بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء السابع
الصفحة 3227 · ص. المطبوع 103
( فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَعْتَرِضُ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُحَرِّمَةِ لِلْقِتَالِ فَنَقُولُ - وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ : الْأَسْبَابُ الْمُعْتَرِضَةُ الْمُحَرِّمَةُ لِلْقِتَالِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ ، الْإِيمَانُ ، وَالْأَمَانُ ، وَالِالْتِجَاءُ إلَى الْحَرَمِ ، أَمَّا الْإِيمَانُ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : فِي بَيَانِ مَا يُحْكَمُ بِهِ بِكَوْنِ الشَّخْصِ مُؤْمِنًا وَالثَّانِي : فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيمَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَقُولُ : الطُّرُقُ الَّتِي يُحْكَمُ بِهَا بِكَوْنِ الشَّخْصِ مُؤْمِنًا ثَلَاثَةٌ : نَصٌّ ، وَدَلَالَةٌ ، وَتَبَعِيَّةٌ .
أَمَّا النَّصُّ فَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَةِ ، أَوْ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، أَوْ يَأْتِيَ بِهِمَا مَعَ التَّبَرُّؤِ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ صَرِيحًا .
وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْكَفَرَةَ أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ : صِنْفٌ مِنْهُمْ يُنْكِرُونَ الصَّانِعَ أَصْلًا ، وَهُمْ الدَّهْرِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ 103 يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وَيُنْكِرُونَ تَوْحِيدَهُ ، وَهُمْ الْوَثَنِيَّةُ وَالْمَجُوسُ ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَيُنْكِرُونَ الرِّسَالَةَ رَأْسًا ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَالرِّسَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، لَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ رِسَالَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَمْتَنِعُونَ عَنْ الشَّهَادَةِ أَصْلًا .
فَإِذَا أَقَرُّوا بِهَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ إيمَانِهِمْ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ; لِأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ ، فَكَانَ الْإِتْيَانُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا - أَيَّتَهُمَا كَانَتْ - دَلَالَةَ الْإِيمَانِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الصِّنْفِ الثَّالِثِ فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّ مُنْكِرَ الرِّسَالَةِ لَا يَمْتَنِعُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَلَوْ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ ، فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِهَا دَلِيلَ الْإِيمَانِ .
وَإِنْ كَانَ مِنْ الصِّنْفِ الرَّابِعِ فَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ ; مِنْ الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ ; لِأَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُقِرُّ بِرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ; صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّهُ يَقُولُ : إنَّهُ بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِدُونِ التَّبَرُّؤِ دَلِيلًا عَلَى إيمَانِهِ ، وَكَذَا إذَا قَالَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ : أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ مُسْلِمٌ أَوْ قَالَ : آمَنْتُ أَوْ : أَسْلَمْتُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ وَمُسْلِمُونَ ، وَالْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ هُوَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ : إذَا قَالَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ : أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ قَالَ : أَسْلَمْتُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَيَّ شَيْءٍ أَرَدْتَ بِهِ إنْ قَالَ : أَرَدْتُ بِهِ تَرْكَ الْيَهُودِيَّةِ ، أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ ، وَالدُّخُولَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ، حَتَّى لَوْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ مُرْتَدًّا وَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ بِقَوْلِي : أَسْلَمْتُ أَنِّي عَلَى الْحَقِّ ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ الرُّجُوعَ عَنْ دِينِي لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ وَلَوْ قَالَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَتَبَرَّأُ عَنْ الْيَهُودِيَّةِ ، أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ، وَالتَّبَرُّؤِ عَنْ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة ، لَا يَكُونُ دَلِيلَ الدُّخُولِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَبَرَّأَ عَنْ ذَلِكَ ، وَدَخَلَ فِي دِينٍ آخَرَ سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ ، فَلَا يَصْلُحُ التَّبَرُّؤُ دَلِيلَ الْإِيمَانِ مَعَ الِاحْتِمَالِ ، وَلَوْ أَقَرَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَالَ : دَخَلْتُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكِمَ بِالْإِسْلَامِ ; لِزَوَالِ الِاحْتِمَالِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث