بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الخامس
الصفحة 2419 · ص. المطبوع 199
( وَمِنْهَا ) الْخُلُوُّ مِنْ شُبْهَةِ الرِّبَا لِأَنَّ الشُّبْهَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فِي بَابِ الْحُرُمَاتِ احْتِيَاطًا ، وَأَصْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِوَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { ۝ الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ } ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا بَاعَ رَجُلٌ شَيْئًا نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً ، وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِبَائِعِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَ جَوَازِهِ ، وَخَلَا عَنْ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ إيَّاهُ ، فَلَا مَعْنَى لِلْحُكْمِ بِفَسَادِهِ ، كَمَا إذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَالَتْ : إنِّي ابْتَعْتُ 199 خَادِمًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةٍ ، ثُمَّ بِعْتُهَا مِنْهُ بِسِتِّمِائَةٍ فَقَالَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : بِئْسَ مَا شَرَيْتِ وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْتِ ، أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ لَمْ يَتُبْ .
( وَوَجْهُ ) الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا أَلْحَقَتْ بِزَيْدٍ وَعِيدًا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ ، وَهُوَ بُطْلَانُ الطَّاعَةِ بِمَا سِوَى الرِّدَّةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَالَتْهُ سَمَاعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَلْتَحِقُ الْوَعِيدُ إلَّا بِمُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ ، فَدَلَّ عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ مَعْصِيَةٌ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَمَّتْ ذَلِكَ بَيْعَ سُوءٍ وَشِرَاءَ سُوءٍ ، وَالْفَاسِدُ هُوَ الَّذِي يُوصَفُ بِذَلِكَ لَا الصَّحِيحُ ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا الْبَيْعِ شُبْهَةَ الرِّبَا ; لِأَنَّ الثَّمَنَ الثَّانِي يَصِيرُ قِصَاصًا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَبَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ لَا يُقَابِلُهَا عِوَضٌ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الرِّبَا ، إلَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ ثَبَتَتْ بِمَجْمُوعِ الْعَقْدَيْنِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِأَحَدِهِمَا شُبْهَةَ الرِّبَا ، وَالشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ ; لِأَنَّ الْمُقَاصَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ بَعْدَ الثَّمَنِ فَلَا تَتَمَكَّنُ الشُّبْهَةُ بِالْعَقْدِ ، وَلَوْ نَقَدَا الثَّمَنَ كُلَّهُ إلَّا شَيْئًا قَلِيلًا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ ، وَلَوْ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِمِثْلِ مَا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ لِانْعِدَامِ الشُّبْهَةِ ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ ، وَلِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَاهُ بِالْأَثَرِ ، وَالْأَثَرُ جَاءَ فِي الشِّرَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ .
هَذَا إذَا اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِخِلَافِ الْجِنْسِ جَازَ ; لِأَنَّ الرِّبَا لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ إلَّا فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ خَاصَّةً اسْتِحْسَانًا ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ ; لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً فَالْتَحَقَا بِسَائِرِ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ .
( وَجْهُ ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا فِي الثَّمَنِيَّةِ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا بِمَجْمُوعِ الْعَقْدَيْنِ ، فَكَانَ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي شُبْهَةُ الرِّبَا ، وَهِيَ الرِّبَا مِنْ وَجْهٍ وَلَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَبَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ - جَازَ ; لِأَنَّ نُقْصَانَ الثَّمَنِ يَكُونُ بِمُقَابَلَةِ نُقْصَانِ الْعَيْبِ ، فَيَلْتَحِقُ النُّقْصَانُ بِالْعَدَمِ كَأَنَّهُ بَاعَهُ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ ، فَلَا تَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ الرِّبَا وَلَوْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَاشْتَرَاهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمَالِكِ الثَّانِي بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ - جَازَ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الْعَيْنِ فَيَمْنَعُ تَحَقُّقَ الرِّبَا .
وَلَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَاشْتَرَاهُ الْبَائِعُ مِنْ وَارِثِهِ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ - لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَاكَ لَمْ يَخْتَلِفْ ، وَإِنَّمَا قَامَ الْوَارِثُ مَقَامَ الْمُشْتَرِي ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا الْوَارِثُ ، أَوْ كَانَ دَارًا فَبَنَى عَلَيْهَا ، ثُمَّ وَرَدَ الِاسْتِحْقَاقُ فَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ الْوَلَدِ ، وَنَقَضَ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ - كَانَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِ الْمُوَرَّثِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ كَمَا كَانَ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي لَوْ كَانَ حَيًّا ; لِأَنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُشْتَرِي ، فَكَانَ الشِّرَاءُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا مَاتَ الْبَائِعُ فَاشْتَرَى وَارِثُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ - أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ الْوَارِثُ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِلْبَائِعِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ .
( وَوَجْهُ ) الْفَرْقِ أَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِيمَا وَرِثَهُ ، وَوَارِثُ الْمُشْتَرِي وَرِثَ عَيْنَ الْمَبِيعِ فَقَامَ مَقَامَهُ فِي عَيْنِهِ ، فَكَانَ الشِّرَاءُ مِنْهُ كَالشِّرَاءِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَجُزْ ، وَوَارِثُ الْبَائِعِ وُرِّثَ الثَّمَنُ وَالثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي ، وَمَا عُيِّنَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي لَا يَحْتَمِلُ الْإِرْثَ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْنَ مَا وَرِثَهُ عَنْ الْبَائِعِ ، فَلَمْ يَكُنْ وَارِثُ الْبَائِعِ مُقَامَةَ فِيمَا وَرِثَهُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْ وَارِثِ الْبَائِعِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْ وَارِثِ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ الْوَارِثَ خَلَفَ الْمُوَرِّثَ ، فَالْمُشْتَرِي قَائِمٌ مَقَامَهُ كَأَنَّهُ هُوَ وَلَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ فَعَادَ الْمَبِيعُ إلَى مِلْكِهِ فَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ - فَهَذَا لَا يَخْلُو إمَّا إنْ عَادَ إلَيْهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ ، وَإِمَّا إنْ عَادَ إلَيْهِ عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالْإِقَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ تَجْدِيدِ الْمِلْكِ - جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الْعَيْنِ .
وَإِنْ عَادَ إلَيْهِ عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ كَالرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ ، وَالرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ ، بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَبِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي ، وَالرَّدِّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَبِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي - لَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ ; لِأَنَّ الرَّدَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يَكُونُ فَسْخًا ، وَالْفَسْخُ يَكُونُ رَفْعًا مِنْ الْأَصْلِ وَإِعَادَةً إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ كَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ أَصْلًا ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ الشِّرَاءُ ، فَكَذَا هَذَا .
وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِهِ الْبَائِعُ لَكِنْ اشْتَرَاهُ بَعْضُ مِنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ 200 لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْبَائِعِ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ لِانْفِصَالِ مِلْكِهِ عَنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ فَيَقَعُ عَقْدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ لَا لِصَاحِبِهِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ ، ثُمَّ شِرَاءُ الْأَجْنَبِيِّ لِنَفْسِهِ جَائِزٌ فَكَذَا شِرَاؤُهُ لِصَاحِبِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبِيعُ بِمَالِ صَاحِبِهِ عَادَةً حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ فَكَانَ مَعْنَى مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتًا لِصَاحِبِهِ فَكَانَ عَقْدُهُ وَاقِعًا لِصَاحِبِهِ مِنْ وَجْهٍ فَيُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ احْتِيَاطًا فِي بَابِ الرِّبَا وَلَوْ بَاعَ الْمَوْلَى ثُمَّ اشْتَرَاهُ مُدَبَّرُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ أَوْ بَعْضُ مَمَالِيكِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ الْمَوْلَى لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَوْلَى .
وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْمُدَبَّرُ أَوْ الْمُكَاتَبُ أَوْ بَعْضُ مَمَالِيكِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْمَوْلَى لَا يَجُوزُ لِأَنَّ عَقْدَ هَؤُلَاءِ يَقَعُ لِلْمَوْلَى مِنْ وَجْهٍ ، وَلَوْ كَانَ وَكِيلًا فَبَاعَ وَاشْتَرَى بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ بَاعَ وَاشْتَرَى الْمُوَكِّلُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْمَانِعَ تَمَكُّنُ شُبْهَةِ الرِّبَا وَأَنْ لَا يُفْصَلَ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكَّلِ وَلِذَا سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تَسْتَفْسِرْ السَّائِلَةَ أَنَّهَا مَالِكَةٌ أَوْ وَكِيلَةٌ وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لَاسْتَفْسَرَتْ ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ لَمْ يَجُزْ فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ الْوَكِيلُ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَعْضُ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ لَهُ أَوْ بَعْضُ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوَكِّلِ لَهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ عَلَى مَا مَرَّ .
وَلَوْ بَاعَ ، ثُمَّ وَكَّلَ بِنَفْسِهِ إنْسَانًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ فَهُوَ جَائِزٌ لِلْوَكِيلِ ، وَالثَّمَنَانِ يَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَلَا تَطِيبُ لِلْبَائِعِ وَيَكُونُ مِلْكًا لَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : التَّوْكِيلُ فَاسِدٌ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ : التَّوْكِيلُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِلْبَائِعِ شِرَاءً فَاسِدًا وَيَمْلِكُهُ الْبَائِعُ مِلْكًا فَاسِدًا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ لَهُمْ فَأَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْعَاقِدِ وَيَعْتَبِرُ أَهْلِيَّتَهُ وَلَا يَعْتَبِرُ أَهْلِيَّةَ مَنْ يَقَعُ لَهُ حُكْمُ الْعَقْدِ ; وَلِهَذَا قَالَ : إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا وَكَّلَ ذِمِّيًّا بِشِرَاءِ الْخَمْرِ أَوْ بَيْعِهَا أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَكَذَا الْمُحْرِمُ إذَا وَكَّلَ حَلَالًا بِبَيْعِ صَيْدٍ لَهُ أَوْ بِشِرَاءِ صَيْدٍ جَازَ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُ ، وَتُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْوَكِيلِ .
وَأَصْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا يَعْتَبِرَانِ أَهْلِيَّةَ الْعَقْدِ لِلْعَقْدِ وَالْمَعْقُودِ لَهُ جَمِيعًا حَتَّى لَمْ يَجُزْ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا خَالَفَ أَبَا يُوسُفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَرَكَ أَصْلَهُ حَيْثُ قَالَ بِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى الْمُوَكِّلِ ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا وَكَّلَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ عَبْدَهُ بِخَمْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْعَبْدِ فَفَعَلَ الْوَكِيلُ صَحَّ الشِّرَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَكُونُ الْعَبْدُ لِلْمُوَكِّلِ وَعَلَى الْوَكِيلِ لِلْبَائِعِ الْخَمْرُ ، وَهُوَ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ عَلَى مُوَكِّلِهِ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ التَّوْكِيلُ فَاسِدٌ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّوْكِيلُ صَحِيحٌ وَيَكُونُ مُشْتَرِيًا لِلْمُوَكِّلِ شِرَاءً فَاسِدًا وَلَوْ بَاعَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مُؤَجَّلَةٍ فَالشِّرَاءُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، لِأَنَّ الْحَالَّةَ خَيْرٌ مِنْ الْمُؤَجَّلَةِ وَكَذَا لَوْ بَاعَ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ فَهُوَ فَاسِدٌ لِمَا قُلْنَا .
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفٍ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ وَعَبْدًا آخَرَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ فَإِنَّ الثَّمَنَ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَتَيْهِمَا ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ حِصَّةُ الْعَبْدِ الَّذِي بَاعَهُ مِثْلَ ثَمَنِهِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ الشِّرَاءُ فِيهِمَا جَمِيعًا ، أَمَّا فِي الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا فِي الَّذِي بَاعَهُ ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِمِثْلِ مَا بَاعَ أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِيهِ وَلَا يَفْسُدُ فِي الْآخَرِ ، لِأَنَّ الْفَسَادَ لِكَوْنِهِ شِرَاءَ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَذَلِكَ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا ظَاهِرٌ ، وَكَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ فِيهِمَا ، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الصَّفْقَةَ مَتَى اشْتَمَلَتْ عَلَى إبْدَالٍ وَفَسَدَتْ فِي بَعْضِهَا أَنْ يَتَعَدَّى الْفَسَادُ إلَى الْكُلِّ كَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَبَاعَهُمَا جَمِيعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً .
وَإِنَّمَا لَمْ يَفْسُدْ فِيهِمَا ، لِأَنَّ الْفَسَادَ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَبَاعَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً فَقَدْ جَعَلَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا شَرْطًا لِقَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ ، وَالْحُرُّ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِقَبُولِ الْعَقْدِ فِيهِ بِيَقِينٍ فَلَا يَصِحُّ الْقَبُولُ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ فِي الْآخَرِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ أَصْلًا وَالْفَسَادُ هَهُنَا بِاعْتِبَارِ شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ وَذَلِكَ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَيَفْسُدُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ اقْتِصَارُ الْفَسَادِ عَلَى قَدْرِ الْمُفْسِدِ ، وَلِهَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْن عَبْدَيْنِ وَبَاعَ أَحَدَهُمَا إلَى الْحَصَادِ أَوْ الدِّيَاسِ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ فِيمَا 201 فِي بَيْعِهِ أَجَلٌ وَلَا يَفْسُدُ فِي الْآخَرِ ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَبَاعَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْقِنِّ وَيَفْسُدُ فِي الْمُدَبَّرِ لِوُجُودِ الْمُفْسِدِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَذَا هَذَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث