بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الرابع
الصفحة 1915 · ص. المطبوع 188
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ الِاسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الْمَعْقُودِ بِدُونِهِ ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْآبِقِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْدَرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَتِهِ حَقِيقَةً لِكَوْنِهِ مَعْجُوزَ التَّسْلِيمِ حَقِيقَةً ; وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ ; لِمَا قُلْنَا .
وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ إجَارَةُ الْمَشَاعِ مِنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ : إنَّهَا جَائِزَةٌ .
وَجْهُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْإِجَارَةَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْبَيْعِ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّوْعِ الْآخَرِ وَهُوَ بَيْعُ الْعَيْنِ وَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي الْمَشَاعِ ، كَذَا هَذَا ، فَلَوْ امْتَنَعَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ بِسَبَبِ الشِّيَاعِ ، وَالْمَشَاعُ مَقْدُورُ الِانْتِفَاعِ بِالْمُهَايَأَةِ وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُهُ ، وَكَذَا يَجُوزُ مِنْ الشَّرِيكِ أَوْ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَذَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الشُّيُوعَ الطَّارِئَ لَا يُفْسِدُ الْإِجَارَةَ فَكَذَا الْمُقَارِنُ ; لِأَنَّ الطَّارِئَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ مُقَارِنٌ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَأَنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكَانَ كُلُّ جُزْءٍ يَحْدُثُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ مُبْتَدَأً .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْمَشَاعِ غَيْرُ مَقْدُورَةِ الِاسْتِيفَاءِ ; لِأَنَّ اسْتِيفَاءَهَا بِتَسْلِيمِ الْمَشَاعِ وَالْمَشَاعُ غَيْرُ مَقْدُورٍ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ اسْمٌ لِسَهْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَغَيْرُ الْمُعَيَّنِ لَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهُ بِنَفْسِهِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهُ بِتَسْلِيمِ الْبَاقِي ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهُ شَرْعًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمَا إنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةِ الْمَشَاعِ بِالتَّهَايُؤِ فَنَقُولُ لَا يُمْكِنُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِالنِّصْفِ فِي كُلِّ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ التَّهَايُؤَ بِالزَّمَنِ انْتِفَاعٌ بِالْكُلِّ فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ وَهَذَا لَيْسَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَالتَّهَايُؤُ بِالْمَكَانِ انْتِفَاعٌ بِرَفْعِ الْمُسْتَأْجَرِ فِي كُلِّ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ نِصْفَ هَذَا النِّصْفِ لَهُ بِالْمِلْكِ وَنِصْفَهُ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ عَمَّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ أَيْضًا فَإِذًا لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيه الْعَقْدُ أَصْلًا وَرَأْسًا فَلَا يَكُونُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَقْدُورَ الِاسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ هَذَا الْعَقْدِ بِالْمُهَايَأَةِ يُؤَدِّي إلَى الدَّوْرِ ; لِأَنَّهُ لَا مُهَايَأَةَ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْعَقْدِ ، وَلَا عَقْدَ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ فَيَتَعَلَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ بِصَاحِبِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ كَوْنَ الْمَبِيعِ مَقْدُورَ الِانْتِفَاعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الْبَيْعِ فَإِنَّ بَيْعَ الْمُهْرِ وَالْجَحْشِ وَالْأَرْضِ السَّبْخَةِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَفَعًا بِهَا وَلِهَذَا يَدْخُلُ الشِّرْبُ وَالطَّرِيقُ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ وَلَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ إلَّا بِالتَّسْمِيَةِ ; لِأَنَّ كَوْنَ الْمُسْتَأْجِرِ مُنْتَفِعًا بِهِ بِنَفْسِهِ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِدُونِ الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ .
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ مِنْ الشَّرِيكِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَاكَ مَقْدُورُ الِاسْتِيفَاءِ بِدُونِ الْمُهَايَأَةِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ كُلِّ الدَّارِ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ لَكِنْ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بَعْضُهَا بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَبَعْضُهَا بِسَبَبِ الْإِجَارَةِ وَكَذَا الشُّيُوعُ الطَّارِئُ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ كَالْمُقَارِنِ 188 وَفِي رِوَايَةٍ لَا تَفْسُدُ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ ، وَوَجْهُهَا أَنَّ عَدَمَ الشُّيُوعِ عِنْدَهُ شَرْطُ جَوَازِ هَذَا الْعَقْدِ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُشْتَرَطُ لِابْتِدَاءِ الْعَقْدِ يُشْتَرَطُ لِبَقَائِهِ كَالْخُلُوِّ عَنْ الْعِدَّةِ فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ وَلَا تَمْنَعُ الْبَقَاءَ كَذَا هَذَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا لِرَجُلٍ فَأَجَرَ نِصْفَهَا مِنْ رَجُلٍ أَوْ كَانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَجَرَ أَحَدُهُمَا نَصِيبُهُ مِنْ رَجُلٍ كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ نَصًّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ذَكَرَ أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ أَنَّ إجَارَةَ الْمَشَاعِ إنَّمَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا أَجَرَ الرَّجُلُ بَعْضَ مِلْكِهِ فَأَمَّا إذَا أَجَرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى تَقَعُ الْمُهَايَأَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ ، وَبَيْنَ الْمُؤَاجِرِ مُدَّةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْمُؤَاجِرُ الْأَجْرَ مَعَ كَوْنِ الدَّارِ فِي يَدِهِ وَالْمُهَايَأَةُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ إنَّمَا تَقَعُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُؤَاجِرِ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ وَأُجْرَتُهَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَعَارَهَا ثُمَّ أَجَرَهَا وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَانِعِ يَعُمُّ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ مُحْتَمِلًا لِلْقِسْمَةِ أَوْ لَا ; لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْمَانِعَ ثَمَّةَ خَصَّ الْمُحْتَمِلَ لِلْقِسْمَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَلَوْ آجَرَ مَشَاعًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَقُسِّمَ وَسَلِمَ جَازَ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ قَدْ زَالَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْجِذْعَ فِي السَّقْفِ ثُمَّ نَزَعَ وَسَلِمَ وَكَمَا لَوْ وَهَبَ مَشَاعًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ ثُمَّ قُسِمَ وَسَلِمَ فَإِنْ اخْتَصَمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَأَبْطَلَ الْحَاكِمُ الْإِجَارَةَ ثُمَّ قُسِمَ وَسَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ انْفَسَخَ مِنْ الْأَصْلِ بِإِبْطَالِ الْحَاكِمِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ إلَّا بِالِاسْتِئْنَافِ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الِاثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَدْخُلُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ وَيَسْتَوْفِيهَا مِنْ غَيْرِ مُهَايَأَةٍ وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْمُؤَاجِرَيْنِ حَتَّى انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ فِي حِصَّتِهِ لَا تُنْقَضُ فِي حِصَّةِ الْحَيِّ وَإِنْ صَارَتْ مُشَاعَةً ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشُّيُوعِ الطَّارِئِ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَا يَجُوزُ رَهْنُ الِاثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ وَهِبَةُ الِاثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ لِعَدَمِ الشُّيُوعِ عِنْدَ الْقَبْضِ ، وَكَذَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْوَاحِدِ مِنْ الِاثْنَيْنِ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْآجِرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ شِيَاعٍ ثُمَّ ثَبَتَ الشِّيَاعُ لِضَرُورَةِ تَفَرُّقِ مِلْكَيْهِمَا فِي الْمَنْفَعَةِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ قِسْمَةَ الْمَنْفَعَةِ بِالتَّهَايُؤِ فَيَنْعَدِمُ الشُّيُوعُ وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْمُسْتَأْجِرِينَ حَتَّى اُنْتُقِضَتْ الْإِجَارَةُ فِي حِصَّتِهِ بَقِيَتْ فِي حِصَّةِ الْحَيِّ كَمَا كَانَتْ ، وَيَجُوزُ رَهْنُ الْوَاحِدِ مِنْ اثْنَيْنِ أَيْضًا ; لِأَنَّ الرَّهْنَ شُرِعَ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ فَجَمِيعُ الرَّهْنِ يَكُونُ وَثِيقَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِينَ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ الرَّهْنِ .
وَأَمَّا هِبَةُ الْوَاحِدِ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنَّمَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي بَابِ الْهِبَةِ يَقَعُ بِالْقَبْضِ وَالشُّيُوعُ ثَابِتٌ عِنْدَ الْقَبْضِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الْقَبْضِ فَيَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْمِلْكِ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ لِلْآجِرِ أَوْ شَجَرٌ أَوْ قَصَبٌ أَوْ كَرْمٌ أَوْ مَا يَمْنَعُ مِنْ الزِّرَاعَةِ لَمْ تَجُزْ ; لِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِمَالِ الْمُؤَاجِرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُهُ فَلَا يَكُونُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَقْدُورَ الِاسْتِيفَاءِ شَرْعًا فَلَمْ تَجُزْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى جِذْعًا فِي سَقْفٍ ، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فِيهَا رُطَبَةٌ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا إلَّا بِضَرَرٍ وَهُوَ قَلْعُ الرُّطَبَةِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ فَلَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ مَقْدُورَةَ الِاسْتِيفَاءِ شَرْعًا فَلَمْ تَجُزْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى جِذْعًا فِي سَقْفٍ فَإِنْ قَلَعَ رَبُّ الْأَرْضِ الرُّطَبَةَ فَقَالَ لِلْمُسْتَأْجِرِ : اقْبِضْ الْأَرْضَ فَقَبَضَهَا فَهُوَ جَائِزٌ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ قَدْ زَالَ فَصَارَ كَشِرَاءِ الْجِذْعِ فِي السَّقْفِ إذَا نَزَعَهُ الْبَائِعُ وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَإِنْ اخْتَصَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَأَبْطَلَ الْحَاكِمُ الْإِجَارَةَ ثُمَّ قَلَعَ الرُّطَبَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ بَطَلَ بِإِبْطَالِ الْحَاكِمِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ فَإِنْ مَضَى مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا ثُمَّ قَلَعَ الرُّطَبَةَ فَالْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبَضَهَا عَلَى تِلْكَ الْإِجَارَةِ وَطَرَحَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبِضْ فَرْقًا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الدَّارِ إذَا سَلَّمَهَا الْمُؤَاجِرُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَكُونُ لَهُ خِيَار التَّرْك ، وَوَجْه الْفَرْقِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إجَارَةِ الْأَرْضِ الزِّرَاعَةُ ، وَالزِّرَاعَةُ لَا تُمْكِنُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ بَلْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَتَخْتَلِفُ بِالتَّقْدِيمِ ، وَالتَّأْخِيرِ فَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا يَقِفُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَيَكُونُ الْكُلُّ كَمُدَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا مَضَى بَعْضُهَا فَقَدْ تُغَيَّرُ عَلَيْهِ صِفَةُ الْعَقْدِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْقُودِ فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بِخِلَافِ إجَارَةِ الدَّارِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا السُّكْنَى وَسُكْنَى كُلِّ يَوْمٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِيَوْمٍ آخَرَ فَلَا يَقِفُ بَعْضُ الْمُدَّةِ فِيهَا عَلَى بَعْضٍ فَلَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الْبَاقِي فَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَلَوْ اشْتَرَى أَطْرَافَ رُطَبَةٍ ثُمَّ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ لِتَبْقِيَةِ ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ 189 الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ أَصْلَ الرُّطَبَةِ مِلْكُ الْمُؤَاجِرِ فَكَانَتْ الْأَرْضُ مَشْغُولَةً بِمِلْكِ الْمُؤَاجِرِ وَاسْتِئْجَارُ بُقْعَةٍ مَشْغُولَةٍ بِمَالِ الْمُؤَاجِرِ لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّ كَوْنَهَا مَشْغُولَةً بِمِلْكِهِ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ فَيَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَاسْتِئْجَارِ أَرْضٍ فِيهَا زَرْعُ الْمُؤَاجِرِ وَلَوْ اشْتَرَى الرُّطَبَةَ بِأَصْلِهَا لِيَقْلَعَهَا ثُمَّ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِتَبْقِيَتِهَا جَازَ ; لِأَنَّ الْأَرْضَ هَهُنَا مَشْغُولَةٌ بِمَالِ الْمُسْتَأْجِرِ وَذَا لَا يَمْنَعُ الْإِجَارَةَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ مَا هُوَ فِي يَدِهِ وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى شَجَرَةً فِيهَا ثَمَرٌ بِثَمَرِهَا عَلَى أَنْ يَقْلَعَهَا ثُمَّ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ فَبَقَّاهَا فِيهَا جَازَ لِمَا قُلْنَا قَالَ مُحَمَّدٌ : وَإِنْ اسْتَعَارَ الْأَرْضَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ جَائِزٌ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ بِالْإِعَارَةِ أَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِهِ فَيَجُوزُ ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا مِنْ اسْتِئْجَارِ الْفَحْلِ لِلْإِنْزَاءِ وَاسْتِئْجَارِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالْبَازِي الْمُعَلَّمِ لِلِاصْطِيَادِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْهُ غَيْرُ مَقْدُورَةِ الِاسْتِيفَاءِ إذْ لَا يُمْكِنُ إجْبَارُ الْفَحْلِ عَلَى الضِّرَابِ وَالْإِنْزَالِ وَلَا إجْبَارُ الْكَلْبِ وَالْبَازِي عَلَى الصَّيْدِ فَلَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي هِيَ مَعْقُودٌ عَلَيْهَا مَقْدُورَةَ الِاسْتِيفَاءِ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ تَجُزْ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ اسْتِئْجَارُ الْإِنْسَانِ لِلْبَيْعِ ، وَالشِّرَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ ، وَالشِّرَاءَ لَا يَتِمُّ بِوَاحِدٍ بَلْ بِالْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَلَا يَقْدِرُ الْأَجِيرُ عَلَى إيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَقْدِرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْمِلَ خَشَبَةً بِنَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهَا بِنَفْسِهِ وَلَوْ ضَرَبَ لِذَلِكَ مُدَّةً بِأَنْ اسْتَأْجَرَهُ شَهْرًا لِيَبِيعَ لَهُ وَيَشْتَرِيَ جَازَ لِمَا مَرَّ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالصَّنَائِعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيفَاءِ الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَقْدِرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ وَإِنْ شِئْتَ أَفْرَدْت لِجِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ شَرْطًا فَقُلْت وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ الْمُسْتَأْجَرُ لَهُ مَقْدُورَ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْعَامِلِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ وَخُرِّجَتْ الْمَسَائِلُ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصِّنَاعَةِ فَافْهَمْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث