءَهُ غُلامٌ بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فَأَفَاقَ فَشَرِبَ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : الْيَوْمُ ثَابَ لِيَ السُّرُورُ لأَنَّنِي أَيْقَنْتُ أَنَّ عَاجِلا بِكَ لاحِقُ فَغَدًا أُقَاسِمُكَ الْبِلَى وَيُسُوقُنِي طَوْعًا إِلَيْكَ مِنَ الْمَنِيَّةِ سَائِقُ ثُمَّ قَالَ لِي : قَدْ وَجَبَ حَقِّي عَلَيْكَ فَاحْضُرْ غَدًا جَِنَازَتِي , قُلْتُ يُطِيلُ اللَّهُ عُمْرَكَ , قَالَ : إِنِّي مَيِّتٌ لا مَحَالَةَ ، فَدَعَوْتُ لَهُ بِالْبَقَاءِ ، فَقَالَ : لَقَدْ عَقَقْتَنِي ، أَلا قُلْتَ : جَاوِرْ خَلِيلَكَ مُسْعِدًا فِي رَمْسِهِ كَيْمَا يَنَالَكَ فِي الْبِلَى مَا نَالَهُ فَانْصَرَفْتُ وَطَالَتْ عَلَيَّ لَيْلَتِي وَغَدَوْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامَةَ الْقُضَاعِيُّ , قَالَ : أَنْبَأَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ حُرْزَادَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ ، قَالَ : كَانَ عَمْرُو بْنُ يُوحَنَّا النَّصْرَانِيُّ يَسْكُنُ فِي دَارِ الرُّومِ بِبَغْدَادَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صُورَةً وَأَجْمَلُهُمْ ، وَكَانَ مُدْرَكُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ يَهْوَاهُ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْوَسْوَاسِ وَسُلَّ جِسْمُهُ وَذُهِلَ عَقْلُهُ ، فَلَزِمَ الْفِرَاشَ ، فَحَضَرَهُ جَمَاعَةٌ ، فَقَالَ لَهُمْ : أَلَسْتُ صَدِيقَكُمُ الْقَدِيمُ الْعِشْرَةِ لَكُمْ ؟ أَمَا فِيكُمْ أَحَدٌ يُسْعِدُنِي بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ عَمْرٍو , فَمَضَوْا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَيْهِ ، وَقَالُوا لَهُ : إِنْ كَانَ قَتْلُ هَذَا الْفَتَى دِينًا إِنَّ إِحْيَاءَهُ لَمَرُوءَةٍ , قَالَ : وَمَا فَعَلَ ؟ قَالُوا : قَدْ صَارَ إِلَى حَالٍ مَا أَظُنُّكَ تَلْحَقُهُ , فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَنَهَضَ مَعَهُمْ ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَمْرٌو ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ ، وَقَالَ : كَيْفَ تَجِدُكَ يَا سَيِّدِي ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ، ثُمَّ أَفَاقَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : أَنَا فِي عَافِيَةٍ إِلا مِنَ الشَّوْقِ إِلَيْكَا أَيُّهَا الْعَائِدُ مَا بِي مِنْكَ لا يُخْفَى عَلَيْكَا لا تَعُدْ جِسْمًا وَعُدْ قَلْبًا رَهِينًا فِي يَدَيْكَا كَيْفَ لا يَهْلَكُ مَرْشُوقٌ بِسَهْمِي مُقْلَتَيْكَا ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً فَارَقَ فِيهَا الدُّنْيَا فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى دَفَنُوهُ " @ @ 1 : 472 @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ ، قَالَ : وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَيُّوَيْهِ ، يَقُولُ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ ، قَالَ : حَجَّ ابْنُ أَبِي الْعَنْبَسِ الثَّقَفِيِّ ، فَجَاوَرَ وَمَعَهُ ابْنُ ابْنِهِ ، وَإِلَى جَانِبِهِ قَوْمٌ مِنْ آلِ أَبِي الْحَكَمِ مُجَاوِرُونَ ، وَكَانَ الْفَتَى يَجْلِسُ مَجْلِسًا يَشْرُفُ مِنْهُ عَلَى جَارِيَةٍ مِنْهُمْ فَعَشِقَهَا ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأَجَابَتْهُ فَكَانَ يَأْتِيهَا فَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا ، فَلَمَّا أَرَادَ جَدَّهُ الرَّحِيلُ جَعَلَ الْفَتَى يَتَأَبَّى ، فَقَالَ لَهُ جَدُّهُ : مَا يُبْكِيكَ يَا بُنَيَّ ؟ لَعَلَّكَ ذَكَرْتَ مِصْرَ ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : يُسَائِلُنِي غَدَاةَ الْبَيْنِ جَدِّي وَقَدْ بَلَّتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ نَحْرِي أَمِنْ جَزَعٍ بَكَيْتَ ذَكَرْتَ مِصْرَا فَقُلْتُ نَعَمْ وَمَا بِي ذِكْرُ مِصْرَ وَلَكِنْ لِلَّتِي خَلَّفْتُ خَلْفِي بَكَتْ عَيْنِي وَقَلَّ الْيَوْمَ صَبْرِي فَمَنْ ذَا إِنْ هَلَكْتُ وَحَانَ يَوْمِي يُخْبِرُ وَالِدِي دَائِي وَخَبَرِي فَيَحْفَظُ أَهْلَ مَكَّةَ فِي هَوَايَ وَإِنْ كَانُوا إِلَى قَتْلِي وَضَرِي قَالَ : فَارْتَحَلُوا , فَلَمَّا خَرَجُوا عَنْ أَبْيَاتِ مَكَّةَ ، أَنْشَأَ يَقُولُ : رَحَلُوا وَكُلُّهُمْ يَحِنُّ صَبَابَةً شَوْقًا إِلَى مِصْرَ وَدَارِي بِالْحَرَمِ لَيْتَ الرِّكَابَ غَدَاةً حَانَ فِرَاقُنَا كَانَتْ لُحُومًا قُسِّمَتْ فَوْقَ الْوَضَمِ رَاحُوا سِرَاعًا يَعْمَلُونَ مَطِيَّهُمْ قُدُمًا وَبِتُّ مِنَ الصَّبَابَةِ لَمْ أَنَمِ طُوبَى لَهُمْ يَسْعَوْنَ قَصْدَ سَبِيلِهِمْ وَالْقَلْبُ مُرْتَهِنٌ بِبَيْتِ أَبِي الْحَكَمِ ثُمَّ إِنَّ الْفَتَى اعْتُلَّ وَاشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ ، فَلَمَّا وَرَدُوا أَطْرَافَ الشَّامِ مَاتَ الْفَتَى ، فَدَفَنَهُ جَدُّهُ وَوُجِدَ عَلَيْهِ وِجْدًا شَدِيدًا ، وَقَالَ يُرَثِّيهِ : يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ الْغَرِيبِ بِالشَّامِ مِنْ طَرَفِ الْكَثِيبِ لَمَّا سَمِعْتُ أَنِينَهُ وَنِدَاءَهُ عِنْدَ الْمَغِيبِ أَقْبَلْتُ أَطْلُبُ طِبَّهُ وَالْمَوْتُ يُعْضِلُ بِالطَّبِيبِ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : وَذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَيُّوَيْهِ ، وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي رِيَّاحُ بْنُ قُطَيْبٍ الأَسَدِيُّ ، عَنْ قَرِيبَةِ ابْنَةِ أَبَّاقٍ الدُّبَيْرِيَّةِ ، قَالَتْ : كَانَ عَبْدُ الْمُخَبَّلِ وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ @ 1 : 473 @ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ ، يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَمْرٍو ، وَكَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِ ، فَخَلا بِهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ وَاضِعَةٌ ثِيَابَهَا ، فَقَالَ لَهَا : أُمَّ عَمْرٍو هَلْ تَرَيْنَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النِّسَاءِ أَحْسَنُ مِنْكِ ، قَالَتْ : نَعَمْ ، أُخْتِي مَيْلاءُ أَحْسَنُ مِنِّي ، قَالَ : فَكَيْفَ لِي بِأَنْ تُرِينِيهَا ، قَالَتْ : إِنْ عَلِمَتْ بِكَ لَمْ تُخْرُجْ إِلَيْكَ ، وَلَكِنْ أُخَبِّأُكَ فِي السِّتْرِ ، وَأَبْعَثُ إِلَيْهَا ، فَفَعَلْتُ ، فَجَاءَتْ مَيْلاءُ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا عَشِقَهَا ، فَلَمَّا تَرَوَّحَتْ مِنْ عِنْدِ أُخْتِهَا عَارَضَهَا مِنْ مَكَانٍ لا تَحْتَسِبُهُ ، فَشَكَا إِلَيْهَا حُبَّهَا ، وَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ قَدْ رَآهَا , فَقَالَتْ : وَاللَّهِ يَابْنَ عَمِّ مَا وَجَدْتَ بِي مِنْ شَيْءٍ إِلا قَدْ وَجَدْتُ بِكَ مِثْلَهُ ، وَظَنَّتْ أُمُّ عَمْرٍو أَنَّهُ قَدْ عَشِقَ أُخْتَهَا ، فَتَبِعَتْهُمَا حَتَّى رَأَتْهُمَا قَاعِدَيْنِ جَمِيعًا ، فَمَضَتْ قَصْدَ إِخْوَتِهَا ، وَكَانُوا سَبْعَةً ، فَقَالَتْ : إِمَّا أَنْ تُزَوِّجُوا كَعْبًا مِنْ مَيْلاءَ ، وَإِمَّا أَنْ تُغَيِّبُوهَا عَنِّي ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ إِخْوَتَهَا ، هَرَبَ فَرَمَى بِنَفْسِهِ نَحْوَ الشَّامِ ، وَقَالَ : أَفِي كُلِّ يَوْمٍ أَنْتَ مِنْ بَارِحِ الْهَوَى إِلَى الشُّمِّ مِنْ أَعْلامِ مَيْلاءَ تَنْظُرُ فَرَوَى هَذَا الْبَيْتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ ، فَمَرَّ عَلَى أُمِّ عَمْرٍو وَأُخْتِهَا مَيْلاءَ ، وَقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا وَسَأَلَهُمَا عَنِ الطَّرِيقِ ، فَقَالَتْ أُمُّ عَمْرٍو : يَا مَيْلاءُ صِفِي لَهُ الطَّرِيقَ ، فَتَمَثَّلَ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ ، فَعَرَفَتِ الشِّعْرَ ، فَقَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قَالَ : مِنَ الشَّامِ ، قَالَتْ : فَمِنْ أَيْنَ رُوِّيتَ هَذَا الشِّعْرَ ؟ قَالَ : رُوِّيتُهُ عَنْ أَعْرَابِيٍّ بِالشَّامِ ، قَالَتْ : أَوَ تَدْرِي مَا اسْمُهُ ؟ قَالَ : كَعْبٌ ، قَالَتْ : فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لا تَبْرَحَ حَتَّى يَرَاكَ إِخْوَتُنَا فَيُكْرِمُوكَ وَيَدُلُّوكَ عَلَى الطَّرِيقِ , فَنَزَلَ الرَّجُلُ ، فَجَاءَ إِخْوَتُهُمَا فَأَخْبَرَاهُمُ الْخَبَرَ ، وَكَانُوا مُهْتَمِّينَ بِكَعْبٍ لأَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّهِمْ ، فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ كَعْبًا بِالشَّامِ ، فَوَجَدُوهُ ، فَأَقْبَلُوا بِهِ حَتَّى إِذَا صَارَ إِلَى بَلَدِهِمْ نَزَلَ فِي بَيْتٍ نَاحِيَةٍ مِنَ الْحَيِّ ، فَرَأَى نَاسًا قَدِ اجْتَمَعُوا عِنْدَ الْبُيُوتِ ، فَقَالَ كَعْبٌ لِغُلامٍ قَائِمٍ : وَكَانَ قَدْ تَرَكَ بُنَيًّا لَهُ صَغِيرًا : يَا غُلامُ مَنْ أَبُوكَ ؟ قَالَ : كَعْبٌ ، قَالَ : فَعَلامَ يَجْتَمِعُ هَؤُلاءِ ؟ قَالَ : عَلَى خَالَتِي مَيْلاءَ مَاتَتِ السَّاعَةَ , فَزَفِرَ زَفْرَةً خَرَّ مِنْهَا مَيِّتًا فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِهَا @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الرِّيَاشِيُّ ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ ، عَنْ جَبْرِ بْنِ حَبِيبٍ ، قَالَ : أَقَبَلْتُ مِنْ مَكَّةَ أُرِيدُ الْيَمَامَةَ ، فَنَزَلْتُ بِحَيٍّ مِنْ عَامِرٍ ، فَأَكْرَمُوا مَثْوَايَ ، فَإِذَا فَتًى حَسَنُ الْهَيْئَةِ قَدْ جَاءَنِي فَسَلَّمَ عَلِيَّ ، فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيدُ أَيُّهَا الرَّاكِبُ ؟ قُلْتُ : الْيَمَامَةَ ، قَالَ : أَتَأْذَنُ @ 1 : 474 @ فِي صُحْبَتِكَ إِلَى الْيَمَامَةِ ؟ قُلْتُ : أَحَبُّ مَصْحُوبٌ , فَقَامَ ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِنَاقَةٍ كَأَنَّهَا قَلْعَةٌ بَيْضَاءُ وَعَلَيْهَا أَدَاةٌ حَسَنَةٌ ، فَأَنَاخَهَا قَرِيبًا مِنْ مَبِيتِي وَتَوَسَّدَ ذِرَاعَهَا ، فَلَمَّا هَمَمْتُ بِالرَّحِيلِ أَيْقَظْتُهُ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا ، فَقَامَ فَأَصْلَحَ رَحْلَهُ ، فَرَكِبَ وَرَكِبْتُ ، فَقَصَّرَ عَلِيَّ يَوْمِي بِصُحْبَتِهِ ، وَهُوَ لا يُنْشُدُنِي إِلا بَيْتًا مُعْجَبًا فِي الْهَوَى ، فَلَمَّا قَرِبْنَا مِنَ الْيَمَامَةِ ، مَالَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى أَبْيَاتٍ قَرِيبَةٍ مِنَّا ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ أَنْتَ مُوفٍ حَقَّ الصُّحْبَةِ ؟ قُلْتُ : أَفْعَلُ , قَالَ : مِلْ مَعِي ، فَمِلْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ الصِّرْمِ ابْتَدَرُوهُ وَأَظْهَرُوا السُّرُورَ ، ثُمَّ قَالَ : قُومُوا إِنْ شِئْتُمْ ، فَصِرْنَا إِلَى قَبْرٍ حَدِيثِ التَّطْيِينِ ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : لَئِنْ مَنَعُونِي فِي حَيَاتِي زِيَارَةً أُحَامِي بِهَا نَفْسًا تَرَشَّفَهَا الْحُبُّ فَلَنْ يَمْنَعُونِي أَنْ أُجَاوِرَ لَحْدَهَا فَيَجْمَعُ جِسْمَيْنَا التَّجَاوُرُ وَالتُّرْبُ ثُمَّ أَنَّ أَنَّاتٍ فَمَاتَ , فَأَقَمْتُ مَعَ الْفِتْيَانِ حَتَّى دَفَنَّاهُ ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ ، فَقَالُوا : ابْنُ سَيِّدِ هَذَا الْغَائِطِ ، وَهَذِهِ ابْنَةُ عَمِّهِ ، وَكَانَ بِهَا مُغْرَمًا ، فَمَاتَتْ مُنْذُ ثَلاثٍ , فَرَكِبْتُ وَاللَّهِ وَكَأَنِّي قَدْ ثُكِلْتُ حَمِيمًا " @ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : وَحَدَّثَنَا السَّكَنُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكَانَ مُخَضْرَمًا ، مِصْدَعُ بْنُ غَلابٍ الْحِمْيَرِيُّ , قَالَ : وَأَدْرَكْتُهُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ ، وَمَا فِي وَفْرَتِهِ وَلِحْيَتِهِ بَيْضَاءُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي غَلابٌ ، قَالَ : كَانَ بِذِمَارٍ فَتَى مِنْ حِمْيَرَ ، يُقَالُ لَهُ : زُرْعَةُ بْنُ رُقَيْمٍ ، وَكَانَ جَمِيلا شَاعِرًا ، لا تَرَاهُ امْرَأَةٌ إِلا صَبَتْ إِلَيْهِ ، وَكَانَ فِي ظَهْرِ ذِمَارٍ شَيْخٌ كَثِيرُ الْمَالِ ، لَهُ بِنْتٌ تُسَمَّى مُفَدَّاةُ بَارِعَةُ الْجَمَالِ ، حَصِيفَةُ اللُّبِّ ، وَكَانَ زُرْعَةُ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا وَإِنَّهُ خَامَرَهُ مِنْ حُبِّهَا مَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ ، وَاحْتُجِبَتِ الْمُفْدَاةُ عَنْهُ ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالطَّعَامِ ، فَغَبَرَ بِذَلِكَ حَوْلا , ثُمَّ مَاتَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْقَبَائِلِ ، فَبَلَغَ زُرْعَةَ أَنَّ الْمُفْدَاةَ فِي مَأْتَمٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَأْتَمِ ، فَاحْتُمِلَ حَتَّى عَلا نَشْزًا ثُمَّ شَهَِقَ فَمَاتَ , فَبَلَغَ الْمُفْدَاةَ خَبَرُهُ ، فَجَاءَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَيْهِ فَهَمَّتْ أَنْ تُلْقِي نَفْسَهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَمَاسَكَتْ ، وَبَادَرَتْ خِبَاءَهَا فَسَقَطَتْ تَائِهَةَ الْعَقْلِ تُكَلَّمُ فَلا تُجِيبُ ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهَا اللَّيْلُ رَفَعَتْ عَقِيرَتَهَا ، فَقَالَتْ : @ 1 : 475 @ بِنَفْسِيَ يَا زَرْعُ بْنُ أَرْقَمَ لَوْعَةٌ طُوَيْتُ عَلَيْهَا الْقَلْبَ وَالسِّرَّ كَاتِمُ لَئِنْ لَمْ أَمُتْ حُزْنًا عَلَيْهِ فَإِنَّنِي لأَلأَمُ مَنْ نِيطَتْ عَلَيْهِ التَّمَائِمُ لَئِنْ فُتَّنِي حَيًّا فَلَيْسَ بِفَائِتِي جِوَارَكَ مَيِّتًا حَيْثُ تُبْلَى الرَّمَائِمِ ثُمَّ تَنَفَّسَتْ نَفَسًا أَنْبَهَ مَنْ حَوْلَهَا ، فَإِذَا هِيَ مَيِّتَةٌ ، فَدُفِنَتْ إِلَى جَنْبِهِ , فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ حِمْيَرَ : وَفَيْتُ لابْنِ مَالِكِ بْنِ أَرْطَاهْ كَمَا وَفَتْ لِزُرْعَةَ الْمُفْدَاهْ وَاللَّهِ لاخِسْتُ بِهِ أَوْ أَلْقَاهْ حَيْثُ يُلاقِي وَامِقٌ مَنْ يَهْوَاهْ , " @ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِ بَعْضِ إِخْوَانِي مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ سَعِيدٍ ، يَقُولُ : حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِنْ خُزَاعَةٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِالطَّائِفِ جَارِيَةٌ عَفِيفَةٌ صَالِحَةٌ ، وَكَانَتْ لَهَا أُمٌّ مِنْ خِيَارِ النِّسَاءِ لَهَا فَضْلٌ وَدِينٌ ، وَكَانَتْ لَهُمْ بِضَاعَةٌ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ ، وَكَانَ يَتَّجِرُ لَهُمْ بِهَا ، وَيَعْطِيهِمْ فَضْلَهَا ، قَالَ : فَبَعَثَ الرَّجُلُ إِلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ ابْنَهُ فِي حَاجَةٍ ، وَكَانَ غُلامًا جَمِيلا ، فَدَخَلَ وَالْجَارِيَةُ جَالِسَةٌ لَمْ تَعْلَمْ بِدُخُولِهِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا ، وَكَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ ، فَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ ، وَمَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكَ ، وَجَعَلَ الأَمْرُ يَتَزَايَدُ عَلَيْهِ حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ ، وَنَحِلَ جِسْمُهُ ، وَلَزِمَ الْوِحْدَةَ وَالْفِكْرَ ، وَكَتَمَ حَالَهُ ، وَجَعَلَ لا يَقَرُّهُ قَرَارٌ , فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهُ ذَلِكَ حَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ وَأَوْثَقُوهُ ، فَكَانَ رُبَّمَا أَفْلَتَ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ ، فَيَقُولُونَ لَهُ : مُتْ عِشْقًا مُتْ عِشْقًا , قَالَ : وَكَانَ يَقُولُ إِذَا كَثَرُوا عَلَيْهِ : أَأُفْشِي إِلَيْكُمْ بَعْضَ مَا قَدْ أَصَابَنِي أَمِ الصَّبْرُ أَهْيَا بِالْفَتَى عِنْدَمَا يَلْقَى سَلامٌ عَلَى مَنْ لا أُسَمِّي بِاسْمِهَا وَلَوْ صِرْتُ مِثْلَ الطَّيْرِ فِي غَيْضَةٍ مُلْقَى أَلا أَيُّهَا الصِّبْيَانُ لَوْ ذُقْتُمُ الْهَوَى لأَيْقَنْتُمْ أَنِّي أُحَدِّثُكُمْ حَقَّا أُحِبُّكُمْ مِنْ حُبِّهَا وَأَرَاكُمْ تَقُولُونَ لِي مُتْ يَا شُجَاعُ بِهَا عِشْقَا فَلَمْ تَنْصِفُونِي لا وَلا هِيَ أَنْصَفَتْ فَرِفْقًا قَلِيلا بِالْفَتَى وَيْحَكُمْ رِفْقَا قَالَ : فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِهِ ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ عَاشِقٌ جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَمْرِهِ ، فَلا @ 1 : 476 @ يُخْبِرُهُمْ بِقِصَّتِهِ وَلا يُجِيبُهُمْ ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُ حَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ وَقَيَّدُوهُ ، فَكَانَ إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ هَتَفَ بِصَوْتٍ لَهُ حَزِينٍ ، يَقُولُ : يَالَيْلُ أَنْتَ رَفِيقِي مِنْ بَيْنِ أَهْلِي وَمَالِي يَا لَيْلُ أَنْتَ أَنِيسِي مِنْ وَحْشَتِي وَاحْتِيَالِي يَالَيْلُ إِنَّ شِكَاتِي إِلَيْكَ طُولُ اشْتِغَالِي بِمَنْ بَرَتْ جِسْمَ صَبٍّ فَصَارَ مِثْلَ الْخِلالِ فَالْجِسْمُ مِنِّي نَحِيلٌ لَمْ يَبْقَ إِلا خَيَالِي وَالشَّوْقُ قَدْ شَفَّ جِسْمِي وَلَيْسَ يَخْلُقُ بَالِي فَلَوْ رَآنِي عَدُوِّي لَرَقَّ لِي وَرَثَى لِي قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ تِلْكَ حَالُهُ حَتَّى مَاتَ , وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلافِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ سَعِيدٍ ، يَقُولُ : حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ , أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِالطَّائِفِ جَارِيَةٌ مُتَعَبِّدَةٌ ذَاتَ يَسَارٍ وَوَرَعٍ ، وَكَانَ لَهَا أُمٌّ أَشَدُّ عِبَادَةً مِنْهَا ، وَكَانَتْ مَشْهُورَةً بِالْعِبَادَةِ ، وَكَانَتَا قَلِيلَتَيِ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّاسِ ، وَكَانَتْ لَهُمَا بِضَاعَةٌ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ ، فَكَانَ يُبَضِّعُهَا لَهُمَا ، فَمَا رَزَقَهُمَا اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أَتَاهُنَّ بِهِ , قَالَ : فَبَعَثَ يَوْمًا ابْنَهُ ، وَكَانَ فَتًى جَمِيلا مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ ، إِلَيْهِنَّ بِبَعْضِ حَوَائِجِهِنَّ ، فَقَرَعَ الْبَابَ ، فَقَالَتْ أُمُّهَا : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : أَنَا ابْنُ فُلانٍ ، قَالَتْ : ادْخُلْ ، فَدَخَلَ وَابْنَتُهَا فِي بَيْتٍ لا تَعْلَمُ بِدُخُولِ الْفَتَى ، فَلَمَّا قَعَدَ مَعَهَا خَرَجَتِ ابْنَتُهَا وَهِيَ تَظُنُّ أَنَّهَا بَعْضُ نِسَائِهِنَّ ، حَتَّى جَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ قَامَتْ مُبَادِرَةً ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ مِنْ أَجْمَلِ الْعَرَبِ , قَالَ : وَوَقَعَ حُبُّهَا فِي قَلْبِهِ ، فَخَرَجَ لا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ ، فَجَعَلَ يَنْحَلُ وَيَذُوبُ ، وَلِزَمَ الْوِحْدَةَ وَالْفِكْرَ حَتَّى سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ عَلَى فِرَاشِهِ , فَدَعَا لَهُ أَبُوهُ الأَطِّبَاءَ ، فَجَعَلَ يَصِفُ كُلٌّ دَوَاءَ , فَلَمَّا طَالَتْ عِلَّتُهُ دَعَا أَبُوهُ فِتْيَانًا مِنَ الْحَيِّ ، وَإِخْوَانَهُ الَّذِينَ كَانُوا لَهُ أُنْسًا ، فَقَالَ : اخْلُوا بِهِ وَسَلُوهُ عَنْ عِلَّتِهِ ، لَعَلَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِبَعْضِ مَا يَجِدُهُ , فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا بِي عِلَّةٌ أَعْرِفُهَا فَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ ، وَأُخْبِرُكُمْ بِمَا أَجِدُ مِنْهَا ، فَأَقَلُّوا الْكَلامَ , @ 1 : 477 @ وَكَانَ الْفَتَى ذَا عَقْلٍ ، فَلَمَّا طَالَ بِهِ الْوِجْدُ دَعَا امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ ، وَقَالَ : إِنِّي مُلْقٍ إِلَيْكِ حَدِيثًا مَا أَلْقَيْتُهُ إِلا عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ نَفْسِي ، فَإِنْ ضَمِنْتِ لِي كِتْمَانَهُ أَخْبَرْتُكِ ، وَإِلا صَبَرْتُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِي أَمْرِي ، وَبَعْدُ فَوَاللَّهِ مَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا قَبْلَكِ ، وَلَئِنْ كَتَمْتِ عَلَيَّ لا أُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَكِ ، وَإِنَّ هَذَا الْبَلاءَ الَّذِي أَرَى لا شَكَّ قَاتِلِي ، وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلِيَّ فِي مَحَبَّتِي لِمَنْ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ لَهُ صَائِنًا ، وَعَلَيْهِ مُشْفِقًا مِنْ تَزَيُّدِ النَّاسِ وَإِكْثَارِهِمْ ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أَمْرِي ، وَاجْعَلِيهِ مُحْرَزًا فِي صَدْرِكِ , فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ : قُلْ يَا بُنَيَّ ، فَوَاللَّهِ لأَكْتُمَنَّ أَمْرَكَ مَا بَقِيتُ , فَقَالَ : إِنَّ مِنْ قِصَّتِي كَذَا وَكَذَا ، قَالَتْ : يَا بُنَيُّ أَفَلا أَخْبَرَتْنَا ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَلِمَةً تَسْكُنُ الْقَلْبَ فَلا تُفَارِقُهُ مِنْ كَلِمَةِ عَاشِقٍ أَخْبَرَ مَنْ يُحِبُّهُ أَنَّهُ لَهُ وَامِقٌ ، فَتِلْكَ الْكَلِمَةُ تَزْرَعُ فِي قُلُوبِ ذَوِي الأَلْبَابِ شَجَرًا لا تُدْرَكُ أُصُولُهُ , فَقَالَ : وَمَنْ لِي بِهَا ؟ وَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهَا ؟ وَقَدْ بَلَغَكِ حَالَهَا وَشِدَّةِ عِبَادَتِهَا ؟ قَالَتْ : يَا بُنَيَّ عَلَيَّ أَنْ آتِيكَ بِمَا تُسَرُّ بِهِ , فَلَبِسَتْ ثَوْبَهَا وَأَتَتْ مَنْزِلَ الْجَارِيَةِ ، فَدَخَلَتْ فَسَلَّمَتْ عَلَى أُمِّهَا وَحَادَثَتْهَا سَاعَةً ، فَسَأَلَتْهَا أُمُّهَا عَنْ حَالِهِ وَعَنْ وِجْدِهِ ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الأَوْجَاعَ وَالآلامَ ، فَمَا رَأَيْتُ وَجَعًا قَطُّ كَوَجَعِهِ ، وَإِنَّهُ لَيَزِيدُ وَيَتَرَاقَى ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ صَابِرٌ غَيْرُ شَاكٍ , قَالَتْ : أَلا تَدْعُونَ لَهُ الأَطِّبَاءَ ؟ قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا وَقَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى دَائِهِ , ثُمَّ قَامَتْ فَدَخَلَتْ عَلَى الْجَارِيَةِ ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهَا ، وَحَادَثَتْهَا سَاعَةً ، وَقَدْ كَانَ وَقَعَ إِلَى الْجَارِيَةِ خَبَرُهُ ، فَعَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِهَا ، فَقَالَتْ لَهَا الْمَرْأَةُ : يَا بُنَيَّةُ أَبْلَيْتِ شَبَابَكِ ، وَأَفْنَيْتِ أَيَّامَكِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ! قَالَتْ : يَا عَمَّتَاهُ أَيَّةُ حَالِ سُوءٍ تَرَيْنِي عَلَيْهَا ؟ قَالَتْ : لا يَا بُنَيَّةُ ، وَلَكِنْ مِثْلُكِ يَفْرَحُ فِي الدُّنْيَا ، وَيَلَذُّ بِبَعْضِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، غَيْرَ تَارِكَةٍ لِطَاعَةِ رَبِّكِ ، وَلا مُفَارِقَةٍ لِخَدْمَتِهِ ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَكَ بِذَلِكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعًا , قَالَتْ : يَا عَمَّتَاهُ ، وَهَذِهِ الدَّارُ دَارُ بَقَاءٍ تَثِقُ بِهِ الْجَوَارِحُ ، فَتَجْعَلُ لِلَّهِ شَطْرَهَا ، وَلِلْدُنْيَا شَطْرَهَا ، أَمْ دَارُ فَنَاءٍ ؟ ! قَالَتْ : لا يَا بُنَيَّةُ بَلْ دَارُ فَنَاءٍ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِعِبَادِهِ فِيهَا سَاعَاتٍ صَدَقَةً مِنْهُ عَلَى النُّفُوسِ ، تَنَالُ فِيهَا مَا أُحِلَّ , فَقَالَتْ : صَدَقْتِ ، وَلَكِنْ لِلَّهِ عِبَادًا قَدْ سَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ وَرَضِيَتْ بِالصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ ، لِتَنَالَ جُمْلَةَ الْكَرَامَةِ ، وَإِنَّ كَلامَكِ لَيَدُلَّنِي عَلَى أَنَّ تَحْتَهُ عِلَّةٌ ، وَهُوَ الَّذِي حَمَلَكِ عَلَى مُنَاظَرَتِكِ لِي عَلَى مِثْلِ هَذَا , وَقَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَظُنُّ قَبْلَ الْيَوْمِ فِيكِ أَنَّكَ تَأْمُرِينَ بِالْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ ، فَقَدْ أَصْبَحْتِ مُتَغَيِّرَةً عَمَّا عَهِدْتُكِ عَلَيْهِ ، فَأَخْبِرِينِي بِمَا عِنْدَكِ , فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّةُ إِنَّ مِنْ قِصَّةِ فُلانٍ كَذَا وَكَذَا ، قَالَتْ : قَدْ ظَنَنْتُ ذَلِكَ ، فَأَبْلِغِيهِ مِنِّي السَّلامَ ، وَقُولِي : أَيْ أَخَاهُ ، إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لِمَلِيكٍ يُكَافِئُ مَنْ أَقْرَضَهُ بِالْعَطَايَا الْجَزِيلَةِ ، وَيُعِينُ مَنِ انْقَطَعَ إِلَيْهِ وَخَدَمَهُ ، وَلَيْسَ إِلَى الرُّجُوعِ بَعْدَ الْهِبَةِ سَبِيلٌ , فَتَوَسَّلْ إِلَى مَوْلاكَ بِمَحَابَّةٍ ، وَاضْرَعْ إِلَيْهِ فِي غُفْرَانِ مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ، مِنْ عَمَلٍ لَمْ تَهِبْهُ فِيهِ ، فَهُوَ أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَهُ ، وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَعِظُكَ بِهِ ، فَإِذَا خَدَمْتَهُ قَدْرَ مَا عَصِيتَهُ طَابَ لَكَ الْفَرَاغُ عَنْ @ 1 : 478 @ سُؤَالِ شَهَوَاتِ الْقُلُوبِ وَخَطَرَاتِ الصُّدُورِ ، فَإِنَّهُ لا يُحْسَنُ بِعَبْدٍ كَانَ لِمَوْلاهُ عَاصِيًا أَنْ يَنْسَى ذُنُوبَهُ وَالاعْتِذَارِ مِنْهَا ، وَيَسْأَلُ الْحَوَائِجَ , فَاسْتَنْقِذْ نَفْسَكَ يَا أَخِي مِنْ مُهْلِكَاتِ الذُّنُوبِ ، وَلَسْتُ مُؤَيِّسَتُكَ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ رَآكَ مُتَبَتِّلا إِلَيْهِ أَنْ يَمُنَّ بِي عَلَيْكَ ، وَلْيَكُنْ مَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ نُصْبَ عَيْنَيْكَ ، وَلا تُرَادِّنِي فِي الْمَسْأَلَةِ فَلا أُجِيبُكَ , وَالسَّلامُ , فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَقَالَتِهَا فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا , فَقَالَتِ الْعَجُوزُ : وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَدْرِهَا مِثْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَتْكَ بِهِ فَقَدْ وَاللَّهِ بَالَغَتْ فِي النَّصِيحَةِ ، فَلا تُلْقِ نَفْسَكَ لِمُهْلِكَاتِ الأُمُورِ فَتَنْدَمَ حَيْثُ لا تُغْنِي النَّدَامَةُ ، وَلَوْ عَلِمْتَ يَا بُنَيَّ أَنَّ حِيلَةً تَنْفُذُ لاحْتَلْتُهَا ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُهَا قَدْ جَعَلَتِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نُصْبَ عَيْنَيْهَا ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لُهِيَ عَنْ زِينَةِ الدُّنْيَا , فَجَعَلَ يَبْكِي ، وَيَقُولُ : كَيْفَ لِي بِالْبُلُوغِ إِلَى مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ، وَمَتَى تَكُونُ آخِرُ الْمُدَّةِ الَّتِي نَلْتَقِي فِيهَا , وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ أَنَّهُ لا يَقَرُّهُ قَرَارٌ حَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ الَّذِي بِهِ مِنْ عِشْقٍ , فَكَانَ رَبُّمَا أَفْلَتَ فَيَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الصِّبْيَانُ ، فَيَقُولُونَ : مُتْ عِشْقًا مُتْ عِشْقًا ، فَكَانَ يَقُولُ : أَأُفْشِي إِلَيْكُمْ بَعْضَ مَا قَدْ يُهَيِّجُنِي أَمِ الصَّبْرُ أَوْلَى بِالْفَتَى عِنْدَمَا يَلْقَى سَلامٌ عَلَى مَنْ لا أُسَمِّي بِاسْمِهِ وَلَوْ صِرْتُ مِثْلَ الطَّيْرِ فِي غَيْضِهِ مُلْقَى أَلا أَيُّهَا الصِّبْيَانُ لَوْ ذُقْتُمُ الْهَوَى لأَيْقَنْتُمْ أَنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَقَّا , أُحِبُّكُمْ مِنْ حُبِّهَا وَأَرَاكُمْ تَقُولُونَ لِي مُتْ يَا شُجَاعُ بِهَا عِشْقَا فَلَمْ تَنْصِفُونِي لا وَلا هِيَ أَنْصَفَتْ فَرِفْقًا رُوَيْدًا وَيْحَكُمْ بِالْفَتَى رِفْقَا فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِهِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ عَاشِقٌ ، جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَكَانَ لا يُجِيبُهُمْ وَكَتَمَتِ الْعَجُوزُ قِصَّتَهُ ، فَأَخَذُوهُ فَحَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ فَلَمْ يَزَلْ فِيهِ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْيَسَعِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الدَّيْنَوَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ الْخَيَّاطُ ، قَالَ : قَالَ أَبُو حَمْزَةَ : رَأَيْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ قُطْنٍ الصُّوفِيِّ غُلامًا جَمِيلا ، فَكَانَا لا يَفْتَرِقَانِ فِي سَفَرٍ وَلا حَضَرٍ ، فَمَكَثَا بِذَلِكَ زَمَانًا طَوِيلا فَمَاتَ الْغُلامُ وَكُمِدَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ قُطْنٍ حَتَّى عَادَ جِلْدًا وَعَظْمًا . فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا وَقَدْ خَرَجَ إِلَى الْمَقَابِرِ فَاتَّبَعْتُهُ فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ قَائِمًا يَبْكِي وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ ، وَالسَّمَاءُ تُمْطِرُ ، فَمَا زَالَ وَاقِفًا مِنْ وَقْتِ الضُّحَى إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَبْرَحْ وَلَمْ يَجْلِسْ ، وَيَدُهُ عَلَى خَدِّهِ . فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ وَهُوَ @ 1 : 479 @ كَذَلِكَ وَاقِفٌ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجْتُ لأَعْرِفَ خَبَرَهُ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ، فَصِرْتُ إِلَى الْقَبْرِ فَإِذَا هُوَ مَكْبُوبٌ لِوَجْهِهِ مَيِّتٌ ، فَدَعَوْتُ مَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ فَأَعَانُونِي عَلَى حَمْلِهِ فَغَسَّلْتُهُ وَكَفَّنْتُهُ فِي ثِيَابِهِ وَدَفَنْتُهُ إِلَى جَانِبِ الْقَبْرِ " @ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الأَنْمَاطِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُذَحِجِيُّ الأَدِيبُ , قَالَ : كُنْتُ أَخْتَلِفُ فِي النَّحْوِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ خَطَّابٍ النَّحْوِيِّ فِي جَمَاعَةٍ أَيَّامَ الْحَدَاثَةِ ، وَكَانَ مَعَنَا أَسْلَمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَاضِي قُضَاةِ الأَنْدَلُسِ , قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ مَنْ رَأَتْهُ الْعُيُونُ ، وَكَانَ مَعَنَا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ خَطَّابٍ أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الأَدَبِ وَالشِّعْرِ ، فَاشْتَدَّ كَلَفُهُ بِأَسْلَمَ ، وَفَارَقَ صَبْرَهُ وَصَرَفَ فِيهِ الْقَوْلَ مُسْتَتِرًا بِذَلِكَ ، إِلَى أَنْ فَشَتْ أَشْعَارُهُ فِيهِ وَجَرَتْ عَلَى الأَلْسِنَةِ ، وَتُنُوشِدَتْ فِي الْمَحَافِلِ ، فَلَعَهْدِي بِعُرْسٍ فِي بَعْضِ الشَّوَارِعِ وَالنُّكُورِي الزَّامِرِ فِي وَسَطِ الْمَحَافِلِ يُزَمِّرُ ، بِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ فِي أَسْلَمَ : أَسْلَمَنِي فِي هَوَا أَسْلَمَ هَذَا الرَّشَا غَزَالٌ لَهُ مُقْلَةٌ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَا وَشَى بَيْنَنَا حَاسِدٌ سَيُسْأَلُ عَمَّا وَشَا وَلَوْ شَاءَ أَنْ يرْتَشِي عَلَى الْوَصْلِ رُوحِي ارْتَشَى وَمُغَنٍّ مُحْسِنٍ يُسَايِرُهُ ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْمَبْلَغِ انْقَطَعَ أَسْلَمُ عَنْ جَمِيعِ مَجَالِسِ الطَّلَبِ ، وَلَزِمَ بَيْتَهُ وَالْجُلُوسَ عَلَى بَابِهِ ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ لا شُغْلَ لَهُ إِلا الْمُرُورَ عَلَى بَابِ دَارِ أَسْلَمَ سَائِرًا أَوْ مُقْبِلا نَهَارَهُ كُلَّهُ , فَانْقَطَعَ أَسْلَمُ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى بَابِ دَارِهِ نَهَارًا ، فَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ وَاخْتَلَطَ الظَّلامُ خَرَجَ مُسْتَرْوِحًا ، وَجَلَسَ عَلَى بَابِ دَارِهِ , فَعِيلَ صَبْرُ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ ، فَتَحَيَّلَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَلَبِسَ جُبَّةَ صُوفٍ مِنْ جُبَابِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، وَاعْتَمَّ بِمِثْلِ عَمَائِمِهِمْ ، وَأَخَذَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ دَجَاجًا وَبِالْيَدِ الأُخْرَى قَفَصًا فِيهِ بَيْضٌ ، كَأَنَّهُ قَدِمَ مِنْ بَعْضِ الضِّيَاعِ ، وَتَحَيَّنَ جُلُوسَ أَسْلَمَ عِنْدَ اخْتِلاطِ الظَّلامِ عَلَى بَابِهِ ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ ، وَقَالَ : يَا مَوْلايَ مَنْ يَقْبِضُ هَذَا ؟ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَجِيرُكَ فِي الضَّيْعَةِ الْفُلانِيَّةِ ، وَقَدْ كَانَ تَعَرَّفَ أَسْمَاءَ ضِيَاعِهِ وَالْعَامِلِينَ فِيهَا ، فَأَمَرَ أَسْلَمُ غِلْمَانَهُ بِقَبْضِ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي قُبُولِ هَدَايَا @ 1 : 480 @ الْعَامِلِينَ فِي ضِيَاعِهِمْ ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَحْوَالِ الضَّيْعَةِ ، فَلَمَّا جَاوَبَهُ أَنْكَرَ الْكَلامَ ، فَتَأَمَّلَهُ فَعَرَفَهُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَخِي إِلَى هَاهُنَا تَتَّبِعُنِي ؟ مَا كَفَاكَ انْقِطَاعِي عَنْ مَجَالِسِ الطَّلَبِ ، وَعَنِ الْخُرُوجِ جُمْلَةً وَعَنِ الْقُعُودِ عَلَى بِابِي نَهَارًا حَتَّى قَطَعْتَ عَلَيَّ جَمِيعَ مَالِي فِيهِ رَاحَةً ؟ فَقَدْ صِرْتَ فِي سِجْنِكَ ، وَاللَّهِ لا فَارَقَتُ بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَعْرَ مَنْزِلِي وَلا جَلَسْتُ بَعْدَهَا عَلَى بَابِي لا لَيْلا وَلا نَهَارًا ! ! ثُمَّ قَامَ ، وَانْصَرَفَ أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ حَزِينًا كَئِيبًا . قَالَ مُحَمَّدٌ : وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِنَا ، فَقُلْنَا لأَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ : خَسِرْتَ دَجَاجَكَ وَبَيْضَكَ ؟ فَقَالَ : هَاتِ كُلِّ لَيْلَةٍ قُبْلَةَ يَدِهِ وَأَخْسَرُ أَضْعَافَ ذَلِكَ ! قَالَ : فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ رُؤْيَتِهِ الْبَتَّةَ نَهَكَتْهُ الْعِلَّةُ وَأَضْجَعَهُ الْمَرَضُ , قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : فَأَخْبَرَنِي شَيْخُنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَطَّابٍ ، قَالَ : فَعُدْتُهُ فَوَجَدْتُهُ بِأَسْوَإِ حَالٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : وَلِمَ لا تَتَدَاوَى ؟ فَقَالَ : دَوَائِي مَعْرُوفٌ ، وَأَمَّا الأَطِّبَاءُ فَلا حِيلَةَ لَهُمْ فِيَّ الْبَتَّةَ . فَقُلْتُ لَهُ : وَمَا دَوَاؤُكَ ؟ قَالَ : نَظْرَةٌ مِنْ أَسْلَمَ ، فَلَوْ سَعَيْتُ فِي أَنْ يَزُورَنِي لأَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ بِذَلِكَ وَأَجْرَهُ . قَالَ : فَرَحِمْتُهُ وَتَقَطَّعَتْ نَفْسِي لَهُ حَسْرَةً ، فَنَهَضْتُ إِلَى أَسْلَمَ ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ ، فَأَذِنَ لِي ، وَتَلَقَّانِي بِمَا يَجِبُ ، فَقُلْتُ لَهُ لِي حَاجَةً . فَقَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قُلْتُ : قَدْ عَلِمْتُ مَا جَمَعَكَ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ مِنْ ذِمَامِ الطَّلَبِ عِنْدِي . فَقَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ قَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ بَرَّجَ بِي ، وَشَهَّرَ اسْمِي وَآذَانِي . فَقُلْتُ لَهُ : كُلُّ ذَلِكَ يُغْتَفَرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ، وَالرَّجُلُ يَمُوتُ فَتَفَضَّلْ بِعِيَادَتِهِ . فَقَالَ لِي : وَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلا تُكَلِّفُنِي هَذَا . فَقُلْتُ : لا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ شَيْءٌ ، وَإِنِّمَا هِيَ عِيَادَةُ مَرِيضٍ . قَالَ : وَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَجَابَ . فَقُلْتُ لَهُ : فَقُمِ الآنَ . فَقَالَ : لَسْتُ وَاللَّهِ أَفْعَلُ وَلَكِنْ غَدًا . فَقُلْتُ لَهُ : وَلا خُلْفَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِوَعْدِهِ بَعْدَ تَأَبِّيهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ وَارْتَاحَتْ نَفْسُهُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ بَكَّرْتُ إِلَى أَسْلَمَ وَقُلْتُ لَهُ : الْوَعْدَ . قَالَ : فَوَجِمَ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ تَحْمِلُنِي عَلَى خِطَّةٍ صَعْبَةٍ عَلَيَّ وَمَا أَدْرِي كَيْفَ أَطِيقُ ذَلِكَ . قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : لا بُدَّ أَنْ تَفِي بِوَعْدِكَ لِي . قَالَ : فَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَنَهَضَ مَعِي رَاجِلا ، قَالَ : فَلَمَّا أَتَيْنَا مَنْزِلَ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ وَكَانَ يَسْكُنُ فِي دَرْبٍ طَوِيلٍ وَتَوَسَّطَ الزُّقَاقَ وَقَفَ وَاحْمَرَّ وَخَجِلَ ، وَقَالَ لِي : يَا سَيِّدِي السَّاعَةَ وَاللَّهِ أَمُوتُ وَمَا أَسْتَطِيعُ نَقْلَ قَدَمَيَّ ، وَلا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْرِضَ هَذَا عَلَى نَفْسِي . فَقُلْتُ : لا تَفْعَلْ ، بَعْدَ أَنْ بَلَغْتَ الْمَنْزِلَ تَنْصَرِفُ ، قَالَ : لا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ وَاللَّهِ الْبَتَّةَ . قَالَ : وَرَجَعَ هَارِبًا فَاتَّبَعْتُهُ @ 1 : 481 @ وَأَخَذْتُ بِرِدَائِهِ فَتَمَادَى وَتَمَزَّقَ الرِّدَاءُ ، وَبَقِيَتْ قِطْعَةٌ مِنْهُ فِي يَدِي لِشِدَّةِ إِمْسَاكِي لَهُ ، وَمَضَى وَلَمْ أَدْرِكْهُ . فَرَجَعْتُ وَدَخَلْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ ، قَالَ : وَقَدْ كَانَ غُلامُهُ دَخَلَ عَلَيْهِ إِذْ رَآنَا مِنْ أَوَّلِ الزِّقَاقِ مُبَشِّرًا . قَالَ : فَلَمَّا رَآنِي تَغَيَّرَ وَجْهُهُ ، وَقَالَ : وَأَيْنَ أَبُو الْحَسَنِ ؟ قَالَ : فَأَخْبَرْتُهُ بِالْقِصَّةِ فَاسْتَحَالَ مِنْ وَقْتِهِ ، وَاخْتَلَطَ وَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لا يُعْقَلُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنَ الاسْتِرْجَاعِ . فَاسْتَبْشَعْتُ الْحَالَ وَجَعَلْتُ أَتَوَجَّعُ وَقُمْتُ . قَالَ : فَثَابَ إِلَيْهِ ذِهْنُهُ ، وَقَالَ لِي : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : اسْمَعْ مِنِّي وَاحْفَظْ عَنِّي ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : أَسْلَمُ يَا رَاحَةَ الْعَلِيلِ رِفْقًا عَلَى الْهَائِمِ النَّحِيلِ وَصْلُكَ أَشْهَى إِلَى فُؤَادِي مِنْ رَحْمَةِ الْخَالِقِ الْجَلِيلِ قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ مَا هَذِهِ الْعَظِيمَةُ ! فَقَالَ : قَدْ كَانَ . قَالَ : فَخَرَجَتْ عَنْهُ ، فَوَاللَّهِ مَا تَوَسَّطْتُ الزِّقَاقَ حَتَّى سَمِعْتُ الصُّرَاخَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : قَالَ لَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذِهِ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَنَا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : ثِقَةٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَطَّابٍ : ثِقَةٌ ، وَأَسْلَمُ هَذَا مِنْ بَنِي خَالِدٍ ، وَكَانَتْ فِيهِمْ وَزَارَةٌ وَحِجَابَةٌ ، وَهُوَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ الْمَشْهُورِ فِي غِنَاءِ زِرْيَابٍ ، وَأَبُوهُ الآنَ فِي الْحَيَاةِ يُكَنَّى أَبَا الْجَعْدِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْخَوْلانِيِّ الْكَاتِبِ فَعَرَفَهَا ، وَقَالَ لِي : لَقَدْ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ رَأَى أَسْلَمَ هَذَا فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْمَطَرِ لا يَكَادُ أَحَدٌ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى قَبْرِ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ الْمَذْكُورِ زَائِرًا لَهُ ، قَدْ تَحَيَّنَ غَفْلَةَ النَّاسِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ @ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ التُّجِيبِيُّ لأَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ ، وَقَدْ أَهْدَى إِلَى أَسْلَمَ كِتَابَ الْفَصِيحِ لِثَعْلَبٍ : هَذَا كِتَابُ الْفَصِيحِ بِكُلِّ لَفْظٍ مَلِيحِ وَهَبْتُهُ لَكَ طَوْعًا كَمَا وَهَبْتُكَ رُوحِي " @ أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ , قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى , أَنَّ الزُّبَيْرَ أَخْبَرَهُمْ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ اللَّيْثِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ : أَقْحَمَتِ السَّنَةُ الْمَدِينَةَ نَاسًا مِنَ الأَعْرَابِ فَحَلَّ الْمِذَادَ صِرْمٌ مِنْ بَنِي كِلابٍ ، وَكَانُوا @ 1 : 482 @ يُسَمُّونَ عَامَهُمْ ذَلِكَ الْجَرَّافَ ، فَغَدَوْتُ عَلَيْهِمْ فَإِذَا غُلامٌ مِنْهُمْ قَدْ عَادَ جِلْدًا وَعَظَمًا ضِيقَةً وَضِنَانَةً وَمَرَضًا ، وَإِذَا هُوَ رَافِعٌ عَقِيرَتَهُ بِأَبْيَاتٍ قَالَهَا : أَلا يَا سَنَا بَرْقٍ عَلَى قُلَلِ الْحِمَى لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عَلَيَّ كَرِيمُ فَبِتُّ بِحَدِّ الْمِرْفَقَيْنِ أَشِيمُهُ كَأَنِّي لِبَرْقٍ بِالسِّتَارِ حَمِيمُ فَهَلْ مِنْ مُعِيرِي طَرْفَ عَيْنٍ خَلِيَّةٍ فَإِنْسَانُ طَرْفِ الْعَامِرِيِّ كَلِيمُ رَمَى قَلْبَهُ الْبَرْقُ الْمُلالِيُّ رَمْيَةً بِذِكْرِ الْحِمَى وَهْنًا فَكَادَ يَهِيمُ فَقُلْتُ لَهُ : دُونَ مَا أَنْتَ فِيهِ لَمَا أَفْحَمَ عَنْ قَوْلِ الشِّعْرِ , قَالَ : صَدَقْتَ وَلَكِنَّ الْبَرْقَ أيقظني , فوالله ما لبث يومه حتى مات ما به داء غير الوجد " @ أَخْبَرَتْنَا شهدة ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ ، قَالَ : ذَكَرَ ابْنُ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ مُسَافِرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ يَتَعَشَّقُ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَنُذِرَ بِهِ أَهْلُهَا ، فَهَرَبَ ، فَلَحِقَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَاعْتُلَّ ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَقَالَ لَهُ : مَا فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ قَالَ : تَزَوَّجَتْ ، فَشَهِقَ وَمَاتَ فِي مَكَانِهِ " @ قَالَ ابْنُ خَلَفٍ : وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : كَانَ الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّغْلَبِيُّ مِنْ أَهْلِ الأَدَبِ وَالظُّرْفِ ، فَوَاصَلَتْهُ جَارِيَةٌ ، وَكَانَ يُظْهِرُ لَهَا مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ ، وَهِيَ عَلَى غَايَةِ الْعِشْقِ لَهُ ، فَمَاتَتْ عِشْقًا لَهُ ، فَأَسِفَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ جَفَائِهِ لَهَا وَإِعْرَاضِهِ عَنْهَا ، فَرَآهَا لَيْلَةً فِي مَنَامِهِ وَهِيَ تَقُولُ : أَتَبْكِي بَعْدَ قَتْلِكَ لِي عَلَيَّا فَهَلا كَانَ ذَا إِذْ كُنْتُ حَيَّا سَكَبْتَ دُمُوعَ عَيْنِكَ لِي عَلَيَّا وَمَنْ قَبْلِ الْمَمَاتِ تُسِي إِلَيَّا فَيَا قَمَرًا بَرَى جِسْمِي وَرُوحِي وَيَقْتُلُنِي وَمَا أَبْقَى عَلَيَّا أَقِلَّ مِنَ النِّيَاحَةِ وَالْمَرَائِي فَإِنِّي مَا أَرَاكَ صَنَعْتَ شَيَّا فَزَادَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الأَسَفِ وَالْغَمِّ وَالْبُكَاءِ ، حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ فَمَاتَ " @ أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ الْحَسَنِ الْهَمَذَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : أَنْشَدَنَا جَدِّي ، قَالَ : أَنْشَدَنِي جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ ، قَالَ : أَنْشَدَنِي ابْنُ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : أَنْشَدَنِي الْبَرْجَلانِيُّ : @ 1 : 483 @ ذَكَرْتُ فَتَى فِيمَا مَضَى كَانَ عَاشِقًا فَغَادَرَهُ رَيْبُ الزِّمَانِ فَخَانَهُ فَعَاشَ كَئِيبًا مُدْنِفًا فِي حَيَاتِهِ إِلَى أَنْ مَضَى لَمْ يَعْرِفِ النَّاسَ شَانَهُ بَلَى قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَاحَسْرَتِي عَلَى فَتَى لا أُسَمِّيهِ وَعَضَّ بَنَانَهُ وَقَلَّبَ طَرْفَيْهِ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَنَّ بِشَهْقَاتٍ وَمَاتَ مَكَانَهُ فَيَا أَهْلَ وُدِّي هَكَذَا الْحُبُّ فِي الْهَوَى وَلَكِنَّ مَا هَذَا الزَّمَانُ زَمَانَهُ " @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ النَّحْوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي حَمَّادٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : وَصَفْتُ لِلْمَأْمُونِ جَارِيَةً بِكُلِّ مَا يُوصَفُ بِهِ امْرَأَةً مِنَ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ ، فَبَعَثَ فِي شِرَائِهَا ، فَأُتِيَ بِهَا وَقْتَ خُرُوجِهِ إِلَى بِلادِ الرُّومِ ، فَلَمَّا هَمَّ لِيَلْبِسَ دِرْعَهُ خَطَرَتْ بِبَالِهِ ، فَأَمَرَ فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا أُعْجِبَ بِهَا وَأُعْجِبَتْ بِهِ ، فَقَالَتْ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى بِلادِ الرُّومِ ، قَالَتْ : قَتَلْتَنِي وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي ! وَحَدَرَتْ دُمُوعُهَا عَلَى خَدِّهَا كَنِظَامِ اللُّؤْلُؤِ ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ : سَأَدْعُو دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ رَبًّا يُثِيبُ عَلَى الدُّعَاءِ وَيَسْتَجِيبُ لَعَلَّ أَنْ يَكْفِيكَ حَرْبًا وَيَجْمَعُنَا كَمَا تَهْوَى الْقُلُوبُ فَضَمَّهَا الْمأْمُونِ إِلَى صَدْرِهِ ، وَأَنْشَأَ مُتَمَثِّلا يَقُولُ : فَيَا حُسْنَهَا إِذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَهَا وَإِذْ هِيَ تُذْرِي الدَّمْعَ مِنْهَا الأَنَامِلُ صَبِيحَةَ قَالَتْ فِي الْعِتَابِ قَتَلْتَنِي وَقَتْلِي بِمَا قَالَتْ هُنَاكَ تُحَاوِلُ ثُمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ : يَا مَسْرُورُ احْتَفِظْ بِهَا وَأَكْرِمْ مَحِلَّهَا ، وَأَصْلِحْ لَهَا كُلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَقَاصِيرِ وَالْخَدَمِ وَالْجَوَارِي إِلَى وَقْتِ رُجُوعِي ، فَلَوْلا مَا قَالَ الأَخْطَلُ : قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرِهُمْ دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ ثُمَّ خَرَجَ ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَعَاهَدُهَا وَيُصْلِحُ مَا أَمَرَ بِهِ ، فَاعْتَلَّتِ الْجَارِيَةُ عِلَّةً شَدِيدَةً أَشْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهَا ، وَوَرَدَ نَعْيُ الْمأْمُونِ ، فَلَمَّا بَلَغَهَا ذَلِكَ تَنَفَّسَتِ الصَّعْدَاءَ وَمَاتَتْ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ الطَّبَرِيُّ @ 1 : 484 @ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْمُوسَائِيُّ الْعَلَوِيُّ ، يَقُولُ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرُّصَافِيُّ ، قَالَ : قَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ : إِنِّي خَرَجْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ أُرِيدُ الْحَجَّ ، وَإِذَا أَنَا بِفَتًى نَضْوٍ قَدْ نَهَكَهُ السِّقَامُ ، يَقِفُ عَلَى مَحْمَلٍ وَهَوْدَجٍ ، وَيَطَّلِعُ فِيهِ ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ وَمِنْ فِعْلِهِ ، فَقَالَ : أَحُجَّاجَ بَيْتِ اللَّهِ فِي أَيِّ هَوْدَجٍ وَفِي أَيِّ خِدْرٍ مِنْ خُدُورِكُمْ قَلْبِي أَأَبْقَى أَسِيرَ الْحُبِّ فِي دَارِ غُرْبَةٍ وَحَادِيكُمْ يَحْدُو بِقَلْبِي فِي الرَّكْبِ فَلَمْ أَزَلْ أَقِفُ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ الْمَنْزِلَ ، فَاسْتَنَدَ إِلَى جِدَارٍ ، ثُمَّ قَالَ : خَلِّ فَيْضَ الدَّمْعِ يَنْهَمِلُ بَانَ مَنْ تَهْوَاهُ فَارْتَحَلُوا كُلُّ دَمْعٍ صَانَهُ كَلِفٌ فَهُوَ يَوْمَ الْبَيْنِ مُبْتَذَلُ قَالَ : ثُمَّ تَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَشَهِقَ شَهْقَةً ، فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ @ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ ، قَالَتْ : أَنْبَأَنَا جَعْفَرٌ ، قَالَ : حَدَّثَ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الأَسَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَعْرَابِيُّ ، قَالَ : خَرَجَ الأَحْوَصُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى دِمَشْقَ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ ، يُقَالُ لَهَا : بِشْرَةُ ، وَكَانَ شَدِيدَ الإِعْجَابِ بِهَا لا يَكَادُ يَصْبِرُ عَنْهَا ، وَكَانَتْ هِيَ لَهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ ، فَاشْتَكَى الأَحْوَصُ وَمَاتَ ، فَجَزِعَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَزَلْ تَنْدُبُهُ إِلَى أَنْ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ ، فَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِ قَبْرِهِ " @ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّصَيْبِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي دِعْبِلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ : كَانَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، مَالَ إِلَى جَارِيَةٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، فَتَعَاظَمَ أَمْرُهُ وَأَمْرُهَا ، فَكَانَ يَقُولُ فِيهَا الشِّعْرَ , وَيَذْكُرُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ حُبِّهَا ، وَصَنَعُوا لَهُ كِتَابًا فِي ذَلِكَ مِثْلَ كِتَابِ جَمِيلٍ وَبُثَيْنَةَ ، وَعَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ ، وَكُثَيِّرٍ وَعَزَّةَ ، فَبَاعَهَا مَوْلاهَا لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ , فَيُرْوَى أَنَّهُ مَاتَ حِينَ أُخْرِجَتْ مِنَ الْكُوفَةِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهَا مَوْتُهُ مَاتَتْ أَسَفًا عَلَيْهِ , فَمِنْ شِعْرِهِ عِنْدَ فِرَاقِهَا : @ 1 : 485 @ جَدَّ الرَّحِيلَ وَحَثَّنِي صَحْبِي قَالُوا الرَّحِيلَ فَطَيَّرُوا لُبِّي وَاشْتَقْتُ شَوْقًا كَادَ يَقْتُلُنِي فَالنَّفْسُ مُشْرِفَةٌ عَلَى نَحْبِي لَمْ يَلْقَ عِنْدَ الْبَيْنِ ذُو كَلَفٍ يَوْمًا كَمَا لاقَيْتُ مِنْ كَرْبِ لا صَبْرَ لِي عِنْدَ الْفِرَاقِ عَلَى فَقَدِ الْحَبِيبِ وَلَوْعَةِ الْحُبِّ @ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ الْبَدَنِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّمْنَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْمُقْرِئُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ رَاشِدٍ ، قَالَ : عَلِقَتْ فَتَاةٌ مِنَ الْعَرَبِ فَتًى مِنْ قَوْمِهَا ، وَكَانَ الْفَتَى عَاقِلا فَاضِلا ، فَجَعَلَتْ تُكْثِرُ التَّرَدُّدَ إِلَيْهِ فَتَسْأَلُهُ عَنْ أُمُورٍ مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ ، وَمَا بِهَا إِلا النَّظَرُ إِلَيْهِ ، وَاسْتِمَاعُ كَلامِهِ ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا مَرِضَتْ وَتَغَيَّرَتْ ، وَاحْتَالَتْ فِي أَنْ خَلا لَهَا وَجْهُهُ ، فتعرضت له ببعض الأمر ، فدفعها عنه فتزايد المرض حتى سقطت على الفراش , فقالت له أمه إن فلانة قد مرضت ولها علينا حق ، قَالَ : فُعُودِيهَا ، وَقُولِي لَهَا يَقُولُ لَكَ : مَا خَبَرُكِ ؟ فَمَضَتْ إِلَيْهَا أُمُّهُ ، فَقَالَتْ لَهَا : مَا بِكِ ؟ قَالَتْ : وَجَعٌ فِي فُؤَادِي هُوَ أَصْلُ عِلَّتِي ، قَالَتْ : فَإِنَّ ابْنِي يَقُولُ لَكَ : مَا عِلَّتُكِ ؟ فَتَنَفَّسَتِ الصَّعْدَاءَ وَقَالَتْ : يُسَائِلُنِي عَنْ عِلَّتِي وَهُوَ عِلَّتِي عَجِيبٌ مِنَ الأَنْبَاءِ جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ فَانْصَرَفَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَتْهُ ، وَقَالَتْ لَهُ : قَدْ كُنْتُ أَنْ تَسْأَلَهَا الْمَصِيرَ إِلَيْنَا فَنَقْضِي حَقَّهَا وَنَلِي خِدْمَتَهَا , قَالَ : فَسَلِيهَا ذَلِكَ , قَالَتْ : قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ عَنْ رَأْيِكَ , فَمَضَتْ إِلَيْهَا فَذَكَرَتْ لَهَا ذَلِكَ عَنْهُ ، فَبَكَتْ ، وَقَالَتْ : يُبَاعِدُنِي عَنْ قُرْبِهِ وَلِقَائِهِ فَلَمَّا أَذَابَ الْجِسْمُ مِنِّي تَعَطَّفَا فَلَسْتُ بِآتِي مَوْضِعًا فِيهِ قَاتِلِي كَفَى بِي سِقَامًا أَنْ أَمُوتَ كَذَا كَفَى وَتَرَامَتْ بِهَا الْعِلَّةُ وَتَزَايَدَ الْمَرَضُ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ " وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : عَلِقَ بَدْرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْهَمَدَانِيُّ نُعْمَ بِنْتَ حَاجِبِ بْنِ عُطَارِدٍ ، وَكَانَ سَبَبُ عَلاقَتِهِ أَنَّهُ رَآهَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَفَتِنَتْهُ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ : مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الْحُبَّ يَعْرِضَ لِي عِنْدَ الطَّوَافِ بِبَيْتِ اللَّهِ ذِي السُّتُرِ @ 1 : 486 @ حَتَّى بَدَتْ فِي طَوَافِ الْبَيْتِ جَارِيَةٌ أَظُنُّهَا فِتْنَةً لَيْسَتْ مِنَ الْبَشَرِ ثُمَّ عَظُمَ عَلَيْهِ الأَمْرُ فِي لَيْلَتِهِ ، وَامْتَنَعَ النَّوْمُ مِنْهُ ، فَلَمَّا بَدَا الصُّبْحُ ، أَنْشَأَ يَقُولُ : يَا صُبْحُ قَدْ جِئْتَ عَلَى يَاسِ مِنْ عَاشِقٍ مَاتَ بِوَسْوَاسِ صَبْرًا وَتَسْلِيمًا لِمَا قَدْ قَضَى ذُو الْمَنِّ وَالطُّولِ عَلَى رَأْسِي وَكَانَتْ تَنْزِلُ الْكُوفَةَ فَلَمَّا عَزَمَتْ عَلَى الرَّحِيلِ ، أَنْشَأَ يَقُولُ : جَدَّ الرَّحِيلُ فَكَيْفَ وَيْحَكَ تَصْنَعُ أَتَرَاكَ تَصْبِرُ أَمْ إِخَالُكَ تَجْزَعُ يَا بَدْرُ إِنَّكَ قَدْ شَقَيْتَ بِمَا تَرَى كَتَبَ الإِلَهُ عَلَيْكَ مَا لا يُدْفَعُ أَبْصَرْتَ عِنْدَ الْبَيْتِ خَوْدًا غَادَةً ذَهَبَتْ بِعَقْلِكَ فَالرُّقَى لا تَنْفَعُ ثُمَّ ارْتَحَلَ مَعَهَا إِلَى الْكُوفَةِ فَنَزَلَتْ فِي قَصْرِ حَاجِبٍ ، فَكَانَ يَجْلِسُ بِحِذَاءِ الْقَصْرِ ، وَيَقُولُ : يَا قَصْرُ حَاجِبَ قَدْ أَصْبَحْتَ لِي سِجْنًا لَمْ يَبْقَ مِنْ فِيكَ لِي سَمْعًا وَلا بَصَرَا يَا قَصْرُ حَاجِبَ هَلْ لِي فِيكَ مِنْ طَمَعٍ أَمْ ذَاكَ مِنْكَ فَدَتْكَ النَّفْسُ قَدْ عُسِرَا اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مَا ذَكَرْتُكُمُ إِلا تَرَقْرَقَ مَاءُ الْعَيْنِ فَانْحَدَرَا وَنَظَرَ يَوْمًا إِلَى حَمَامٍ عَلَى سَطْحِ الْقَصْرِ قَدْ سَقَطَ إِلَيْهِ حَمَامٌ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ : قَدْ بَدَا الصُّبْحُ لِي بِشَيْءٍ مَلِيحٍ فَرَّجَ الْكَرْبَ عَنْ فُؤَادٍ قَرِيحِ مِنْ حَمَامٍ رَأَيْتُهُ حِينَ أَوْفَى فَوْقَ سَطْحٍ يَدْعُو بِصَوْتٍ فَصِيحِ فَأَتَتْهُ حَمَامَةٌ فَدَنَتْ مِنْهُ دُنُوًا بِغَيْرِ أَمْرٍ قَبِيحِ فَزَجَرَتِ الْحَمَامَ نَفْسِي يَقِينًا وَزَجَرَتِ الأُخْرَى شَقِيقَةُ رُوحِي فَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِهَا ، وَكَثُرَ مَنْ يَعْذُلُهُ عَلَى مَا يُلْزِمُهُ نَفْسَهُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ : أَيُّهَا الْعَاذِلُونَ بِاللَّهِ كُفُّوا عَنْ مَلامِي فَقَدْ خَلَعْتُ الْعَذَارَا لَسْتُ وَاللَّهِ قَابِلا مِنْ عَذُولٍ مَا بِهِ فِي الْهَوَى عَلَيَّ أَشَارَا وَكَانَ بَدْرٌ مَعْرُوفًا بِالشِّجَاعَةِ وَالنَّجْدَةِ وَالْعَقْلِ وَالْبَيَانِ ، فَأُدْخِلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَخَاطَبَهُ ، فَأُعْجِبَ بِهِ ، وَغَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ ، وَأَحْسَنَ رِفْدَهُ ، وَأَخْرَجَهُ فِيمَنْ أُخْرِجَ إِلَى قِتَالِ ابْنِ الأَشْعَثِ ، فَعَمِلَ فِي الْحَرْبِ عَمَلا عُجِبَ مِنْهُ فِيهِ ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِ ابْنِ الأَشْعَثِ ، وَعَظُمَتِ الْجِرَاحَ بِهِ ، فَقَالَ : وَهُوَ بِآخِرِ رُمْقٍ احْمِلُونِي إِلَى الْكُوفَةِ فَادْفِنُونِي بِهَا ، فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِ . @ 1 : 487 @ فَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِنُعْمَ ، فَأَتَتْ قَبْرَهُ ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ : يَا مَنْ لِعَيْنٍ بِالدِّمُوعِ سَكُوبِ تَبْكِي قَتِيلا ثَاوِيًا بِقَلِيبِ يَا بَدْرُ قَدْ أَشْجَيْتَنِي وَتَرَكْتَنِي فِي كُرْبَةٍ تَعْتَادَنِي وَنَحِيبِ بِأَبِي وَأُمِّي مِنْ كَرِيمٍ سَيِّد ٍ جَزِلِ الْعَطَايَا لِلأُلُوفِ وَهُوبِ لَهَفِي عَلَيْكَ إِذَا الْحُرُوبِ تَسَعَّرَتْ وَتَضَرَّمَتْ وَتَلَهَّبَتْ بِلَهِيبِ فَلأُبْكِيَنَّكَ مَا بَقِيتُ بِلَوْعَةٍ وَأَشُقُّ مِنْ جَزَعٍ عَلَيْكَ جُيُوبِي أَبْكِيكَ يَا بَدْرًا بِعَيْنٍ سَحَّةٍ وَغَلِيلِ قَلْبٍ مُوجَعٍ مَكْرُوبِ لا خَيْرَ لِي يَا بَدْرُ بَعْدَكَ فِي الْبَقَا مَا خَيْرُ عَيْشٍ بَعْدَ هُلْكِ حَبِيبِ وَلَمْ تَزَلْ مُقِيمَةً عَلَى قَبْرِهِ تُقَلِّبُ عَلَيْهِ وَتَبْكِي حَتَّى مَاتَتْ ، فَدُفِنَتْ هُنَاكَ إِلَى جَانِبِهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الأَصْبَهَانِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّ فَتًى مِنَ الأَعْرَابِ يُقَالُ لَهُ ، امْرُؤُ الْقَيْسِ ، هَوَى فَتَاةً مِنَ الْحَيِّ ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى أَنَّهُ يُحِبُّهَا هَجَرَتْهُ ، فَزَالَ عَقْلُهُ ، وَخُولِطَ ، وَأَشْفَى عَلَى التَّلَفِ ، وَصَارَ رَحْمَةً لِلنَّاسِ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَرْأَةَ حَالُهُ وَمَا هُوَ فِيهِ ، أَتَتْ فَأَخَذَتْ بِعَضَادَتَيِ الْبَابِ ، فَقَالَتْ : كَيْفَ تَجِدُكَ يَا امْرَأَ الْقَيْسِ ؟ فَقَالَ : دَنَتِ وَظِلالُ الْمَوْتِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا وَأَدْلَتْ بِوَصْلٍ حِينَ لا يَنْفَعُ الْوَصْلُ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ . وَقَالَ الرَّيَّانُ بْنُ عَلِيٍّ الأَدِيبُ : عَشِقَ فَتًى مِنْ أَبْنَاءِ بَعْضِ أَصْدَقَائِي جَارِيَةً فَأَنْحَلَهُ الْعِشْقُ وَتَيَّمَهُ فَزَالَ عَقْلُهُ ، وَأَخَذَ فِي الْهَجْرِ وَالْهَذَيَانِ ، فَمَرَرْتُ بِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فِي بَعْضِ الْخَرَابَاتِ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَبَا فُلانٌ مَا حَالُكَ ؟ فَقَالَ : أَسْوَأُ حَالٍ : عَقْلٌ هَائِمٌ ، وَغَمٌّ لازِمٌ ، وَفِكْرٌ دَائِمٌ ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : تَيَّمَنِي حُبُّهَا وَأَضْنَانِي وَفِي بِحَارِ الْهُمُومِ أَلْقَانِي كَيْفَ احْتِيَالِي وَلَيْسَ لِي جَلَدٌ فِي دَفْعِ مَا بِي وَكَشْفِ أَحْزَانِي يَا رَبِّ فَاعْطِفْ بِقَلْبِهَا فَعَسَى تَرْحَمُ ضَعْفِي وَطُولَ أَشْجَانِي @ 1 : 488 @ ثُمَّ مَرَرْتُ بِهِ بَعْدَ أَيَّامٍ وَهُوَ يَبْكِي وَيَتَمَرَّغُ فِي التُّرَابِ ، فَلَمَّا رَآنِي ، قَالَ : يَا عَمِّ إِنِّي مَيِّتٌ اللَّيْلَةَ ، فَقُلْتُ : اللَّهُ يَشْفِيكَ ، فَقُبِضَ فِي لَيْلَتِهِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ الرَّافِقِيُّ : كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ بِالرَّافِقَةِ مَعَ عِدَّةٍ مِنَ الظُّرَفَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفِتْيَانِ ، وَمَعَنَا فَتًى كَأَهْيَأَ مَا رَأَيْتُ مِنَ الْفِتْيَانِ ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ ذِلَّةِ الْهَوَى ، يُدِيمُ الأَنِينَ وَالْبُكَاءَ ، فَغَنَّتْ إِحْدَاهُنَّ : إِنِّي لأَبْغَضُ كُلَّ مُصْطَبِرٍ عَنْ إِلْفِهِ فِي الْوَصْلِ وَالْهَجْرِ الصَّبْرُ يُحْسَنُ فِي مَوَاطِنِهِ مَا لِلْفَتَى الْمُحْزُونِ وَالصَّبْرِ قَالَ : فَنَظَرَ الْفَتَى إِلَيْهَا وَتَبَادَرَتْ عَبَرَاتُهُ ، ثُمَّ وَثَبَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأَسْهِ ، وَقَالَ : غَدًا يَكْثُرُ الْبَاكُونَ مِنَّا وَمِنْكُمُ وَتَزْدَادُ دَارِي مِنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ فَسَقَطَ مُجَدَّلا مِنْ قَامَتِهِ فَحَمَلْنَاهُ مَيِّتًا . @ 1 : 489 @