بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثالث
الصفحة 1335 · ص. المطبوع 80
( وَأَمَّا ) فِي إضَافَةِ النِّسْبَةِ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالصَّدِيقِ وَنَحْوِهِمَا إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَبَانَتْ مِنْهُ أَوْ عَادَى صَدِيقَهُ ثُمَّ كَلَّمَهُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ يَحْنَثُ .
وَقِيلَ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمَا ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورُ فِي النَّوَادِرِ وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ يَمِينَهُ وَقَعَتْ عَلَى الْمَوْجُودِ وَقْتَ الْحَلِفِ فَحَصَلَ تَعْرِيفُ الْمَوْجُودِ بِالْإِضَافَةِ فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالْعُرْفِ لَا بِالْإِضَافَةِ وَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَنْ تَكْلِيمِ امْرَأَةٍ لِمَعْنًى فِيهَا وَقَدْ يَمْنَعُ مِنْ تَكْلِيمِهَا لِمَعْنًى فِي زَوْجِهَا فَلَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْإِضَافَةِ مَعَ لِاحْتِمَالِ وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْإِشَارَةِ بِأَنْ قَالَ لَا أُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا أَوْ لَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ أَوْ لَا أَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ هَذِهِ أَوْ لَا أَلْبَسُ ثَوْبَ فُلَانٍ هَذَا فَبَاعَ فُلَانٌ عَبْدَهُ أَوْ دَارِهِ أَوْ دَابَّتَهُ أَوْ ثَوْبَهُ فَكَلَّمَ أَوْ دَخَلَ أَوْ رَكِبَ أَوْ لَبِسَ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَعْنِيَ غَيْرَ ذَلِكَ الشَّيْءِ خَاصَّةً وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَعْنِيَ مَا دَامَتْ مِلْكًا لِفُلَانٍ فَهُمَا يَعْتَبِرَانِ الْإِشَارَةَ وَالْإِضَافَةَ جَمِيعًا وَقْتَ الْفِعْلِ لِلْحِنْثِ فَمَا لَمْ يُوجَدَا لَا يَحْنَثُ وَمُحَمَّدٌ يَعْتَبِرُ الْإِشَارَةَ دُونَ الْإِضَافَةِ وَأَمَّا فِي إضَافَةِ النِّسْبَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْإِضَافَةِ وَقْتَ الْفِعْلِ لِلْحِنْثِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَوْجَةَ فُلَانٍ هَذَا أَوْ صَدِيقَ فُلَانٍ هَذَا فَبَانَتْ زَوْجَتُهُ مِنْهُ أَوْ عَادَى صَدِيقَهُ فَكَلَّمَ يَحْنَثُ .
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ أَنَّ الْإِضَافَةَ وَالْإِشَارَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّعْرِيفِ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّهَا تُخَصِّصُ الْعَيْنَ وَتَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فَتَلْغُو الْإِضَافَةُ كَمَا فِي إضَافَةِ النِّسْبَةِ وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعْدَمَا شَاخَ أَنَّهُ يَحْنَثُ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا وَلَهُمَا أَنَّ الْحَالِفَ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَالْإِشَارَةِ لَزِمَ اعْتِبَارُهُمَا مَا أَمْكَنَ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْعَاقِلِ وَاجِبُ الِاعْتِبَارِ مَا أَمْكَنَ وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْإِضَافَةِ هَهُنَا مَعَ وُجُودِ الْإِشَارَةِ لِأَنَّهُ بِالْيَمِينِ مَنَعَ نَفْسَهُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ الْمَحْلُوفَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَنْ شَيْءٍ مَنْعًا مُؤَكَّدًا بِالْيَمِينِ إلَّا لِدَاعٍ يَدْعُوهُ إلَيْهِ وَهَذِهِ الْأَعْيَانُ لَا تُقْصَدُ بِالْمَنْعِ لِذَاتِهَا بَلْ لِمَعْنًى فِي الْمَالِكِ أَمَّا الدَّارُ وَنَحْوُهَا فَلَا شَكَّ فِيهِ وَكَذَا الْعَبْدُ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِالْمَنْعِ لِخَسَّتِهِ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ مَوْلَاهُ وَقَدْ زَالَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْمَالِكِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ مَهْمَا دَامَتْ لِفُلَانٍ مِلْكًا بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالصَّدِيقِ لِأَنَّهُمَا يُقْصَدَانِ بِالْمَنْعِ لِأَنْفُسِهِمَا فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِذَاتَيْهِمَا وَالذَّاتُ لَا تَتَبَدَّلُ بِالْبَيْنُونَةِ وَالْمُعَادَاةِ فَيَحْنَثُ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعْدَمَا صَارَ شَيْخًا وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ فَبَاعَ 80 الطَّيْلَسَانَ فَكَلَّمَهُ حَنِثَ لِأَنَّ الطَّيْلَسَانَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ بِالْمَنْعِ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ ذَاتُ صَاحِبِهِ وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ إذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَوَابَّ فُلَانٍ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثِيَابَهُ أَوْ لَا يُكَلِّمُ غِلْمَانَهُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَا آكُلُ أَطْعِمَةَ فُلَانٍ أَوْ لَا أَشْرَبُ أَشْرِبَةَ فُلَانٍ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْعِمَةٍ وَثَلَاثَةِ أَشْرِبَةٍ لِمَا قُلْنَا وَيُعْتَبَرُ قِيَامُ الْمِلْكِ فِيهَا وَقْتَ الْفِعْلِ لَا وَقْتَ الْحَلِفِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَإِنْ قَالَ أَرَدْت جَمِيعَ مَا فِي مِلْكِهِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِهِ كَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ وَذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ مَا تَلَفَّظَ بِهِ فَيُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ أَوْ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ أَوْ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَنَوَى الْجَمِيعَ وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى إخْوَةِ فُلَانٍ أَوْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ نِسَاءِ فُلَانٍ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُكَلِّمْ الْكُلَّ مِنْهُمْ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَيَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودِينَ وَقْتَ الْحَلِفِ لِأَنَّ هَذِهِ إضَافَةُ نِسْبَةٍ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُحْصَى فَالْيَمِينُ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُعَرَّفًا بِالْإِضَافَةِ وَيُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ فَكَانَ كَالْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْصَى إلَّا بِكِتَابٍ حَنِثَ بِالْوَاحِدِ مِنْهُ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِغْرَاقُ الْجِنْسِ فَيُصْرَفُ إلَى أَدْنَى الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَمِمَّا يُجَانِسُ مَسَائِلَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَا قَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ سَأَلْت أَسَدًا عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ بِنْتَ فُلَانٍ أَوْ بِنْتًا لِفُلَانٍ فَوُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَتَزَوَّجُ مِنْ بَنَاتِ فُلَانٍ وَلَا بَنَاتَ لَهُ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ بَقَرَةِ فُلَانٍ وَلَا بَقَرَةَ لَهُ ثُمَّ اشْتَرَى بَقَرَةً فَشَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا أَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ وَاَللَّهِ لَا أَتَزَوَّجُ مِنْ بَنَاتِك فَبَلَغَ فَوُلِدَ لَهُ فَتَزَوَّجَ مِنْهُنَّ أَيَحْنَثُ أَمْ لَا ؟ ، وَقَالَ لَا آكُلُ مِنْ ثَمَرَةِ شَجَرَةِ فُلَانٍ وَلَا شَجَرَةَ لِفُلَانٍ ثُمَّ اشْتَرَى شَجَرَةً فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا قَالَ أَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ بِنْتَ فُلَانٍ وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ بَقَرَةِ فُلَانٍ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَةِ شَجَرَةِ فُلَانٍ فَلَا يَحْنَثُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا أَتَزَوَّجُ بِنْتًا مِنْ بَنَاتِ فُلَانٍ أَوْ بِنْتًا لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَتَلْزَمُهُ الْيَمِينُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ حَلَفَ يَوْمَ حَلَفَ عَلَى مَا لَمْ يُخْلَقْ حَالَ حَلَفَ وَسَأَلْت الْحَسَنَ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا أَتَزَوَّجُ بِنْتَ فُلَانٍ يَقْتَضِي بِنْتًا مَوْجُودَةً فِي الْحَالِ فَلَمْ تُعْقَدْ الْيَمِينُ عَلَى الْإِضَافَةِ وَإِذَا قَالَ بِنْتًا لِفُلَانٍ فَقَدْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى الْإِضَافَةِ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا يَوْمَ الْحَلِفِ كَقَوْلِهِ عَبْدًا لِفُلَانٍ وَأَمَّا أَسَدٌ فَاعْتَبَرَ وُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَقْتَ الْيَمِينِ فَمَا كَانَ مَعْدُومًا لَا تَصِحُّ الْإِضَافَةُ فِيهِ فَلَا يَحْنَثُ .
وَقَالَ خَلَفٌ سَأَلْت أَسَدًا عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ وَلَيْسَ لِلدَّارِ أَهْلٌ ثُمَّ سَكَنَهَا قَوْمٌ فَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ قَالَ يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَحْنَثُ فِي قَوْلِي وَهُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ اعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث