بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء السابع
الصفحة 3440 · ص. المطبوع 270
( وَأَمَّا ) الْقِنُّ إذَا قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا ، وَلَهُ وَلِيَّانِ فَصَالَحَ الْعَبْدُ أَحَدَهُمَا يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا ، وَنَصِيبُ الْمُصَالِحِ يُؤْخَذُ بَعْدَ الْعَتَاقِ بِلَا خِلَافٍ .
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَصَالِحِ فَيُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِدَفْعِ نِصْفِ الْعَبْدِ إلَيْهِ ، أَوْ الْفِدَاءِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ ، وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَصْلًا أَوْ لَمْ يَتْرُكْ ، وَفَاءً بِالْكِتَابَةِ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ ; لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ عَاجِزًا فَقَدْ مَاتَ قِنًّا ، وَالْقِنُّ إذَا جَنَى جِنَايَةً ثُمَّ مَاتَ تَبْطُلُ الْجِنَايَةُ أَصْلًا وَرَأْسَا ، وَمَا تَرَكَهُ يَكُونُ لِلْوَلِيِّ ، إذَا مَاتَ عَبْدًا كَانَ الْمَتْرُوكُ مَالَ الْمَوْلَى فَيَكُونَ لَهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ ، وَتَرَكَ مَالًا ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَكِتَابَةٌ يُبْدَأُ بِدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ ; لِأَنَّ دَيْنَ الْمَوْلَى دَيْنٌ ضَعِيفٌ ; إذْ لَا يَجِبْ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ فَكَانَتْ الْبِدَايَةُ بِالْأَقْوَى أَوْلَى .
وَحُكِيَ عَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ : إنَّ شُرَيْحًا يَقُولُ : الْأَجْنَبِيُّ ، وَالْمَوْلَى يَتَحَاصَّانِ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَخْطَأَ شُرَيْحٌ ، وَإِنْ كَانَ قَاضِيًا قَضَاءَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَوْلَى ، وَكَانَ زَيْدٌ يَقُولُ يُبْدَأُ بِدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَخْفَى قَضَاؤُهُ عَلَى الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فَيَكُونَ إجْمَاعًا ، وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ ، وَتَرَكَ وَفَاءً بِالْكِتَابَةِ ، وَجِنَايَةً فَالْجِنَايَةُ أَوْلَى ; لِأَنَّهَا أَقْوَى ، وَلَوْ مَاتَ ، وَتَرَكَ مَالًا ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَكِتَابَةٌ ، وَجِنَايَةٌ ، فَإِنْ كَانَ قَضَى عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ فَصَاحِبُ الْجِنَايَةِ ، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا قُضِيَ بِهَا صَارَتْ دَيْنًا فَهُمَا دَيْنَانِ فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا بِالْبِدَايَةِ بِهِ أَوْلَى مِنْ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ ، وَدَيْنُ الْجِنَايَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ بَعْدُ ، فَكَانَ الْأَوَّلُ آكَدَ وَأَقْوَى ، فَيُبْدَأُ بِهِ ، وَيُقْضَى الدَّيْنُ مِنْهُ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَ بِهِ وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ فَصَاحِبُ الْجِنَايَةِ أَوْلَى فَيُبْدَأُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ فَمَا بَقِيَ يَكُونُ لِلْمَوْلَى ; لِأَنَّهُ يَمُوتُ قِنًّا عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْمَوْتِ إنَّ الْمُكَاتَبَ يَبْدَأُ بِأَيِّ الدُّيُونِ شَاءَ ، إنْ شَاءَ بِدَيْنِ الْأَجْنَبِيّ ، وَإِنْ 270 شَاءَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَإِنْ شَاءَ بِمَالِ الْكِتَابَةِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ ، وَالتَّدْبِيرُ فِي إكْسَابِهِ إلَيْهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّ دُيُونِهِ شَاءَ ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي الْمُكَاتَبِ إذَا مَاتَ فَتَرَكَ وَلَدًا : إنَّ وَلَدَهُ يَبْدَأُ مِنْ كَسْبِهِ بِأَيِّ الدُّيُونِ شَاءَ ; لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْمُكَاتَبِ ، فَتَدْبِيرُ كَسْبِهِ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي مَوْتِهِ إلَى الْقَاضِي فَيُبْدَأُ بِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث