بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء السابع
ثُمَّ رُكْنُ الْإِقْرَارِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِقَرِينَةٍ فَالْمُطْلَقُ هُوَ قَوْلُهُ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ خَالِيًا عَنْ الْقَرَائِنِ ( وَأَمَّا ) الْمُلْحَقُ بِالْقَرِينَةِ فَبَيَانُهُ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلِ بَيَانِ مَا يُصَدَّقُ لِلْمُقِرِّ فِيمَا أَلْحَقَ بِإِقْرَارِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا لَا يَكُونُ رُجُوعًا وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ مِمَّا يَكُونُ رُجُوعًا ، فَنَقُولُ : الْقَرِينَةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ : قَرِينَةٌ مُغَيِّرَةٌ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَقَرِينَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
أَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُغَيِّرَةُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَالْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهِيَ الْمُسْقِطَةُ لِاسْمِ الْجُمْلَةِ فَيُعْتَبَرُ بِهَا الِاسْمُ لَكِنْ يَتَبَيَّنُ بِهَا الْمُرَادُ فَكَانَ تَغْيِيرًا صُورَةً تَبْيِينًا مَعْنًى ( وَأَمَّا ) الْقَرِينَةُ الْمُغَيِّرَةُ فَتَتَنَوَّعُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ : نَوْعٌ يَدْخُلُ فِي أَصْلِ الْإِقْرَارِ ، وَنَوْعٌ يَدْخُلُ عَلَى وَصْفِ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَنَوْعٌ يَدْخُلُ عَلَى قَدْرِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا وَقَدْ يَكُونُ مُنْفَصِلًا ( أَمَّا ) الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى أَصْلِ الْإِقْرَارِ فَنَحْوُ التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَّصِلًا بِاللَّفْظِ بِأَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ أَصْلًا ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِكَوْنِ الْأَلْفِ فِي الذِّمَّةِ أَمْرًا لَا يُعْرَفُ فَإِنْ شَاءَ كَانَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مَعَ الِاحْتِمَالِ ، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ كَائِنٍ ، وَالْكَائِنُ لَا يَحْتَمِلُ تَعْلِيقَ كَوْنِهِ بِالْمَشِيئَةِ فَإِنَّ الْفَاعِلَ إذَا قَالَ : أَنَا فَاعِلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، يَسْتَحِقُّ ; وَلِهَذَا أَبْطَلْنَا الْقَوْلَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
وَكَذَا إذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ أَقَرَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْإِقْرَارُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي مَعْنَى الرُّجُوعِ ، وَالْإِقْرَارُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ ( وَأَمَّا ) الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى وَصْفِ الْمُقَرِّ بِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِاللَّفْظِ بِأَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً ، يَصِحُّ وَيَكُونُ إقْرَارًا الْوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ بِأَنْ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ : عَنَيْتُ بِهِ الْوَدِيعَةَ لَا يَصِحُّ وَيَكُونُ إقْرَارًا بِالدَّيْنِ ; لِأَنَّ بَيَانَ الْمُغَيِّرِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ الْوَصْلِ كَالِاسْتِثْنَاءِ ; وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبِ الْأَلْفِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ لَكَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ قَرَنَ بِهِ قَوْلَهُ وَدِيعَةً ، وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْحِفْظِ ، فَقَدْ غَيَّرَ حُكْمَ الظَّاهِرِ مِنْ وُجُوبِ الْعَيْنِ إلَى وُجُوبِ الْحِفْظِ فَكَانَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا مَوْصُولًا كَالِاسْتِثْنَاءِ .
وَإِنَّمَا يَصِحُّ مَوْصُولًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَحْتَمِلُ وُجُوبَ الْحِفْظِ أَيْ عَلَيَّ حِفْظُ أَلْفٍ دِرْهَم ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَيَصِحُّ بِشَرْطِ الْوَصْلِ وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً قَرْضًا أَوْ مُضَارَبَةً قَرْضًا أَوْ بِضَاعَةً قَرْضًا أَوْ قَالَ دَيْنًا مَكَانَ قَوْلِهِ قَرْضًا فَهُوَ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فِي مَعْنَاهُمَا مُمْكِنٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ يَصِيرُ مَضْمُونًا فِي الِانْتِهَاءِ إذْ الضَّمَانُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الْأَمَانَةِ كَالْوَدِيعَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ وَنَحْوِهَا ، سَوَاءٌ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْإِقْرَارِ بِالضَّمَانِ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ .
أَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُغَيِّرَةُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَالْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهِيَ الْمُسْقِطَةُ لِاسْمِ الْجُمْلَةِ فَيُعْتَبَرُ بِهَا الِاسْمُ لَكِنْ يَتَبَيَّنُ بِهَا الْمُرَادُ فَكَانَ تَغْيِيرًا صُورَةً تَبْيِينًا مَعْنًى ( وَأَمَّا ) الْقَرِينَةُ الْمُغَيِّرَةُ فَتَتَنَوَّعُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ : نَوْعٌ يَدْخُلُ فِي أَصْلِ الْإِقْرَارِ ، وَنَوْعٌ يَدْخُلُ عَلَى وَصْفِ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَنَوْعٌ يَدْخُلُ عَلَى قَدْرِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا وَقَدْ يَكُونُ مُنْفَصِلًا ( أَمَّا ) الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى أَصْلِ الْإِقْرَارِ فَنَحْوُ التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَّصِلًا بِاللَّفْظِ بِأَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ أَصْلًا ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِكَوْنِ الْأَلْفِ فِي الذِّمَّةِ أَمْرًا لَا يُعْرَفُ فَإِنْ شَاءَ كَانَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مَعَ الِاحْتِمَالِ ، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ كَائِنٍ ، وَالْكَائِنُ لَا يَحْتَمِلُ تَعْلِيقَ كَوْنِهِ بِالْمَشِيئَةِ فَإِنَّ الْفَاعِلَ إذَا قَالَ : أَنَا فَاعِلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، يَسْتَحِقُّ ; وَلِهَذَا أَبْطَلْنَا الْقَوْلَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
وَكَذَا إذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ أَقَرَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْإِقْرَارُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي مَعْنَى الرُّجُوعِ ، وَالْإِقْرَارُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ ( وَأَمَّا ) الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى وَصْفِ الْمُقَرِّ بِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِاللَّفْظِ بِأَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً ، يَصِحُّ وَيَكُونُ إقْرَارًا الْوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ بِأَنْ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ : عَنَيْتُ بِهِ الْوَدِيعَةَ لَا يَصِحُّ وَيَكُونُ إقْرَارًا بِالدَّيْنِ ; لِأَنَّ بَيَانَ الْمُغَيِّرِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ الْوَصْلِ كَالِاسْتِثْنَاءِ ; وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبِ الْأَلْفِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ لَكَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ قَرَنَ بِهِ قَوْلَهُ وَدِيعَةً ، وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْحِفْظِ ، فَقَدْ غَيَّرَ حُكْمَ الظَّاهِرِ مِنْ وُجُوبِ الْعَيْنِ إلَى وُجُوبِ الْحِفْظِ فَكَانَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا مَوْصُولًا كَالِاسْتِثْنَاءِ .
وَإِنَّمَا يَصِحُّ مَوْصُولًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَحْتَمِلُ وُجُوبَ الْحِفْظِ أَيْ عَلَيَّ حِفْظُ أَلْفٍ دِرْهَم ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَيَصِحُّ بِشَرْطِ الْوَصْلِ وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً قَرْضًا أَوْ مُضَارَبَةً قَرْضًا أَوْ بِضَاعَةً قَرْضًا أَوْ قَالَ دَيْنًا مَكَانَ قَوْلِهِ قَرْضًا فَهُوَ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فِي مَعْنَاهُمَا مُمْكِنٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ يَصِيرُ مَضْمُونًا فِي الِانْتِهَاءِ إذْ الضَّمَانُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الْأَمَانَةِ كَالْوَدِيعَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ وَنَحْوِهَا ، سَوَاءٌ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْإِقْرَارِ بِالضَّمَانِ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث