بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء السابع
الصفحة 3356 · ص. المطبوع 191
( فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ مَا عَدْلُ الْمُكْرَهِ إلَى غَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ أَوْ زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ - الْعُدُولُ عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ إلَى غَيْرِهِ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْعَقْدِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ أَوْ بِالْفِعْلِ فِي الْمُعَامَلَاتِ أَمَّا حُكْمُ الْعُدُولِ عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ بِالْعَقْدِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .
( وَأَمَّا ) الْعُدُولُ إلَى غَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ بِالْفِعْلِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَنَقُولُ : إذَا عَدَلَ الْمُكْرَهُ إلَى غَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ بِالْفِعْلِ جَازَ مَا فَعَلَ ; لِأَنَّهُ طَائِعٌ فِيمَا عَدَلَ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ جَارِيَتِهِ فَوَهَبَهَا جَازَ ; لِأَنَّهُ عَدَلَ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لِتَغَايُرِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ طُولِبَ بِمَالٍ وَذَلِكَ الْمَالُ أَصْلُهُ بَاطِلٌ وَأُكْرِهَ عَلَى أَدَائِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَيْعَ الْجَارِيَةِ فَبَاعَ جَارِيَتَهُ جَازَ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ فِي بَيْعِ الْجَارِيَةِ طَائِعٌ ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَقَرَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ صِنْفٍ آخَرَ غَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ جَازَ ; لِأَنَّهُ طَائِعٌ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ مِنْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ اسْتِحْسَانًا جَائِزٌ قِيَاسًا ، فَقَدْ اعْتَبَرَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْإِقْرَارِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا وَاعْتَبَرَهَا جِنْسًا وَاحِدًا فِي الْإِنْشَاءِ اسْتِحْسَانًا ; لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُمَا جُعِلَا جِنْسًا فِي مَوْضِعِ الْإِنْشَاءِ بَلْ مُخَالَفَةُ الْحَقِيقَةِ لِمَعْنًى هُوَ مُنْعَدِمٌ فِي الْإِقْرَارِ ، وَهُوَ أَنَّ الْفَائِتَ بِالْإِكْرَاهِ هُوَ الرِّضَا طَبْعًا .
وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كَمَا يَعْدَمُ الرِّضَا بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَعْدَمُ الرِّضَا بِالْبَيْعِ بِمِائَةِ دِينَارٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ ، لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهُوَ الثَّمَنِيَّةَ فَكَانَ انْعِدَامُ الرِّضَا بِالْبَيْعِ بِأَحَدِهِمَا دَلِيلًا عَلَى انْعِدَامِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ بِالْآخَرِ فَكَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ بِأَحَدِهِمَا إكْرَاهًا عَلَى الْبَيْعِ بِالْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ آخَرَ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ; لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَقْصُودُ مُخْتَلَفٌ فَلَمْ يَكُنْ كَرَاهَةُ الْبَيْعِ بِأَحَدِهِمَا كَرَاهَةَ الْبَيْعِ بِالْآخَرِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي الْإِقْرَارِ ; لِأَنَّ بُطْلَانَ إقْرَارِ الْمُكْرَهِ لِانْعِدَامِ رُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي اخْتِيَارِهِ بِدَلَالَةِ الْإِكْرَاهِ فَيَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ الْإِكْرَاهِ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ ، فَكَانَ 191 صَادِقًا فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّنَانِيرِ لِانْعِدَامِ الْمَانِعِ مِنْ الرُّجْحَانِ فِيهِ فَهُوَ الْفَرْقُ .
( وَأَمَّا ) إذَا زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَقَرَّ بِأَلْفَيْنِ جَازَ إقْرَارُهُ بِأَلْفٍ وَبَطَلَ بِأَلْفٍ ; لِأَنَّهُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَلْفِ الزَّائِدِ طَائِعٌ فَصَحَّ ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِفُلَانٍ فَأَقَرَّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْغَيْرُ فِي الشَّرِكَةِ لَمْ يَجُزْ أَصْلًا بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ فِي نَصِيبِ الْغَيْرِ خَاصَّةً وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الصِّحَّةِ عِنْدَ التَّصْدِيقِ هُوَ الشَّرِكَةُ فِي مَالٍ لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ بِنِصْفِهِ شَائِعًا فَإِذَا كَذَّبَهُ لَمْ تَثْبُتْ الشَّرِكَةُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ لِلْغَيْرِ إذْ هُوَ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ طَائِعٌ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ ، وَصِحَّةُ الْإِخْبَارِ عَنْ الْمَاضِي بِوُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ سَابِقًا عَلَى الْإِخْبَارِ ، وَالْمُخْبَرُ بِهِ أَلْفٌ مُشْتَرَكَةٌ فَلَوْ صَحَّ إقْرَارُهُ لِغَيْرِ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْإِكْرَاهِ لَمْ يَكُنْ الْمُخْبَرُ بِهِ عَلَى وَصْفِ الشَّرِكَةِ فَلَمْ يَصِحَّ إخْبَارُهُ عَنْ الْمُشْتَرَكِ فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ .
وَهَذِهِ فُرَيْعَةُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ إذَا أَقَرَّ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ بِالدَّيْنِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ أَصْلًا بِالْإِجْمَاعِ إنْ صَدَّقَهُ الْأَجْنَبِيُّ بِالشَّرِكَةِ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَعَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى هِبَةِ عَبْدِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ فَوَهَبَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدٍ فَسَدَتْ الْهِبَةُ فِي حِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَصَحَّتْ فِي حِصَّةِ زَيْدٍ ; لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ فِي حِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ لِوُرُودِ الْإِكْرَاهِ عَلَى كُلِّ الْعَبْدِ ، وَالْإِكْرَاهُ عَلَى كُلِّ الشَّيْءِ إكْرَاهٌ عَلَى بَعْضِهِ فَلَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ فِي حِصَّتِهِ طَائِعٌ فِي حِصَّةِ زَيْدٍ ، وَأَنَّهُ هِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَصَحَّتْ فِي حِصَّتِهِ ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ أَلْفٌ فَالْهِبَةُ فِي الْكُلِّ فَاسِدَةٌ بِالْإِجْمَاعِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، أَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّ هِبَةَ الطَّائِعِ مِنْ اثْنَيْنِ لَا تَصِحُّ عِنْدَهُ فَهِبَةُ الْمُكْرَهِ أَوْلَى .
( وَأَمَّا ) عَلَى أَصْلِهِمَا فَلِأَنَّهُ لَمَّا وُهِبَ الْأَلْفُ مِنْهُمَا ، وَالْهِبَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تَصِحُّ بِحُكْمِ الْإِكْرَاهِ كَانَ وَاهِبًا نِصْفَ الْأَلْفِ مِنْ الْآخَرِ ، وَهَذِهِ هِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا بِخِلَافِ حَالَةِ الطَّوَاعِيَةِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
هَذَا إذَا زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ ، فَأَمَّا إذَا نَقَصَ عَنْهُ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَقَرَّ بِخَمْسِمِائَةٍ فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى أَلْفٍ إكْرَاهٌ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ ; لِأَنَّهَا بَعْضُ الْأَلْفِ ، وَالْإِكْرَاهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إكْرَاهٌ عَلَى بَعْضِهِ فَكَانَ مُكْرَهًا بِالْإِقْرَارِ بِخَمْسِمِائَةٍ فَلَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ جَارِيَتِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ جَازَ الْبَيْعُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَوْ بَاعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ اسْتِحْسَانًا جَائِزٌ قِيَاسًا وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ هُوَ الْبَيْعُ بِأَلْفٍ فَإِذَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِنْهُ فَقَدْ عَقَدَ عَقْدًا آخَرَ إذْ الْبَيْعُ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْبَيْعِ بِخَمْسِمِائَةٍ فَكَانَ طَائِعًا فِيهِ فَجَازَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ غَرَضَ الْمُكْرِهِ هُوَ الْإِضْرَارُ بِالْبَائِعِ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ .
وَإِنْ قَلَّ الثَّمَنُ فَكَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفٍ إكْرَاهًا عَلَى الْبَيْعِ بِأَقَلَّ مِنْهُ فَبَطَلَ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ ; لِأَنَّ حَالَ الْمُكْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ بِأَوْفَرِ الثَّمَنَيْنِ فَكَانَ طَائِعًا فِي الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ فَجَازَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث