بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء السابع
( فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا بَيَانُ سَبَبِ ظُهُورِ الدَّيْنِ فَسَبَبُ ظُهُورِهِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ وَبِكُلِّ مَا هُوَ سَبَبٌ لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَحَلٍّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ إظْهَارَ ذَلِكَ بِالْإِقْرَارِ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيَمْلِكُهُ الْمَأْذُونُ ، وَالثَّانِي قِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْإِنْكَارِ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ وَلَا يُنْتَظَرُ حُضُورُ الْمَوْلَى بَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْلَى .
( وَوَجْهُ ) الْفَرْقِ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْمَأْذُونِ قَامَتْ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْلَى ; لِأَنَّ يَدَ التَّصَرُّفِ لَهُ لَا لِلْمَوْلَى فَيَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ قَائِمَةً عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْلَى فَلَا مَعْنَى لِشَرْطِ حُضُورِ الْمَوْلَى بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ فَلَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ قَائِمَةً عَلَى الْمَوْلَى فَشُرِطَ حُضُورُهُ لِئَلَّا يَكُونَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ وَدِيعَةً مُسْتَهْلَكَةً أَوْ بِضَاعَةً أَوْ شَيْئًا كَانَ أَصْلُهُ أَمَانَةً لَا يُقْضَى بِهَا لِلْحَالِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُقْضَى بِهَا لِلْحَالِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ وَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ لِلْحَالِّ عِنْدَهُمَا ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعَتَاقِ فَيَتَوَقَّفُ الْقَضَاءُ بِالضَّمَانِ إلَيْهِ ، وَعِنْدَهُ يُؤَاخَذُ بِهِ لِلْحَالِّ فَلَا يَتَوَقَّفُ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْمَأْذُونِ بِذَلِكَ قُضِيَ عَلَيْهِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَوْلَى ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ الْمَحْجُورِ بِالْغَصْبِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا ; لِأَنَّ الْمَحْجُورَ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَمَا نَفَذَ عَلَى مَوْلَاهُ لِلْحَالِّ كَذَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ أَوْ الْمَحْجُورِ عَلَى سَبَبِ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ مِنْ الْقَتْلِ وَالْقَذْفِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ لَمْ يُقْضَ بِهَا حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْضَى بِهَا ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهَا تُقَامُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ الْمَوْلَى .
( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعَبْدَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَوْلَى فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِ الْمَوْلَى وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِهِ فَكَانَتْ هَذِهِ شَهَادَةً قَائِمَةً عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْلَى فَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ ; وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ حَضْرَةُ الْمَوْلَى فِي الْإِقْرَارِ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْعَبْدَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مَالُ الْمَوْلَى ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ إتْلَافُ مَالِهِ عَلَيْهِ فَيُصَانُ حَقُّهُ عَنْ الْإِتْلَافِ مَا أَمْكَنَ ، وَفِي شَرْطِ الْحُضُورِ صِيَانَةُ حَقِّهِ عَنْ الْإِتْلَافِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا عَسَى يَدَّعِي شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ الْإِقَامَةِ ، وَحَقُّ الْمُسْلِمِ تَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنْ الْبُطْلَانِ مَا أَمْكَنَ وَمِثْلُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِمَّا لَا يُعَدُّ فِي الْإِقْرَارِ بَعْدَ صِحَّتِهِ لِذَلِكَ افْتَرَقَا ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَبْدٍ أَنَّهُ سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَهُوَ يَجْحَدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا يُقْطَعُ وَلَا يَضْمَنُ السَّرِقَةَ مَأْذُونًا كَانَ أَوْ مَحْجُورًا بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْقَطْعَ مَعَ الضَّمَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا يَضْمَنُ السَّرِقَةَ وَلَا يُقْطَعُ ; لِأَنَّ غَيْبَةَ الْمَوْلَى لَا تَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالضَّمَانِ فِي حَقِّ الْمَأْذُونِ وَمَتَى وَجَبَ الضَّمَانُ امْتَنَعَ الْقَطْعُ ; لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَعَلَى قِيَاسِ أَبِي يُوسُفَ هَذَا وَالْفَصْلُ الْأَوَّلُ سَوَاءٌ يُقْطَعُ وَلَا يَضْمَنُ السَّرِقَةَ ، وَلِأَنَّ حَضْرَةَ الْمَوْلَى عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ وَالْقَطْعُ يَمْنَعُ الضَّمَانَ ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَى السَّرِقَةِ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِقَطْعٍ وَلَا ضَمَانٍ عِنْدَهُمَا .
( أَمَّا ) الْقَطْعُ فَلِأَنَّ حَضْرَةَ الْمَوْلَى شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ ( وَأَمَّا ) الضَّمَانُ فَلِأَنَّ غَيْبَةَ الْمَوْلَى تَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالضَّمَانِ فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ وَعِنْدَهُ يُقْطَعُ وَلَا يُضْمَنُ لِمَا قُلْنَا ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ ، فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا قُبِلَتْ وَلَزِمَهُ الضَّمَانُ دُونَ الْقَطْعِ سَوَاءٌ حَضَرَ الْمَوْلَى أَوْ غَابَ ; لِأَنَّ سَرِقَةَ مَا دُونَ النِّصَابِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ فَبَقِيَ دَعْوَى السَّرِقَةِ وَدَعْوَى الضَّمَانِ عَلَى الْمَأْذُونِ وَحَضْرَةُ الْمَوْلَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمَأْذُونِ ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ أَصْلًا .
( أَمَّا ) عَلَى الْقَطْعِ فَظَاهِرٌ .
وَأَمَّا عَلَى الْمَالِ فَلِأَنَّ حُضُورَ الْمَوْلَى شَرْطُ الْقَضَاءِ عَلَى 203 الْمَحْجُورِ بِالْمَالِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ الْمَأْذُونِ أَوْ الْمَحْجُورِ بِسَبَبِ الْقِصَاصِ أَوْ الْحَدِّ لَزِمَهُ الْقَوَدُ وَحُدَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَضَرَ الْمَوْلَى أَوْ غَابَ وَلَا يَلْزَمُهُ مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْحُدُودِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْعَبْدِ ، وَكَذَا حَدُّ الْقَذْفِ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ ، وَسَائِرُ الْحُدُودِ حُقُوقُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَالِصًا فَالْبَيِّنَةُ ، وَإِنْ أَظْهَرَتْ الْإِقْرَارَ فَالْإِنْكَارُ مِنْهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ ، وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ يَصِحُّ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ وَيَسْقُطُ مَا سِوَاهُمَا غَيْرَ أَنَّهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إنْ كَانَ مَأْذُونًا سَوَاءٌ بَلَغَ نِصَابًا أَوْ لَمْ يَبْلُغْ حَضَرَ الْمَوْلَى أَوْ غَابَ ; لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ لِلرُّجُوعِ ، وَالرُّجُوعُ فِي حَقِّ الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ فَيَجِبُ الضَّمَانُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمَالِ عَلَى الْمَأْذُونِ لَا يَقِفُ عَلَى حُضُورِ الْمَوْلَى ، وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ أَمَّا الْقَطْعُ فَلِمَكَانِ الرُّجُوعِ .
وَأَمَّا الضَّمَانُ فَلِأَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ بِالْمَالِ غَيْرُ نَافِذٍ فِي الْحَالِّ فَلَا تَصِحُّ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ أَوْ الْمَعْتُوهِ الْمَأْذُونِ عَلَى قَتْلٍ أَوْ سَبَبِ حَدٍّ قُبِلَتْ عَلَى الْقَتْلِ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا تُقْبَلُ عَلَى الْحَدِّ لِتَصَوُّرِ سَبَبِ وُجُوبِ الدِّيَةِ مِنْهُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْخَطَأُ ; لِأَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ خَطَأٌ ، وَانْعِدَامُ تَصَوُّرِ سَبَبِ وُجُوبِ الْحَدِّ مِنْهُ مِنْ الزِّنَا وَغَيْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ عَلَى السَّرِقَةِ قُبِلَتْ عَلَى الْمَالِ وَضَمَّنَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ مِنْ أَهْلِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْمَالِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ لَمْ تُقْبَلْ ; لِأَنَّ إقْرَارَ الصَّبِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
وَأَمَّا بَيَانُ سَبَبِ ظُهُورِ الدَّيْنِ فَسَبَبُ ظُهُورِهِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ وَبِكُلِّ مَا هُوَ سَبَبٌ لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَحَلٍّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ إظْهَارَ ذَلِكَ بِالْإِقْرَارِ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيَمْلِكُهُ الْمَأْذُونُ ، وَالثَّانِي قِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْإِنْكَارِ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ وَلَا يُنْتَظَرُ حُضُورُ الْمَوْلَى بَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْلَى .
( وَوَجْهُ ) الْفَرْقِ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْمَأْذُونِ قَامَتْ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْلَى ; لِأَنَّ يَدَ التَّصَرُّفِ لَهُ لَا لِلْمَوْلَى فَيَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ قَائِمَةً عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْلَى فَلَا مَعْنَى لِشَرْطِ حُضُورِ الْمَوْلَى بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ فَلَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ قَائِمَةً عَلَى الْمَوْلَى فَشُرِطَ حُضُورُهُ لِئَلَّا يَكُونَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ وَدِيعَةً مُسْتَهْلَكَةً أَوْ بِضَاعَةً أَوْ شَيْئًا كَانَ أَصْلُهُ أَمَانَةً لَا يُقْضَى بِهَا لِلْحَالِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُقْضَى بِهَا لِلْحَالِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ وَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ لِلْحَالِّ عِنْدَهُمَا ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعَتَاقِ فَيَتَوَقَّفُ الْقَضَاءُ بِالضَّمَانِ إلَيْهِ ، وَعِنْدَهُ يُؤَاخَذُ بِهِ لِلْحَالِّ فَلَا يَتَوَقَّفُ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْمَأْذُونِ بِذَلِكَ قُضِيَ عَلَيْهِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَوْلَى ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ الْمَحْجُورِ بِالْغَصْبِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا ; لِأَنَّ الْمَحْجُورَ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَمَا نَفَذَ عَلَى مَوْلَاهُ لِلْحَالِّ كَذَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ أَوْ الْمَحْجُورِ عَلَى سَبَبِ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ مِنْ الْقَتْلِ وَالْقَذْفِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ لَمْ يُقْضَ بِهَا حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْضَى بِهَا ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهَا تُقَامُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ الْمَوْلَى .
( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعَبْدَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَوْلَى فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِ الْمَوْلَى وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِهِ فَكَانَتْ هَذِهِ شَهَادَةً قَائِمَةً عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْلَى فَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ ; وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ حَضْرَةُ الْمَوْلَى فِي الْإِقْرَارِ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْعَبْدَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مَالُ الْمَوْلَى ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ إتْلَافُ مَالِهِ عَلَيْهِ فَيُصَانُ حَقُّهُ عَنْ الْإِتْلَافِ مَا أَمْكَنَ ، وَفِي شَرْطِ الْحُضُورِ صِيَانَةُ حَقِّهِ عَنْ الْإِتْلَافِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا عَسَى يَدَّعِي شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ الْإِقَامَةِ ، وَحَقُّ الْمُسْلِمِ تَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنْ الْبُطْلَانِ مَا أَمْكَنَ وَمِثْلُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِمَّا لَا يُعَدُّ فِي الْإِقْرَارِ بَعْدَ صِحَّتِهِ لِذَلِكَ افْتَرَقَا ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَبْدٍ أَنَّهُ سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَهُوَ يَجْحَدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا يُقْطَعُ وَلَا يَضْمَنُ السَّرِقَةَ مَأْذُونًا كَانَ أَوْ مَحْجُورًا بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْقَطْعَ مَعَ الضَّمَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا يَضْمَنُ السَّرِقَةَ وَلَا يُقْطَعُ ; لِأَنَّ غَيْبَةَ الْمَوْلَى لَا تَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالضَّمَانِ فِي حَقِّ الْمَأْذُونِ وَمَتَى وَجَبَ الضَّمَانُ امْتَنَعَ الْقَطْعُ ; لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَعَلَى قِيَاسِ أَبِي يُوسُفَ هَذَا وَالْفَصْلُ الْأَوَّلُ سَوَاءٌ يُقْطَعُ وَلَا يَضْمَنُ السَّرِقَةَ ، وَلِأَنَّ حَضْرَةَ الْمَوْلَى عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ وَالْقَطْعُ يَمْنَعُ الضَّمَانَ ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَى السَّرِقَةِ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِقَطْعٍ وَلَا ضَمَانٍ عِنْدَهُمَا .
( أَمَّا ) الْقَطْعُ فَلِأَنَّ حَضْرَةَ الْمَوْلَى شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ ( وَأَمَّا ) الضَّمَانُ فَلِأَنَّ غَيْبَةَ الْمَوْلَى تَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالضَّمَانِ فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ وَعِنْدَهُ يُقْطَعُ وَلَا يُضْمَنُ لِمَا قُلْنَا ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ ، فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا قُبِلَتْ وَلَزِمَهُ الضَّمَانُ دُونَ الْقَطْعِ سَوَاءٌ حَضَرَ الْمَوْلَى أَوْ غَابَ ; لِأَنَّ سَرِقَةَ مَا دُونَ النِّصَابِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ فَبَقِيَ دَعْوَى السَّرِقَةِ وَدَعْوَى الضَّمَانِ عَلَى الْمَأْذُونِ وَحَضْرَةُ الْمَوْلَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمَأْذُونِ ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ أَصْلًا .
( أَمَّا ) عَلَى الْقَطْعِ فَظَاهِرٌ .
وَأَمَّا عَلَى الْمَالِ فَلِأَنَّ حُضُورَ الْمَوْلَى شَرْطُ الْقَضَاءِ عَلَى 203 الْمَحْجُورِ بِالْمَالِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ الْمَأْذُونِ أَوْ الْمَحْجُورِ بِسَبَبِ الْقِصَاصِ أَوْ الْحَدِّ لَزِمَهُ الْقَوَدُ وَحُدَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَضَرَ الْمَوْلَى أَوْ غَابَ وَلَا يَلْزَمُهُ مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْحُدُودِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْعَبْدِ ، وَكَذَا حَدُّ الْقَذْفِ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ ، وَسَائِرُ الْحُدُودِ حُقُوقُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَالِصًا فَالْبَيِّنَةُ ، وَإِنْ أَظْهَرَتْ الْإِقْرَارَ فَالْإِنْكَارُ مِنْهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ ، وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ يَصِحُّ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ وَيَسْقُطُ مَا سِوَاهُمَا غَيْرَ أَنَّهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إنْ كَانَ مَأْذُونًا سَوَاءٌ بَلَغَ نِصَابًا أَوْ لَمْ يَبْلُغْ حَضَرَ الْمَوْلَى أَوْ غَابَ ; لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ لِلرُّجُوعِ ، وَالرُّجُوعُ فِي حَقِّ الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ فَيَجِبُ الضَّمَانُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمَالِ عَلَى الْمَأْذُونِ لَا يَقِفُ عَلَى حُضُورِ الْمَوْلَى ، وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ أَمَّا الْقَطْعُ فَلِمَكَانِ الرُّجُوعِ .
وَأَمَّا الضَّمَانُ فَلِأَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ بِالْمَالِ غَيْرُ نَافِذٍ فِي الْحَالِّ فَلَا تَصِحُّ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ أَوْ الْمَعْتُوهِ الْمَأْذُونِ عَلَى قَتْلٍ أَوْ سَبَبِ حَدٍّ قُبِلَتْ عَلَى الْقَتْلِ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا تُقْبَلُ عَلَى الْحَدِّ لِتَصَوُّرِ سَبَبِ وُجُوبِ الدِّيَةِ مِنْهُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْخَطَأُ ; لِأَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ خَطَأٌ ، وَانْعِدَامُ تَصَوُّرِ سَبَبِ وُجُوبِ الْحَدِّ مِنْهُ مِنْ الزِّنَا وَغَيْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ عَلَى السَّرِقَةِ قُبِلَتْ عَلَى الْمَالِ وَضَمَّنَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ مِنْ أَهْلِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْمَالِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ لَمْ تُقْبَلْ ; لِأَنَّ إقْرَارَ الصَّبِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث