بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء السابع
الصفحة 3384 · ص. المطبوع 215
215 فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى وَصْفِ الْمُقَرِّ بِهِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مَعْلُومَ الْأَصْلِ مَجْهُولَ الْوَصْفِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ غَصَبَ مِنْ فُلَانٍ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ ثَوْبًا مِنْ الْعُرُوضِ فَيُصَدَّقُ فِي الْبَيَانِ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ ، سَلِيمًا كَانَ أَوْ مَعِيبًا ; لِأَنَّ الْغَصْبَ يُرَدُّ عَلَى السَّلِيمِ وَالْمَعِيبِ عَادَةً ، وَقَدْ بَيَّنَ الْأَصْلَ ، وَأَجْمَلَ الْوَصْفَ فَيَرْجِعُ فِي بَيَانِ الْوَصْفِ إلَيْهِ فَيَصِحُّ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا ، وَمَتَى صَحَّ بَيَانُهُ يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ ; لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مَضْمُونٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ .
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي مِقْدَارِ قِيمَتِهِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ الْيَمِينِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْ فُلَانٍ دَارًا ، وَقَالَ : هِيَ بِالْبَصْرَةِ ، يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ أَجْمَلَ الْمَكَانَ فَكَانَ الْقَوْلُ فِي بَيَانِ الْمَكَانِ إلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الدَّارِ إلَيْهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ بِأَنْ خُرِّبَتْ أَوْ قَالَ : هِيَ هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي فِي يَدَيْ زَيْدٍ وَزَيْدٌ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَر وَلَا يَضْمَنُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُ قِيمَةَ الدَّارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقَارَ غَيْرُ مَضْمُونِ الْقِيمَةِ بِالْغَصْبِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ فَإِذَا أَقَرَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ : هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ فَهَذَا فِي الْأَصْلِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الْجِهَةِ وَإِمَّا إنْ بَيَّنَ الْجِهَةَ .
فَإِنْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ جِهَةً أَصْلًا وَقَالَ : هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ ، فَإِنْ وَصَلَ يُصَدَّقُ ، وَإِنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْجِيَادِ وَالزُّيُوفِ فَكَانَ قَوْلُهُ زُيُوفٌ بَيَانًا لِلنَّوْعِ إلَّا أَنَّهُ يَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا لِأَنَّهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تُصْرَفُ إلَى الْجِيَادِ فَكَانَ فَصْلُ الْبَيَانِ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ فَلَا يَصِحُّ وَلَوْ قَالَ : لِفُلَانٍ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ : هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ يُصَدَّقُ ، وَصَلَ أَوْ فَصَلَ ; لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ الْوَدِيعَةِ ، الْوَدِيعَةُ مَالٌ مَحْفُوظٌ عِنْدَ الْمُودَعِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ جَيِّدًا وَقَدْ يَكُونُ زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةً عَلَى حَسَبِ مَا يُودَعُ فَيُقْبَلُ بَيَانُهُ هَذَا إذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْجِهَةَ أَمَّا إذَا بَيَّنَ الْجِهَةَ بِأَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنَ مَبِيعٍ وَقَالَ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ فَلَا يُصَدَّقُ وَإِنْ وَصَلَ وَعَلَيْهِ الْجِيَادُ إذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ الْجِيَادَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إنْ وَصَلَ يُصَدَّقْ وَإِنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقْ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا مَا ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَقَعُ عَلَى الزُّيُوفِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْجِيَادِ إذْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ وَالزِّيَافَةُ عَيْبٌ فِيهَا ، وَاسْمُ كُلِّ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى السَّلِيمِ وَالْمَعِيبِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْجِنْسِ لَكِنْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْجِيَادِ فَيَصِحُّ بَيَانُهُ مَوْصُولًا لِوُقُوعِهِ تَعْيِينَا لِبَعْضِ مَا يَحْتَمِلهُ اللَّفْظُ وَلَا يَصِحُّ مَفْصُولًا لِكَوْنِهِ رُجُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ ( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أَنَّ قَوْلَهُ هِيَ زُيُوفٌ بَعْدَ النِّسْبَةِ إلَى ثَمَنِ الْمَبِيعِ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ فَلَا يَصِحُّ بَيَانُهُ أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُبَادَلَةٍ فَيَقْتَضِي سَلَامَةَ الْبَدَلَيْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ لَا يَرْضَى إلَّا بِالْبَدَلِ السَّلِيمِ فَكَانَ إقْرَارُهُ بِكَوْنِ الدَّرَاهِمِ ثَمَنًا إقْرَارًا بِصِفَةِ السَّلَامَةِ فَإِخْبَارُهُ عَنْ الزِّيَافَةِ يَكُونُ رُجُوعًا فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا إذَا قَالَ : بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ لَا يُصَدَّقُ وَإِنْ وَصَلَ ، كَذَا هَذَا وَلَوْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضًا ، وَقَالَ هِيَ زُيُوفٌ ، فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْبَيْعِ إنْ وَصَلَ يُصَدَّقْ وَإِنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقْ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ( وَجْهُ ) الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْقَرْضَ فِي الْحَقِيقَةِ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ كَالْبَيْعِ فَكَانَ فِي اسْتِدْعَاءِ صِفَةِ السَّلَامَةِ كَالْبَيْعِ ( وَجْهُ ) الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الْقَرْضَ يُشْبِهُ الْغَصْبَ لِأَنَّهُ يَتِمُّ بِالْقَبْضِ كَالْغَصْبِ ثُمَّ بَيَانُ الزِّيَافَةِ مَقْبُولٌ فِي الْغَصْبِ ، كَذَا فِي الْقَرْضِ وَيُشْبِهُ الْبَيْعَ ; لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالٍ فَلِشَبَهِهِ بِالْغَصْبِ احْتَمَلَ الْبَيَانَ فِي الْجُمْلَةِ وَلِشَبَهِهِ بِالْبَيْعِ شَرَطْنَا الْوَصْلَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَلَوْ قَالَ : غَصَبَ مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ يُصَدَّقُ سَوَاءٌ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إذَا فَصَلَ ، وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ الْغَصْبَ فِي الْأَجْوَدِ لَا يَسْتَدْعِي صِفَةَ السَّلَامَةِ ; لِأَنَّهُ كَمَا يَرِدُ عَلَى السَّلِيمِ يَرِدُ عَلَى الْمَعِيبِ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقُ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْبَيَانِ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا لِانْعِدَامِ مَعْنَى الرُّجُوعِ فِيهِ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ غَصْبُ عَبْدٍ بِأَنْ قَالَ : غَصَبْتُ مِنْ فُلَانٍ عَبْدًا ثُمَّ قَالَ : غَصَبْتُهُ وَهُوَ مَعِيبٌ ، يُصَدَّقُ وَإِنْ فَصَلَ ، كَذَا هَذَا وَلَوْ قَالَ : أَوْدَعَنِي فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ هِيَ زُيُوفٌ يُصَدَّقُ بِلَا خِلَافٍ فَصَلَ أَوْ وَصَلَ ; لِأَنَّ الْإِيدَاعَ اسْتِحْفَاظُ الْمَالِ ، وَكَمَا يُسْتَحْفَظُ السَّلِيمُ يُسْتَحْفَظُ الْمَعِيبُ فَكَانَ الْإِخْبَارُ عَنْ الزِّيَافَةِ بَيَانًا مَحْضًا فَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الْوَصْلُ لِانْعِدَامِ تَضَمُّنِ مَعْنَى الرُّجُوعِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَبَيْنَ الْغَصْب حَيْثُ صَدَّقَهُ فِي الْوَدِيعَةِ مَوْصُولًا كَانَ الْبَيَانُ أَوْ مَفْصُولًا وَلَمْ يُصَدِّقْهُ 216 فِي الْغَصْبِ إلَّا مَوْصُولًا ( وَوَجْهُ ) الْفَرْقِ لَهُ أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ مُبَادَلَةٌ إذَا الْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ فَأَشْبَهَ ضَمَانَ الْمَبِيعِ وَهُوَ الثَّمَنُ ، وَفِي بَابِ الْبَيْعِ لَا يُصَدَّقُ إذَا فَصَلَ عِنْدَهُ كَذَا فِي الْغَصْبِ ( فَأَمَّا ) الْوَاجِبُ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ فَهُوَ الْحِفْظُ ، وَالْمَعِيبُ فِي احْتِمَالِ الْحِفْظِ كَالسَّلِيمِ فَهُوَ الْفَرْقُ لَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ هَذَا إذَا أَقَرَّ بِالدَّرَاهِمِ وَقَالَ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِهَا وَقَالَ هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ فَفِي الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ يُصَدَّقُ إنْ وَصَلَ وَإِنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقْ ; لِأَنَّ السَّتُّوقَ وَالرَّصَاصَ لَيْسَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ إلَّا أَنَّهُ يُسَمَّى بِهَا مَجَازًا فَكَانَ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَلِكَ بَيَانًا مُغَيِّرًا فَيَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا كَالِاسْتِثْنَاءِ ( وَأَمَّا ) فِي الْبَيْعِ إذَا قَالَ : ابْتَعْتُ بِأَلْفِ سَتُّوقَةٍ أَوْ رَصَاصٍ فَلَا يُصَدَّقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَصَلَ أَوْ وَصَلَ وَهَذَا لَا يُشْكِلُ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : ابْتَعْتُ بِأَلْفٍ زُيُوفٍ لَا يُصَدَّقُ عِنْدَهُ ، وَصَلَ أَوْ فَصَلَ ، فَهَهُنَا أَوْلَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَدَّقُ وَلَكِنْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ أَمَّا التَّصْدِيقُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ خَرَجَ بَيَانًا لِوَصْفِ الثَّمَنِ فَيَصِحُّ ، كَمَا إذَا قَالَ بِأَلْفٍ بِيضٍ أَوْ بِأَلْفٍ سُودٍ ( وَأَمَّا ) فَسَادُ الْبَيْعِ فَلِأَنَّ تَسْمِيَةَ السَّتُّوقَةِ فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ فَسَادَهُ كَتَسْمِيَةِ الْعُرُوضِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِيضٌ زُيُوفٌ أَوْ وَضَحٌ زُيُوفٌ أَنَّهُ يُصَدَّقُ إذَا وَصَلَ وَلَوْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ جِيَادٌ زُيُوفٌ أَوْ نَقْدُ بَيْتِ الْمَالِ زُيُوفٌ لَا يُصَدَّقُ ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْبَيَاضَ يَحْتَمِلُ الْجُودَةَ وَالزِّيَافَةَ إذْ الْبِيضُ قَدْ تَكُونُ جِيَادًا وَقَدْ تَكُونُ زُيُوفًا فَاحْتَمَلَ الْبَيَانَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ جِيَادٌ ; لِأَنَّ الْجُودَةَ لَا تَحْتَمِلُ الزِّيَافَةَ لِتَضَادٍّ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فَلَا يُصَدَّقُ أَصْلًا وَعَلَى هَذَا إذَا أَقَرَّ بِأَلْفٍ ثَمَنِ عَبْدٍ اشْتَرَاهُ لَمْ يَقْبِضْهُ فَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا أَنْ ذَكَرَ عَبْدًا مُعَيَّنًا مُشَارًا إلَيْهِ بِأَنْ قَالَ : ثَمَنُ هَذَا الْعَبْدِ وَإِمَّا إنْ ذَكَرَ عَبْدًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ بِأَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنِ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ وَلَمْ أَقْبِضْهُ فَإِنْ ذَكَرَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فِي الْبَيْعِ يُقَالُ لِلْمُقَرِّ لَهُ إنْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَ الْأَلْفَ فَسَلِّمْ الْعَبْدَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ ثَمَنُ الْمَبِيعِ وَقَدْ ثَبَتَ الْبَيْعُ بِتَصَادُقِهِمَا وَالْبَيْعُ يَقْتَضِي تَسْلِيمًا بِإِزَاءِ تَسْلِيمٍ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْبَيْعِ وَقَالَ : مَا بِعْتُ مِنْكَ شَيْئًا وَالْعَبْدُ عَبْدِي وَلِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَالْعَبْدُ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْبَيْعَ وَهُوَ يُنْكِرُ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمُقَرِّ مِنْ الثَّمَنِ ; لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ ثَمَنُ الْمَبِيعِ لَا غَيْرُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ الْبَيْعُ فَإِنْ ذَكَرَ عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يُصَدَّقُ فِي عَدَمِ الْقَبْضِ سَوَاءٌ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ ، صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْبَيْعِ أَوْ كَذَّبَهُ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ أَوَّلًا يَقُولُ إنْ وَصَلَ يُصَدَّقُ وَإِنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقُ ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يُسْأَلُ الْمُقَرُّ لَهُ عَنْ الْجِهَةِ فَإِنْ صَدَّقَهُ فِيهَا لَكِنْ كَذَّبَهُ فِي الْقَبْضِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقِرِّ ، سَوَاءٌ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْبَيْعِ وَادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا أُخْرَى إنْ وَصَلَ يُصَدَّقْ وَإِنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقْ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ( وَجْهُ ) قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ ثَمَنُ الْمَبِيعِ ، وَالْمَبِيعُ قَدْ يَكُونُ مَقْبُوضًا وَقَدْ لَا يَكُونُ إلَّا أَنَّ الْغَالِبَ هُوَ الْقَبْضُ فَكَانَ قَوْلُهُ لَمْ أَقْبِضْهُ بَيَانًا فِيهِ مَعْنَى التَّغْيِيرِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَيُصَدَّقُ بِشَرْطِ الْوَصْلِ كَالِاسْتِثْنَاءِ ( وَجْهُ ) قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَبْضَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْجِهَةِ بِتَصَادُقِهِمَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَلْزَمُ فِي الْبَيْعِ فَكَانَ قَوْلُهُ لَمْ أَقْبِضْهُ تَعْيِينًا لِبَعْضِ مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَكَانَ بَيَانًا مَحْضًا فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْوَصْلُ لِبَيَانِ الْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ ، وَإِذَا كَذَّبَهُ يُشْتَرَطُ الْوَصْلُ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ لِلْمَالِ ، فَإِذَا قَالَ : ثَمَنُ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ إلَّا بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ فَكَانَ بَيَانًا فِيهِ مَعْنَى التَّغْيِيرِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ الْوَصْلِ كَالِاسْتِثْنَاءِ ( وَوَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَقْبِضْهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ فَلَا يَصِحُّ ، بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إقْرَارٌ بِوِلَايَةِ الْمُطَالَبَةِ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالْأَلْفِ وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ إلَّا بِقَبْضِ الْمَبِيعِ فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِهِ إقْرَارًا بِقَبْضِ الْمَبِيعِ ، فَقَوْلُهُ لَمْ أَقْبِضْهُ يَكُونُ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ فَلَا يَصِحُّ وَلَوْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنُ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَعَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ ثَمَنُ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِ لَا تَحْتَمِلُهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ أَصْلًا ( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ قَوْلَهُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إقْرَارٌ بِأَلْفٍ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ ، وَقَوْلُهُ ثَمَنُ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ إبْطَالٌ لِمَا أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِ لَا تَحْتَمِلُ ثَمَنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَكَانَ رُجُوعًا فَلَا يَصِحُّ وَلَوْ قَالَ : اشْتَرَيْتُ مِنْ فُلَانٍ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَكِنِّي لَمْ أَقْبِضْهُ يُصَدَّقُ ، وَصَلَ أَوْ فَصَلَ ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ قَدْ 217 يَتَّصِلُ بِهِ الْقَبْضُ وَقَدْ لَا يَتَّصِلُ فَكَانَ قَوْلُهُ لَمْ أَقْبِضْ بَيَانًا مَحْضًا فَيَصِحُّ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا وَلَوْ قَالَ : أَقْرَضَنِي فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ أَقْبِضْ إنَّمَا طَلَبْتُ إلَيْهِ الْقَبْضَ فَأَقْرَضَنِي وَلَمْ أَقْبِضْ ، إنْ وَصَلَ يُصَدَّقْ وَإِنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقْ ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُصَدَّقَ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ ( وَجْهُ ) الْقِيَاسِ أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ هُوَ الْقَرْضُ وَهُوَ اسْمٌ لِلْعَقْدِ لَا لِلْقَبْضِ فَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِهِ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ كَمَا لَا يَكُونُ الْإِقْرَار بِالْبَيْعِ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ ( وَجْهُ ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ تَمَامَ الْقَرْضِ بِالْقَبْضِ كَمَا أَنَّ تَمَامَ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِهِ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ ظَاهِرًا لَكِنْ يَحْتَمِلُ الِانْفِصَالَ فِي الْحُكْمِ فَكَانَ قَوْلُهُ لَمْ أَقْبِضْ بَيَانًا مَعْنًى فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ الْوَصْلِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِدْرَاكِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أَعْطَيْتَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَوْدَعْتَنِي أَوْ أَسْلَفْتَنِي أَوْ أَسْلَمْتَ إلَيَّ وَقَالَ لَمْ أَقْبِضْ لَا يُصَدَّقُ إنْ فَصَلَ ، وَإِنْ وَصَلَ يُصَدَّقُ ; لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْإِيدَاعَ وَالْإِسْلَافَ يَسْتَدْعِي الْقَبْضَ حَقِيقَةً خُصُوصًا عِنْدَ الْإِضَافَةِ فَلَا يَصِحُّ مُنْفَصِلًا لَكِنْ يَحْتَمِلُ الْعَدَمَ فِي الْجُمْلَةِ فَيَصِحُّ مُتَّصِلًا وَلَوْ قَالَ بِعْتَنِي دَارَكَ أَوْ آجَرْتَنِي أَوْ أَعَرْتَنِي أَوْ وَهَبْتَنِي أَوْ تَصَدَّقْتَ عَلَيَّ وَقَالَ لَمْ أَقْبِضْ يُصَدَّقُ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ أَمَّا الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِهَا إقْرَارًا بِالْقَبْضِ وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فَلِأَنَّ الْهِبَةَ اسْمٌ لِلرُّكْنِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَإِنَّمَا الْقَبْضُ فِيهِمَا شَرْطُ الْحُكْمِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ وَلَا يَتَصَدَّقُ فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَحْنَثُ وَلَوْ قَالَ : نَقَدْتَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ دَفَعْتَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَمْ أَقْبِضْ ، إنْ فَصَلَ لَا يُصَدَّقْ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ وَصَلَ لَا يُصَدَّقْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُصَدَّقُ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ النَّقْدَ وَالدَّفْعَ يَقْتَضِي الْقَبْضَ حَقِيقَةً بِمَنْزِلَةِ الْأَدَاءِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْإِسْلَامِ وَيَحْتَمِلُ الِانْفِصَالَ فِي الْجُمْلَةِ فَيَصِحُّ بِشَرِيطَةِ الْوَصْلِ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَبْضَ مِنْ لَوَازِمَ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ أَعْنِي النَّقْدَ وَالدَّفْعَ خُصُوصًا عِنْدَ صَرِيحِ الْإِضَافَةِ ، وَالْإِقْرَارُ بِأَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ إقْرَارٌ بِالْآخَرِ فَقَوْلُهُ لَمْ أَقْبِضْ يَكُونُ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ فَلَا يَصِحُّ وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ : أَخَذْتُ مِنْكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَهَلَكَتْ عِنْدِي فَقَالَ الرَّجُلُ : لَا بَلْ أَخَذْتَهَا غَصْبًا ، لَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُقِرُّ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَالْمُقِرُّ ضَامِنٌ وَلَوْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : لَا بَلْ أَقْرَضْتُكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ ( وَوَجْهُ ) الْفَرْقِ أَنَّ أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْأَصْلِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ } فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِالْأَخْذِ إقْرَارًا بِسَبَبِ الْوُجُوبِ فَدَعْوَى الْإِذْنِ تَكُونُ دَعْوَى الْبَرَاءَةِ عَنْ الضَّمَانِ وَصَاحِبُهُ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَقْرَضْتُكَ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَبْضِ إقْرَارٌ بِالْأَخْذِ بِالْإِذْنِ فَتَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ كَانَ بِإِذْنٍ وَالْأَخْذُ بِإِذْنٍ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ دَعْوَى الْإِقْرَاضِ دَعْوَى الْأَخْذِ بِجِهَةِ الضَّمَانِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَوْ قَالَ : أَوْدَعْتَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ دَفَعْتَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً أَوْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَهَلَكَتْ عِنْدِي ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : لَا بَلْ غَصَبْتَهَا مِنِّي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِسَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ إذْ الْمُقَرُّ بِهِ هُوَ الْإِيدَاعُ وَالْإِعْطَاءُ وَإِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ وَلَوْ قَالَ لَهُ : أَعَرْتَنِي ثَوْبَك أَوْ دَابَّتَك فَهَلَكَتْ عِنْدِي ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ غَصَبْتَ مِنِّي نُظِرَ فِي ذَلِكَ : إنْ هَلَكَ قَبْلَ اللُّبْسِ أَوْ الرُّكُوبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ الْإِعَارَةُ وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ; لِأَنَّ لُبْسَ ثَوْبِ الْغَيْرِ وَرُكُوبَ دَابَّةِ الْغَيْرِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ دَعْوَى الْإِذْنِ دَعْوَى الْبَرَاءَةِ عَنْ الضَّمَانِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ : دَفَعْتَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً فَهَلَكَتْ عِنْدِي فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : بَلْ غَصَبْتَهَا مِنِّي أَنَّهُ إنْ هَلَكَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَهُ يَضْمَنُ لِمَا قُلْنَا فِي الْإِعَارَةِ وَلَوْ أَقَرَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مُؤَجَّلَةٍ بِأَنْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَى شَهْرٍ ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : لَا بَلْ هِيَ حَالَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ; لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ ، وَدَعْوَى الْأَجَلِ عَلَى الْغَيْرِ فَإِقْرَارُهُ مَقْبُولٌ وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إلَّا بِحُجَّةٍ وَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْأَجَلِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْأَجَلِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ الْيَمِينِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ وَقَالَ : كَفَلْتُ لِفُلَانٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لَا بَلْ كَفَلْتَ بِهَا حَالَّةً أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقِرِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلْمُقِرِّ ; لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَكُونُ مُؤَجَّلَةً عَادَةً بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَضَى مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ الْمُقَرُّ 218 لَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَقَالَ هُوَ مَالِي قَبَضْتَهُ مِنِّي ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إلَيْهِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالِاقْتِضَاءِ إقْرَارٌ بِالْقَبْضِ ، وَالْقَبْضُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْأَصْلِ بِالنَّصِّ فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِالْقَبْضِ إقْرَارًا بِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ مِنْهُ فَهُوَ بِدَعْوَةِ الْقَبْضِ بِجِهَةِ الِاقْتِضَاءِ يَدَّعِي بَرَاءَتَهُ عَنْ الضَّمَانِ ، وَصَاحِبُهُ يُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةً وَأَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ لِمَا قُلْنَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث