بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الرابع
( فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا حُكْمُ الْإِجَارَةِ فَالْإِجَارَةُ لَا تَخْلُو : إمَّا إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً وَإِمَّا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً وَإِمَّا إنْ كَانَتْ بَاطِلَةً .
أَمَّا الصَّحِيحَةُ : فَلَهَا أَحْكَامٌ ، بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ وَبَعْضُهَا مِنْ التَّوَابِعِ أَمَّا الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ : فِي بَيَانِ أَصْلِ الْحُكْمِ ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ ثُبُوتِهِ ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهِ .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ ، وَثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ لِلْآجِرِ ; لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ إذْ هِيَ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ ، وَالْبَيْعُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَيَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ .
وَأَمَّا وَقْتُ ثُبُوتِهِ فَالْعَقْدُ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ كَانَ عُقِدَ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ شُرِطَ فِيهِ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ أَوْ تَأْجِيلُهَا .
فَإِنْ عُقِدَ مُطْلَقًا ; فَالْحُكْمُ يَثْبُتُ فِي الْعِوَضَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُؤَاجِرِ فِي الْأُجْرَةِ وَقْتَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الْمَنْفَعَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْمُطْلَقَةِ هُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ عَقِيبَ الْعَقْدِ بِلَا فَصْلٍ .
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْعَقْدِ فَعِنْدَنَا : يَثْبُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ مَحَلِّهِ ، وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ ; لِأَنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَعِنْدَهُ تُجْعَلُ الْمُدَّةُ مَوْجُودَةً تَقْدِيرًا كَأَنَّهَا أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهَا فِي الْحَالِ ، وَعَلَى هَذَا يُبْنَى أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَهُ تُمْلَكُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَقَدْ وُجِدَتْ مُطْلَقَةً ، وَالْمُعَاوَضَةُ الْمُطْلَقَةُ تَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ عَقِيبَ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ ، إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ تَثْبُتُ فِيهِ مَنَافِعُ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ فِي الْحَالِ حَقِيقَةً ، فَتُجْعَلُ مَوْجُودَةً حُكْمًا تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ ، وَقَدْ يُجْعَلُ الْمَعْدُومُ حَقِيقَةً مَوْجُودًا تَقْدِيرًا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ ، وَلَنَا أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ الْمُطْلَقَةَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ لَا يَثْبُتُ فِي الْعِوَضِ الْآخَرِ ، إذْ لَوْ ثَبَتَ لَا يَكُونُ مُعَاوَضَةً حَقِيقَةً ; لِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ عِوَضٌ ; وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعُقُودِ الْمُطْلَقَةِ مَطْلُوبُ الْعَاقِدَيْنِ ، وَلَا مُسَاوَاةَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَالْمِلْكُ لَمْ يَثْبُتْ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ ، وَهُوَ مَنَافِعُ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ حَقِيقَةً فَلَا تَثْبُتُ فِي الْأُجْرَةِ فِي الْحَالِ تَحْقِيقًا لِلْمُعَاوَضَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ تَثْبُتُ ؟ فَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقُولُ : إنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِثْلُ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ سَنَةً أَوْ عَشْرَ سِنِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ، ثُمَّ رَجَعَ هُنَا فَقَالَ : تَجِبُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَفِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَسَافَةِ مِثْلَ إنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا وَجَائِيًا كَانَ قَوْلُهُ الْأَوَّلَ : إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْأَجْرِ حَتَّى يَعُودَ ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ : يُسَلِّمُ حَالًا فَحَالًا ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ أُجْرَةَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنَافِعَ الْمُدَّةِ أَوْ الْمَسَافَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَعْقُودٌ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، فَمَا لَمْ يَسْتَوْفِهَا كُلَّهَا لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ بَدَلِهَا ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا يَخِيطُ ثَوْبًا فَخَاطَ بَعْضَهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ ، وَكَذَا الْقَصَّارُ ، وَالصَّبَّاغُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِ الثَّانِي - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - أَنَّهُ مِلْكُ الْبَدَلِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ ، وَأَنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الزَّمَانِ فَيَمْلِكُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِهَا ، فَكَذَا مَا يُقَابِلُهَا ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ 202 سَاعَةً فَسَاعَةً ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فَاسْتُحْسِنَ ، فَقَالَ : يَوْمًا فَيَوْمًا وَمَرْحَلَةً فَمَرْحَلَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا إلَى مَكَّةَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ ثُلُثَ الطَّرِيقِ أَوْ نِصْفَهُ أَعْطَى مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ اسْتِحْسَانًا ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرُ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ السَّيْرَ إلَى ثُلُثِ الطَّرِيقِ أَوْ نِصْفِهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الْجُمْلَةِ ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْقَدْرُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ بَدَلِهِ ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا أَبْرَأَ الْمُؤَاجِرُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ الْأَجْرِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرِ عَيْنًا كَانَ الْأَجْرُ أَوْ دَيْنًا ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إنْ كَانَ دَيْنًا جَازَ ، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ خَارِجٌ عَلَى الْأَصْلِ ، وَهُوَ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَمْ يَمْلِكْهَا الْمُؤَاجِرُ فِي الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ عَنْ شَرْطِ التَّعْجِيلِ ، وَالْإِبْرَاءُ عَمَّا لَيْسَ بِمَمْلُوكِ الْمُبْرِئِ لَا يَصِحُّ ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ ; لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، وَإِنَّمَا التَّأْجِيلُ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءِ عَنْهُ ، وَهِبَةُ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ لَا تَصِحُّ ، وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَبُولِ ، فَإِذَا قَبِلَ الْمُسْتَأْجِرُ فَقَدْ قَصَدَا صِحَّةَ تَصَرُّفِهِمَا ، وَلَا صِحَّةَ إلَّا بِالْمِلْكِ ، فَيُثْبِتُ الْمِلْكُ مُقْتَضَى التَّصَرُّفِ تَصْحِيحًا لَهُ كَمَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ : أَعْتَقْت ، وَالْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ جَائِزٌ ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ ، وَسَبَبُ الْوُجُوبِ هَهُنَا مَوْجُودٌ وَهُوَ الْعَقْدُ الْمُنْعَقِدُ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْنِي بِالِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَهُوَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فِي حَقِّ الْحُكْمِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، وَإِنْ كَانَ يَعْنِي شَيْئًا آخَرَ فَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ الْأُجْرَةِ أَوْ وَهَبَ مِنْهُ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ، أَمَّا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي الْكُلِّ فَكَذَا فِي الْبَعْضِ .
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ ; فَلِأَنَّ ذَلِكَ حَطُّ بَعْضِ الْأُجْرَةِ فَيُلْحَقُ الْحَطُّ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي حَالِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ بَعْضِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، وَحَطُّ الْكُلِّ لَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَصْحِيحِهِ لِلْحَالِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَيْنًا مِنْ الْأَعْيَانِ فَوَهَبَهَا الْمُؤَاجِرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ فَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْإِجَارَةِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إنْ قَبِلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْهِبَةَ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ ، وَإِنْ رَدَّهَا لَمْ تَبْطُلْ ، أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ مَرَّ عَلَى الْأَصْلِ أَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَصِحَّ لِعَدَمِ الْمِلْكِ فَالْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ رَأْسًا ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إذَا وُهِبَ الْمَبِيعَ مِنْ بَائِعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَبِلَهُ الْبَائِعُ إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ نَقْضًا لِلْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ هُنَاكَ قَدْ صَحَّتْ لِصُدُورِهَا مِنْ الْمَالِكِ فَثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ .
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ يَقُولُ : الْأُجْرَةُ إذَا كَانَتْ عَيْنًا كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ ; لِأَنَّ مَا يُقَابِلُهَا هُوَ فِي حُكْمِ الْأَعْيَانِ ، وَالْمُشْتَرِي إذَا وُهِبَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ الْبَائِعِ فَقَبِلَهُ الْبَائِعُ ; يَبْطُلُ الْبَيْعُ ، كَذَا هَذَا ، وَإِذَا رَدَّ الْمُسْتَأْجِرُ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ ، فَإِذَا رَدَّ بَطَلَتْ وَالْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ ، وَعَلَى هَذَا إذَا صَارَفَ الْمُؤَاجِرُ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْأُجْرَةِ فَأَخَذَ بِهَا دِينَارًا بِأَنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ دَرَاهِمَ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ ، وَكَانَ قَوْلُهُ الْأَوَّلَ : إنَّهُ جَائِزٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ، فَأَبُو يُوسُفَ مَرَّ عَلَى الْأَصْلِ فَقَالَ : الْأُجْرَةُ لَمْ تَجِبْ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَمَا وَجَبَ بِعَقْدِ الصَّرْفِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَبْطُلَ الْعَقْدُ فِيهِ كَمَنْ بَاعَ دِينَارًا بِعَشَرَةٍ فَلَمْ يَتَقَابَضَا ; وَلِأَنَّهُ يَشْتَرِي الدِّينَارَ بِدَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ يَجْعَلُهَا قِصَاصًا بِالْأُجْرَةِ ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ ، فَيَبْقَى ثَمَنُ الصَّرْفِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الصَّرْفُ ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ : إذَا لَمْ يَجُزْ الصَّرْفُ إلَّا بِبَدَلٍ وَاجِبٍ - وَلَا وُجُوبَ إلَّا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ - ثَبَتَ الشَّرْطُ مُقْتَضٍ إقْدَامَهُمَا عَلَى الصَّرْفِ ، وَلَوْ شَرَطَا تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ ثُمَّ تَصَارَفَا جَازَ ، كَذَا هَذَا ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمُؤَاجِرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ عَيْنًا مِنْ الْأَعْيَانِ بِالْأُجْرَةِ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالْهِبَةِ جَائِزَانِ ، فَالرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ أَوْلَى .
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ فَأَمَّا الْكَفَالَةُ فَلِأَنَّ جَوَازَهَا لَا يَسْتَدْعِي قِيَامَ الدَّيْنِ لِلْحَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَفَلَ بِمَا يَذُوبُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ جَازَتْ ، وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ بِالدَّرَكِ جَائِزَةٌ ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ بِدَيْنٍ لَمْ يَجِبْ جَائِزٌ ، كَالرَّهْنِ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ ; وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ وَالرَّهْنَ شُرِعَا لِلتَّوَثُّقِ ، وَالتَّوَثُّقُ مُلَائِمٌ لِلْأَجْرِ .
هَذَا إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ ، فَأَمَّا إذَا شُرِطَ فِي تَعْجِيلِهَا مُلِكَتْ بِالشَّرْطِ وَجَبَ تَعْجِيلُهَا ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ عِنْدَنَا إلَّا بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا : شَرْطُ التَّعْجِيلِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ ، وَالثَّانِي : التَّعْجِيلُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ : وَالثَّالِثُ : اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَمَّا مِلْكُهَا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ فَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لِتَحْقِيقِ 203 مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ الْمُطْلَقَةِ وَتَحْقِيقِ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي هِيَ مَطْلُوبُ الْعَاقِدَيْنِ ، وَمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهِمَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا شُرِطَ التَّعْجِيلُ فَلَمْ تُوجَدْ الْمُعَاوَضَةُ الْمُطْلَقَةُ بَلْ الْمُقَيَّدَةُ بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ شَرْطِهِمَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } .
فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْعِوَضِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ فِي الْمُعَوَّضِ ; وَلِهَذَا صَحَّ التَّعْجِيلُ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْحُلُولَ ، كَذَا هَذَا وَلِلْمُؤَجِّرِ حَبْسُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ ، كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ كَالْمَبِيعِ فِي بَابِ الْبَيْعِ ، وَالْأُجْرَةُ فِي الْإِجَارَاتِ كَالثَّمَنِ فِي الْبِيَاعَاتِ ، وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ ، فَكَذَا لِلْمُؤَاجِرِ حَبْسُ الْمَنَافِعِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ الْمُعَجَّلَةَ ، فَإِنْ قِيلَ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْحَبْسِ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى مُدَّةٍ فَإِذَا حُبِسَ الْمُسْتَأْجَرُ مُدَّةً بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا مِنْ الْأُجْرَةِ ، فَلَمْ يَكُنْ الْحَبْسُ مُفِيدًا ، فَالْجَوَابُ : إنَّ الْحَبْسَ مُفِيدٌ ; لِأَنَّهُ يُحْبَسُ وَيُطَالَبُ بِالْأُجْرَةِ ، فَإِنْ عَجَّلَ وَإِلَّا فُسِخَ الْعَقْدُ فَكَانَ فِي الْحَبْسِ فَائِدَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَسَافَةِ بِأَنْ أَجَّرَ دَابَّةً مَسَافَةً مَعْلُومَةً ; لِأَنَّ الْعَقْدَ هَهُنَا لَا يَبْطُلُ بِالْحَبْسِ ، وَكَذَا هَذَا ، وَيَبْطُلُ بِبَيْعِ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ كَالسَّمَكِ الطَّرِيِّ وَنَحْوِهِ إذْ لِلْبَائِعِ حَبْسُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ الْبَيْعِ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَإِنْ وَقَعَ الشَّرْطُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ عَلَى أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَجْرَ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهُوَ جَائِزٌ .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَجِبُ إلَّا فِي آخِرِ الْمُدَّةِ ، فَإِذَا شُرِطَ كَانَ هَذَا شَرْطًا مُقَرِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَكَانَ جَائِزًا .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فَالْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَتْ تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَقَدْ شُرِطَ تَأْجِيلُ الْأُجْرَةِ ، وَالْأُجْرَةُ كَالثَّمَنِ فَتَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ كَالثَّمَنِ .
وَأَمَّا إذَا عَجَّلَ الْأُجْرَةَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلِأَنَّهُ لَمَّا عَجَّلَ الْأُجْرَةَ فَقَدْ غَيَّرَ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ وَلَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ ; لِأَنَّ التَّأْخِيرَ ثَبَتَ حَقًّا لَهُ فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِالتَّعْجِيلِ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَعَجَّلَهُ ; وَلِأَنَّ الْعَقْدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ فَالِاسْتِحْقَاقُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبُهُ ، وَتَعْجِيلُ الْحُكْمِ قَبْلَ الْوُجُوبِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ جَائِزٌ ، كَتَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ .
وَأَمَّا إذَا اُسْتُوْفِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُعَوَّضَ فَيَمْلِكُ الْمُؤَاجِرُ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَتِهِ تَحْقِيقًا لِلْمُعَاوَضَةِ الْمُطْلَقَةِ ، وَتَسْوِيَةً بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُبْنَى الْإِجَارَةُ الْمُضَافَةُ إلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنْ قَالَ : أَجَّرْتُك هَذِهِ الدَّارَ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا ، أَوْ قَالَ : أَجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً أَوَّلُهَا غُرَّةُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجُوزُ ، وَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ وَطَرِيقُ جَوَازِهَا عِنْدَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَنَافِعَ الْمُدَّةِ مَوْجُودَةً تَقْدِيرًا عَقِيبَ الْعَقْدِ تَصْحِيحًا لَهُ إذْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ حُكْمِ الْعَقْدِ مَوْجُودًا لِيُمْكِنَ إثْبَاتُ حُكْمِهِ فِيهِ ، فَجُعِلَتْ الْمَنَافِعُ مَوْجُودَةً حُكْمًا كَأَنَّهَا أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا ، وَإِضَافَةُ الْبَيْعِ إلَى عَيْنٍ سَتُوجَدُ لَا تَصِحُّ كَمَا فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ حَقِيقَةً .
وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ فَكَانَ الْعَقْدُ مُضَافًا إلَى حِينِ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ ، فَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْإِضَافَةِ يَكُونُ مُقَرِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَا الْإِضَافَةَ فِي الْإِجَارَةِ دُونَ الْبَيْعِ لِلضَّرُورَةِ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَالَ وُجُودِهَا لَا يُمْكِنُ إنْشَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا ، فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى الْإِضَافَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ لِإِمْكَانِ إيقَاعِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بَعْدَ وُجُودِهَا ; لِكَوْنِهَا مُحْتَمِلَةً لِلْبَقَاءِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْإِضَافَةِ ، وَطَرِيقُنَا أَوْلَى ; لِأَنَّ جَعْلَ الْمَعْدُومِ مَوْجُودًا تَقْدِيرٌ لِلْمُحَالِ ، وَتَقْدِيرُ الْمُحَالِ مُحَالٌ وَلَا إحَالَةَ فِي الْإِضَافَةِ إلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ تَصِحُّ مُضَافَةً إلَى الْمُسْتَقْبَلِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا ، فَكَانَ الصَّحِيحُ مَا قُلْنَا .
وَأَمَّا حُكْمُ الْإِجَارَةِ فَالْإِجَارَةُ لَا تَخْلُو : إمَّا إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً وَإِمَّا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً وَإِمَّا إنْ كَانَتْ بَاطِلَةً .
أَمَّا الصَّحِيحَةُ : فَلَهَا أَحْكَامٌ ، بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ وَبَعْضُهَا مِنْ التَّوَابِعِ أَمَّا الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ : فِي بَيَانِ أَصْلِ الْحُكْمِ ، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ ثُبُوتِهِ ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهِ .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ ، وَثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ لِلْآجِرِ ; لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ إذْ هِيَ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ ، وَالْبَيْعُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَيَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ .
وَأَمَّا وَقْتُ ثُبُوتِهِ فَالْعَقْدُ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ كَانَ عُقِدَ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ شُرِطَ فِيهِ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ أَوْ تَأْجِيلُهَا .
فَإِنْ عُقِدَ مُطْلَقًا ; فَالْحُكْمُ يَثْبُتُ فِي الْعِوَضَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُؤَاجِرِ فِي الْأُجْرَةِ وَقْتَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الْمَنْفَعَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْمُطْلَقَةِ هُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ عَقِيبَ الْعَقْدِ بِلَا فَصْلٍ .
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْعَقْدِ فَعِنْدَنَا : يَثْبُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ مَحَلِّهِ ، وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ ; لِأَنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَعِنْدَهُ تُجْعَلُ الْمُدَّةُ مَوْجُودَةً تَقْدِيرًا كَأَنَّهَا أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهَا فِي الْحَالِ ، وَعَلَى هَذَا يُبْنَى أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَهُ تُمْلَكُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَقَدْ وُجِدَتْ مُطْلَقَةً ، وَالْمُعَاوَضَةُ الْمُطْلَقَةُ تَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ عَقِيبَ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ ، إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ تَثْبُتُ فِيهِ مَنَافِعُ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ فِي الْحَالِ حَقِيقَةً ، فَتُجْعَلُ مَوْجُودَةً حُكْمًا تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ ، وَقَدْ يُجْعَلُ الْمَعْدُومُ حَقِيقَةً مَوْجُودًا تَقْدِيرًا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ ، وَلَنَا أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ الْمُطْلَقَةَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ لَا يَثْبُتُ فِي الْعِوَضِ الْآخَرِ ، إذْ لَوْ ثَبَتَ لَا يَكُونُ مُعَاوَضَةً حَقِيقَةً ; لِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ عِوَضٌ ; وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعُقُودِ الْمُطْلَقَةِ مَطْلُوبُ الْعَاقِدَيْنِ ، وَلَا مُسَاوَاةَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَالْمِلْكُ لَمْ يَثْبُتْ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ ، وَهُوَ مَنَافِعُ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ حَقِيقَةً فَلَا تَثْبُتُ فِي الْأُجْرَةِ فِي الْحَالِ تَحْقِيقًا لِلْمُعَاوَضَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ تَثْبُتُ ؟ فَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقُولُ : إنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِثْلُ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ سَنَةً أَوْ عَشْرَ سِنِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ، ثُمَّ رَجَعَ هُنَا فَقَالَ : تَجِبُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَفِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَسَافَةِ مِثْلَ إنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا وَجَائِيًا كَانَ قَوْلُهُ الْأَوَّلَ : إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْأَجْرِ حَتَّى يَعُودَ ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ : يُسَلِّمُ حَالًا فَحَالًا ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ أُجْرَةَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنَافِعَ الْمُدَّةِ أَوْ الْمَسَافَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَعْقُودٌ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، فَمَا لَمْ يَسْتَوْفِهَا كُلَّهَا لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ بَدَلِهَا ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا يَخِيطُ ثَوْبًا فَخَاطَ بَعْضَهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ ، وَكَذَا الْقَصَّارُ ، وَالصَّبَّاغُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِ الثَّانِي - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - أَنَّهُ مِلْكُ الْبَدَلِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ ، وَأَنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الزَّمَانِ فَيَمْلِكُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِهَا ، فَكَذَا مَا يُقَابِلُهَا ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ 202 سَاعَةً فَسَاعَةً ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فَاسْتُحْسِنَ ، فَقَالَ : يَوْمًا فَيَوْمًا وَمَرْحَلَةً فَمَرْحَلَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا إلَى مَكَّةَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ ثُلُثَ الطَّرِيقِ أَوْ نِصْفَهُ أَعْطَى مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ اسْتِحْسَانًا ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرُ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ السَّيْرَ إلَى ثُلُثِ الطَّرِيقِ أَوْ نِصْفِهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الْجُمْلَةِ ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْقَدْرُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ بَدَلِهِ ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا أَبْرَأَ الْمُؤَاجِرُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ الْأَجْرِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرِ عَيْنًا كَانَ الْأَجْرُ أَوْ دَيْنًا ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إنْ كَانَ دَيْنًا جَازَ ، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ خَارِجٌ عَلَى الْأَصْلِ ، وَهُوَ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَمْ يَمْلِكْهَا الْمُؤَاجِرُ فِي الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ عَنْ شَرْطِ التَّعْجِيلِ ، وَالْإِبْرَاءُ عَمَّا لَيْسَ بِمَمْلُوكِ الْمُبْرِئِ لَا يَصِحُّ ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ ; لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، وَإِنَّمَا التَّأْجِيلُ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءِ عَنْهُ ، وَهِبَةُ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ لَا تَصِحُّ ، وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَبُولِ ، فَإِذَا قَبِلَ الْمُسْتَأْجِرُ فَقَدْ قَصَدَا صِحَّةَ تَصَرُّفِهِمَا ، وَلَا صِحَّةَ إلَّا بِالْمِلْكِ ، فَيُثْبِتُ الْمِلْكُ مُقْتَضَى التَّصَرُّفِ تَصْحِيحًا لَهُ كَمَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ : أَعْتَقْت ، وَالْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ جَائِزٌ ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ ، وَسَبَبُ الْوُجُوبِ هَهُنَا مَوْجُودٌ وَهُوَ الْعَقْدُ الْمُنْعَقِدُ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْنِي بِالِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَهُوَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فِي حَقِّ الْحُكْمِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، وَإِنْ كَانَ يَعْنِي شَيْئًا آخَرَ فَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ الْأُجْرَةِ أَوْ وَهَبَ مِنْهُ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ، أَمَّا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي الْكُلِّ فَكَذَا فِي الْبَعْضِ .
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ ; فَلِأَنَّ ذَلِكَ حَطُّ بَعْضِ الْأُجْرَةِ فَيُلْحَقُ الْحَطُّ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي حَالِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ بَعْضِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، وَحَطُّ الْكُلِّ لَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَصْحِيحِهِ لِلْحَالِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَيْنًا مِنْ الْأَعْيَانِ فَوَهَبَهَا الْمُؤَاجِرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ فَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْإِجَارَةِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إنْ قَبِلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْهِبَةَ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ ، وَإِنْ رَدَّهَا لَمْ تَبْطُلْ ، أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ مَرَّ عَلَى الْأَصْلِ أَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَصِحَّ لِعَدَمِ الْمِلْكِ فَالْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ رَأْسًا ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إذَا وُهِبَ الْمَبِيعَ مِنْ بَائِعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَبِلَهُ الْبَائِعُ إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ نَقْضًا لِلْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ هُنَاكَ قَدْ صَحَّتْ لِصُدُورِهَا مِنْ الْمَالِكِ فَثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ .
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ يَقُولُ : الْأُجْرَةُ إذَا كَانَتْ عَيْنًا كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ ; لِأَنَّ مَا يُقَابِلُهَا هُوَ فِي حُكْمِ الْأَعْيَانِ ، وَالْمُشْتَرِي إذَا وُهِبَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ الْبَائِعِ فَقَبِلَهُ الْبَائِعُ ; يَبْطُلُ الْبَيْعُ ، كَذَا هَذَا ، وَإِذَا رَدَّ الْمُسْتَأْجِرُ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ ، فَإِذَا رَدَّ بَطَلَتْ وَالْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ ، وَعَلَى هَذَا إذَا صَارَفَ الْمُؤَاجِرُ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْأُجْرَةِ فَأَخَذَ بِهَا دِينَارًا بِأَنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ دَرَاهِمَ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ ، وَكَانَ قَوْلُهُ الْأَوَّلَ : إنَّهُ جَائِزٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ، فَأَبُو يُوسُفَ مَرَّ عَلَى الْأَصْلِ فَقَالَ : الْأُجْرَةُ لَمْ تَجِبْ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَمَا وَجَبَ بِعَقْدِ الصَّرْفِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَبْطُلَ الْعَقْدُ فِيهِ كَمَنْ بَاعَ دِينَارًا بِعَشَرَةٍ فَلَمْ يَتَقَابَضَا ; وَلِأَنَّهُ يَشْتَرِي الدِّينَارَ بِدَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ يَجْعَلُهَا قِصَاصًا بِالْأُجْرَةِ ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ ، فَيَبْقَى ثَمَنُ الصَّرْفِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الصَّرْفُ ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ : إذَا لَمْ يَجُزْ الصَّرْفُ إلَّا بِبَدَلٍ وَاجِبٍ - وَلَا وُجُوبَ إلَّا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ - ثَبَتَ الشَّرْطُ مُقْتَضٍ إقْدَامَهُمَا عَلَى الصَّرْفِ ، وَلَوْ شَرَطَا تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ ثُمَّ تَصَارَفَا جَازَ ، كَذَا هَذَا ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمُؤَاجِرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ عَيْنًا مِنْ الْأَعْيَانِ بِالْأُجْرَةِ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالْهِبَةِ جَائِزَانِ ، فَالرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ أَوْلَى .
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ فَأَمَّا الْكَفَالَةُ فَلِأَنَّ جَوَازَهَا لَا يَسْتَدْعِي قِيَامَ الدَّيْنِ لِلْحَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَفَلَ بِمَا يَذُوبُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ جَازَتْ ، وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ بِالدَّرَكِ جَائِزَةٌ ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ بِدَيْنٍ لَمْ يَجِبْ جَائِزٌ ، كَالرَّهْنِ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ ; وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ وَالرَّهْنَ شُرِعَا لِلتَّوَثُّقِ ، وَالتَّوَثُّقُ مُلَائِمٌ لِلْأَجْرِ .
هَذَا إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ ، فَأَمَّا إذَا شُرِطَ فِي تَعْجِيلِهَا مُلِكَتْ بِالشَّرْطِ وَجَبَ تَعْجِيلُهَا ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ عِنْدَنَا إلَّا بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا : شَرْطُ التَّعْجِيلِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ ، وَالثَّانِي : التَّعْجِيلُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ : وَالثَّالِثُ : اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَمَّا مِلْكُهَا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ فَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لِتَحْقِيقِ 203 مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ الْمُطْلَقَةِ وَتَحْقِيقِ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي هِيَ مَطْلُوبُ الْعَاقِدَيْنِ ، وَمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهِمَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا شُرِطَ التَّعْجِيلُ فَلَمْ تُوجَدْ الْمُعَاوَضَةُ الْمُطْلَقَةُ بَلْ الْمُقَيَّدَةُ بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ شَرْطِهِمَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } .
فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْعِوَضِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ فِي الْمُعَوَّضِ ; وَلِهَذَا صَحَّ التَّعْجِيلُ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْحُلُولَ ، كَذَا هَذَا وَلِلْمُؤَجِّرِ حَبْسُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ ، كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ كَالْمَبِيعِ فِي بَابِ الْبَيْعِ ، وَالْأُجْرَةُ فِي الْإِجَارَاتِ كَالثَّمَنِ فِي الْبِيَاعَاتِ ، وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ ، فَكَذَا لِلْمُؤَاجِرِ حَبْسُ الْمَنَافِعِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ الْمُعَجَّلَةَ ، فَإِنْ قِيلَ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْحَبْسِ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى مُدَّةٍ فَإِذَا حُبِسَ الْمُسْتَأْجَرُ مُدَّةً بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا مِنْ الْأُجْرَةِ ، فَلَمْ يَكُنْ الْحَبْسُ مُفِيدًا ، فَالْجَوَابُ : إنَّ الْحَبْسَ مُفِيدٌ ; لِأَنَّهُ يُحْبَسُ وَيُطَالَبُ بِالْأُجْرَةِ ، فَإِنْ عَجَّلَ وَإِلَّا فُسِخَ الْعَقْدُ فَكَانَ فِي الْحَبْسِ فَائِدَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَسَافَةِ بِأَنْ أَجَّرَ دَابَّةً مَسَافَةً مَعْلُومَةً ; لِأَنَّ الْعَقْدَ هَهُنَا لَا يَبْطُلُ بِالْحَبْسِ ، وَكَذَا هَذَا ، وَيَبْطُلُ بِبَيْعِ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ كَالسَّمَكِ الطَّرِيِّ وَنَحْوِهِ إذْ لِلْبَائِعِ حَبْسُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ الْبَيْعِ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَإِنْ وَقَعَ الشَّرْطُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ عَلَى أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَجْرَ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهُوَ جَائِزٌ .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَجِبُ إلَّا فِي آخِرِ الْمُدَّةِ ، فَإِذَا شُرِطَ كَانَ هَذَا شَرْطًا مُقَرِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَكَانَ جَائِزًا .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فَالْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَتْ تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَقَدْ شُرِطَ تَأْجِيلُ الْأُجْرَةِ ، وَالْأُجْرَةُ كَالثَّمَنِ فَتَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ كَالثَّمَنِ .
وَأَمَّا إذَا عَجَّلَ الْأُجْرَةَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلِأَنَّهُ لَمَّا عَجَّلَ الْأُجْرَةَ فَقَدْ غَيَّرَ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ وَلَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ ; لِأَنَّ التَّأْخِيرَ ثَبَتَ حَقًّا لَهُ فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِالتَّعْجِيلِ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَعَجَّلَهُ ; وَلِأَنَّ الْعَقْدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ فَالِاسْتِحْقَاقُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبُهُ ، وَتَعْجِيلُ الْحُكْمِ قَبْلَ الْوُجُوبِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ جَائِزٌ ، كَتَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ .
وَأَمَّا إذَا اُسْتُوْفِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُعَوَّضَ فَيَمْلِكُ الْمُؤَاجِرُ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَتِهِ تَحْقِيقًا لِلْمُعَاوَضَةِ الْمُطْلَقَةِ ، وَتَسْوِيَةً بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُبْنَى الْإِجَارَةُ الْمُضَافَةُ إلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنْ قَالَ : أَجَّرْتُك هَذِهِ الدَّارَ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا ، أَوْ قَالَ : أَجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً أَوَّلُهَا غُرَّةُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجُوزُ ، وَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ وَطَرِيقُ جَوَازِهَا عِنْدَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَنَافِعَ الْمُدَّةِ مَوْجُودَةً تَقْدِيرًا عَقِيبَ الْعَقْدِ تَصْحِيحًا لَهُ إذْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ حُكْمِ الْعَقْدِ مَوْجُودًا لِيُمْكِنَ إثْبَاتُ حُكْمِهِ فِيهِ ، فَجُعِلَتْ الْمَنَافِعُ مَوْجُودَةً حُكْمًا كَأَنَّهَا أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا ، وَإِضَافَةُ الْبَيْعِ إلَى عَيْنٍ سَتُوجَدُ لَا تَصِحُّ كَمَا فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ حَقِيقَةً .
وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ فَكَانَ الْعَقْدُ مُضَافًا إلَى حِينِ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ ، فَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْإِضَافَةِ يَكُونُ مُقَرِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَا الْإِضَافَةَ فِي الْإِجَارَةِ دُونَ الْبَيْعِ لِلضَّرُورَةِ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَالَ وُجُودِهَا لَا يُمْكِنُ إنْشَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا ، فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى الْإِضَافَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ لِإِمْكَانِ إيقَاعِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بَعْدَ وُجُودِهَا ; لِكَوْنِهَا مُحْتَمِلَةً لِلْبَقَاءِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْإِضَافَةِ ، وَطَرِيقُنَا أَوْلَى ; لِأَنَّ جَعْلَ الْمَعْدُومِ مَوْجُودًا تَقْدِيرٌ لِلْمُحَالِ ، وَتَقْدِيرُ الْمُحَالِ مُحَالٌ وَلَا إحَالَةَ فِي الْإِضَافَةِ إلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ تَصِحُّ مُضَافَةً إلَى الْمُسْتَقْبَلِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا ، فَكَانَ الصَّحِيحُ مَا قُلْنَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث