بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء السابع
الصفحة 3433
وَلَوْ كَاتَبَهُ وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ صَارَ مُخْتَارًا اخْتِيَارًا عَلَى التَّوَقُّفِ لِفَوَاتِ الدَّفْعِ فِي الْحَالِ عَلَى التَّوَقُّفِ ، فَإِنْ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَعَتَقَ تَقَرَّرَ الِاخْتِيَارُ ، وَإِنْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ خُوصِمَ قَبْلَ أَنْ يَعْجِزَ فَقَضَى بِالدِّيَةِ ثُمَّ عَجَزَ لَا يَرْتَفِعُ الْقَضَاءُ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ وَجَبَتْ بِالْكِتَابَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ ، وَتَقَرَّرَ الْوُجُوبُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُخَاصَمْ حَتَّى عَجَزَ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَدْفَعَهُ ; لِأَنَّ الدَّفْعَ كَأَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْجِزَ ، فَإِنْ عَجَزَ جُعِلَ كَأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَكُنْ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَارًا بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ لِتَعَذُّرِ الدَّفْعِ بِنَفْسِهَا لِزَوَالِ يَدِهِ عَنْهُ ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ وَهُوَ الْعَجْزُ ، وَلَوْ كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً كَانَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا بِدُونِ التَّسْلِيمِ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ ، وَهِيَ تَعَلُّقُ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ تَثْبُتُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ بَلْ بِوَاسِطَةِ التَّسْلِيمِ .
( وَأَمَّا ) الْإِجَارَةُ ، وَالرَّهْنُ ، وَالتَّزْوِيجُ بِأَنْ زَوَّجَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ امْرَأَةً أَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْجَانِيَةَ إنْسَانًا فَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارًا ؟ ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا ; لِأَنَّ الدَّفْعَ لَمْ يَفُتْ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فَكَانَ الدَّفْعُ مُمْكِنًا فِي الْجُمْلَةِ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا ; لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَالِ مُتَعَذِّرٌ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ ، وَالتَّزْوِيجُ تَعْيِيبٌ فَأَشْبَهَ التَّعْيِيبَ حَقِيقَةً .
وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا ، كَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ لِغَيْرِهِ لَا يُفَوِّتُ الدَّفْعَ ; لِأَنَّ الْمُقِرَّ مُخَاطَبٌ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ يَكُونُ مُخْتَارًا ; لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ لِغَيْرِهِ فِي مَعْنَى التَّمْلِيكِ مِنْهُ إذْ الْعَبْدُ مِلْكُهُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لِوُجُودِ دَلِيلِ الْمِلِكِ وَهُوَ الْيَدُ ، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْهُ ، وَلَوْ قَتَلَهُ الْمَوْلَى صَارَ مُخْتَارًا ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ الدَّفْعَ بِالْقَتْلِ ، وَلَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ فَإِنْ كَانَ عَمْدًا بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ ، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَقْتُلَهُ قِصَاصًا ; لِأَنَّهُ فَاتَ مَحَلُّ الدَّفْعِ لَا إلَى خَلَفٍ هُوَ مَالٌ فَتَبْطُلَ الْجِنَايَةُ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً يَأْخُذُ الْمَوْلَى الْقِيمَةَ ، وَيَدْفَعُهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، وَلَا يُخَيَّرُ الْمَوْلَى فِي الْقِيمَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْمَوْلَى وَلَكِنْ عَيَّبَهُ بِأَنْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ جَرَحَهُ جِرَاحَةً أَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا أَثَّرَ فِيهِ وَنَقَّصَهُ ، وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ ; لِأَنَّهُ بِالنُّقْصَانِ حَبَسَ عَنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ جُزْءًا مِنْ الْعَبْدِ ، وَحَبْسُ الْكُلِّ دَلِيلُ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلُ إمْسَاكِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ ، فَكَذَا حَبْسُ الْجُزْءِ ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْجُزْءِ حُكْمُ الْكُلِّ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ ضَرَبَ الْمَوْلَى عَيْنَهُ فَابْيَضَّتْ ، وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ حَتَّى جُعِلَ مُخْتَارًا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ ، فَإِنْ ذَهَبَ قَبْلَ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ بَطُلَ الِاخْتِيَارُ ، وَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ مُخْتَارًا لِأَجْلِ النُّقْصَانِ ، وَقَدْ زَالَ فَجُعِلَ كَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، وَإِنْ خُوصِمَ فِي حَالِ الْبَيَاضِ فَضَمَّنَهُ الْقَاضِي الْقِيمَةَ ثُمَّ زَالَ الْبَيَاضُ فَقَضَاءُ الْقَاضِيَ نَافِذٌ لَا يُرَدُّ ، وَلَا يَبْطُلُ اخْتِيَارُهُ ; لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ وَقَعَ صَحِيحًا ، وَوَجَبَ الدَّيْنُ ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ ، وَإِنْ اسْتَخْدَمَهُ ، وَهُوَ عَالَمٌ بِالْجِنَايَةِ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ ; لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ الدَّفْعُ بِالِاسْتِخْدَامِ ; لِقِيَامِ الْمِلْكِ ، وَكَذَا الِاسْتِخْدَامُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ ، وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى إمْسَاكِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ ، فَإِنْ عَطِبَ فِي الْخِدْمَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَبَطَلَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ; لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ لَيْسَ بِاخْتِيَارٍ لِمَا بَيَّنَّا ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصَرُّفٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ فَصَارَ كَأَنَّهُ عَطِبَ قَبْلَ الِاسْتِخْدَامِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث