بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثاني
الصفحة 1066 · ص. المطبوع 209
وَلَوْ أَدْخَلَ صَيْدًا مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ وَجَبَ إرْسَالُهُ ، وَإِنْ ذَبَحَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ بَيْعُهُ .
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الصَّيْدَ كَانَ مِلْكَهُ فِي الْحِلِّ ، وَإِدْخَالُهُ فِي الْحَرَمِ لَا يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِهِ ، فَكَانَ مِلْكُهُ قَائِمًا فَكَانَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ ، وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُ رِعَايَةً لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ وَالصَّيْدُ فِي يَدِهِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَقَالَ : لَا خَيْرَ فِيمَا 209 يَتَرَخَّصُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ وَلَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي الْحَرَمِ حَيًّا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّيْدَ إذَا حَصَلَ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ إظْهَارُ حُرْمَةِ الْحَرَمِ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالْإِرْسَالِ ، فَإِنْ قِيلَ : إنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَبِيعُونَ الْحَجَلَ وَالْيَعَاقِيبَ ، وَهِيَ كُلُّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْقَبَجِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَوْ حَرَامًا لَظَهَرَ النَّكِيرُ عَلَيْهِمْ ، فَالْجَوَابُ : إنَّ تَرْكَ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ لِكَوْنِهِ حَلَالًا بَلْ لِكَوْنِهِ مَحِلَّ الِاجْتِهَادِ ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَالْإِنْكَارُ لَا يَلْزَمُ فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ .
وَأَمَّا وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِذَبْحِهِ ; فَلِأَنَّهُ ذَبَحَ صَيْدًا مُسْتَحِقَّ الْإِرْسَالِ ، وَأَمَّا فَسَادُ الْبَيْعِ فَلِأَنَّ إرْسَالَهُ وَاجِبٌ ، وَالْبَيْعُ تَرْكُ الْإِرْسَالِ .
وَلَوْ بَاعَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْدَادُ الْمَبِيعَ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ مُسْتَحِقُّ الْفَسْخِ حَقًّا لِلشَّرْعِ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى فَسْخِ الْبَيْعِ وَاسْتِرْدَادِ الْمَبِيعِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ ، فَإِذَا بَاعَهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ ، فَكَأَنَّهُ أَتْلَفَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، وَكَذَلِكَ إنْ أَدْخَلَ صَقْرًا أَوْ بَازِيًا فَعَلَيْهِ إرْسَالُهُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ الصُّيُودِ ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ فَجَعَلَ يَقْتُلُ حَمَامَ الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْإِرْسَالُ وَقَدْ أَرْسَلَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ فَجَعَلَ يَقْتُلُ صَيْدَ الْحَرَمِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث