بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثالث
الصفحة 1400 · ص. المطبوع 144
وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْأُصْبُعِ وَنَحْوِهَا ; قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَقَعُ الطَّلَاقَ .
وَقَالَ زُفَرُ : يَقَعُ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْيَدَ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ فَيَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا كَمَا لَوْ أَضَافَ إلَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِنْهَا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْيَدَ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ أَنَّ الْبَدَنَ عِبَارَةٌ عَنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْهَا الْيَدُ فَكَانَتْ الْيَدُ بَعْضَ الْجُمْلَةِ الْمُرَكَّبَةِ ، وَالْإِضَافَةُ إلَى بَعْضِ الْبَدَنِ إضَافَةٌ إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَطْلِيقِ النِّسَاءِ ، وَالنِّسَاءُ جَمْعُ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا .
وَالْأَمْرُ بِتَطْلِيقِ الْجُمْلَةِ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ تَطْلِيقِ جُزْءٍ مِنْهَا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ ; لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِتَطْلِيقِ جُمْلَةِ الْبَدَنِ ، وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ نَهْيٌ عَنْ تَرْكِهِ وَالْمَنْهِيُّ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فَلَا يَصِحُّ شَرْعًا ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ : يَدُكِ طَالِقٌ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى مَا لَيْسَ مَحَلَّ الطَّلَاقِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى خِمَارِهَا ، وَدَلَالَةُ الْوَصْفِ أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى يَدِهَا ، وَيَدُهَا لَيْسَتْ بِمَحِلٍّ لِلطَّلَاقِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحِلٍّ لِلنِّكَاحِ حَتَّى لَا تَصِحَّ إضَافَةُ النِّكَاحِ إلَيْهَا فَلَا تَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ رَفْعُ مَا يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَحِلًّا لِلْإِقَالَةِ ; لِأَنَّهَا فَسْخُ مَا ثَبَتَ بِالْبَيْعِ كَذَا هَذَا ، وَالثَّانِي أَنَّ مَحَلَّ الطَّلَاقِ مَحَلُّ حُكْمٍ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ، وَحُكْمُ الطَّلَاقِ زَوَالُ قَيْدِ النِّكَاحِ ، وَقَيْدُ النِّكَاحِ ثَبَتَ فِي جُمْلَةِ الْبَدَنِ لَا فِي الْيَدِ وَحْدَهَا ; لِأَنَّ النِّكَاحَ أُضِيفَ إلَى جُمْلَةِ الْبَدَنِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَيْدُ الثَّابِتُ فِي جُمْلَةِ الْبَدَنِ فِي الْيَدِ وَحْدَهَا فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الْيَدِ وَحْدَهَا إضَافَةً إلَى مَا لَيْسَ مَحِلَّ الطَّلَاقِ فَلَا يَصِحُّ .
وَكَذَا يُقَالُ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ - وَهُوَ عَدَمُ الْفَائِدَةِ - فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ ، أَوْ يُضَافُ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْإِضَافَةِ إلَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ كَمَنْ قَطَعَ حَبْلًا مَمْلُوكًا لَهُ تَعَلَّقَ بِهِ قِنْدِيلُ غَيْرِهِ وَهَهُنَا لَا ضَرُورَةَ لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ فِي الْجُزْءِ الْمُعَيَّن مَقْصُورًا عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِبَاقِي الْبَدَنِ فَكَانَ بَقَاءُ النِّكَاحِ مُفِيدًا ، لَكِنْ لَا قَائِلَ بِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْيَدُ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ فَنَقُولُ : إنْ سَلِمَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ فَلِمَ يَكُنْ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ بِخِلَافِ 144 الْجُزْءِ الشَّائِعِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ; وَهَذَا لِأَنَّ الْجُزْءَ إذَا كَانَ شَائِعًا فَمَا مِنْ جُزْءٍ يُشَارُ إلَيْهِ إلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ الطَّلَاقُ فَتَعَذَّرَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْبَدَنِ فَلَمْ يَكُنْ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ فَائِدَةٌ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ عَلَى مَا مَرَّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث