بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الخامس
الصفحة 2371 · ص. المطبوع 173
وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْعَيْبِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ عَمَّ الْعُيُوبَ كُلَّهَا بِأَنْ قَالَ : بِعْت عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ أَوْ خَصَّ بِأَنْ سَمَّى جِنْسًا مِنْ الْعُيُوبِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنْ خَصَّ صَحَّ وَإِنْ عَمَّ لَا يَصِحُّ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ عِنْدَهُ هَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ ؟ لَهُ فِيهِ قَوْلَانِ : فِي قَوْلٍ يَبْطُلُ الْعَقْدُ أَيْضًا ، وَفِي قَوْلٍ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ ، وَلَوْ شَرَطَ : عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْعَيْبِ الَّذِي يَحْدُثُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْبَيْعَ بِهَذَا الشَّرْطِ فَاسِدٌ .
( وَجْهُ ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ إبْرَاءٌ عَنْ الْمَجْهُولِ فَلَا يَصِحُّ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إبْرَاءٌ عَنْ الْمَجْهُولِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ إبْرَاءٌ عَنْ الْمَجْهُولِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَهَذَا آيَةُ التَّمْلِيكِ ; إذْ الْإِسْقَاطُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَتَمْلِيكُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ .
( وَلَنَا ) أَنَّ الْإِبْرَاءَ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ لَكِنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّمْلِيكِ لِعَيْنِهَا بَلْ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْمُنَازَعَةِ ; أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ؟ كَمَا 173 إذَا بَاعَ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ هَذِهِ النُّقْرَةِ ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْجَهَالَةِ هَهُنَا لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : كُلُّ عَيْبٍ يَتَنَاوَلُ الْعُيُوبَ كُلَّهَا فَإِذَا سَمَّى جِنْسًا مِنْ الْعُيُوبِ لَا جَهَالَةَ لَهُ أَصْلًا مَعَ مَا أَنَّ التَّمْلِيكَ فِي الْإِبْرَاءِ ; يَثْبُتُ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلْإِسْقَاطِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يُنْبِئُ عَنْ الْإِسْقَاطِ لَا عَنْ التَّمْلِيكِ فَيُعْتَبَرُ التَّصَرُّفُ إسْقَاطًا لَا تَمْلِيكًا ، وَالْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِسْقَاطَاتِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ مَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَوَارِيثَ قَدْ دُرِسَتْ فَقَالَ لَهُمَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : اسْتِهِمَا وَأَوْجِبَا الْحَقَّ وَلْيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ } وَعَلَى هَذَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ اسْتِحْلَالِ مُعَامَلَاتِهِمْ فِي آخَرِ أَعْمَارِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث