بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الأول
وَلَوْ فَتَحَ عَلَى الْمُصَلِّي إنْسَانٌ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ : إمَّا أَنْ كَانَ الْفَاتِحُ هُوَ الْمُقْتَدِيَ بِهِ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُصَلِّي سَوَاءٌ كَانَ الْفَاتِحُ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى غَيْرِ صَلَاةِ الْمُصَلِّي وَفَسَدَتْ صَلَاةُ الْفَاتِحِ أَيْضًا إنْ كَانَ هُوَ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ فَإِنَّ الْقَارِئَ إذَا اسْتَفْتَحَ غَيْرَهُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : مَاذَا بَعْدَ مَا قَرَأْتَ فَذَكِّرْنِي ، وَالْفَاتِحُ بِالْفَتْحِ كَأَنَّهُ يَقُولُ : بَعْدَ مَا قَرَأْتَ كَذَا فَخُذْ مِنِّي .
وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَا يُشْكِلُ فِي فَسَادِ الصَّلَاةِ فَكَذَا هَذَا ، وَكَذَا الْمُصَلِّي إذَا فَتَحَ عَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ التَّعْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ فَتْحَهُ بَعْدَ اسْتِفْتَاحِهِ جَوَابٌ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، هَذَا إذَا فَتَحَ عَلَى الْمُصَلِّي عَنْ اسْتِفْتَاحٍ فَأَمَّا إذَا فَتَحَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْتَاحٍ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةِ وَإِنَّمَا تَفْسُدُ عِنْدَ التَّكْرَارِ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِخِطَابٍ لِأَحَدٍ فَقَلِيلُهُ يُورِثُ الْكَرَاهَةَ وَكَثِيرُهُ يُوجِبُ الْفَسَادَ ، وَإِنْ كَانَ الْفَاتِحُ هُوَ الْمُقْتَدِيَ بِهِ فَالْقِيَاسُ هُوَ فَسَادُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْجَوَازَ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَرَأَ سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ فَتَرَكَ حَرْفًا فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : أَلَم يَكُنْ فِيكُمْ أُبَيٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّه ، قَالَ : هَلَّا فَتَحْتَ عَلَيَّ ، فَقَالَ : ظَنَنْتُ أَنَّهَا نُسِخَتْ فَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ نُسِخَتْ لَأَنْبَأْتُكُمْ } ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا اسْتَطْعَمَكَ الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْ سُورَةً فَقَالَ نَافِعٌ : إذَا زُلْزِلَتْ فَقَرَأَهَا وَلِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ لِصِيَانَةِ صَلَاتِهِ عَنْ الْفَسَادِ عِنْدَ تَرْكِ الْإِمَامِ الْمُجَاوَزَةَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى أَوْ الِانْتِقَالِ إلَى الرُّكُوعِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلَى الْإِمَامِ بَعْدَ مَا انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى فَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ إنْ أَخَذَهُ الْإِمَامُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْفَاتِحِ خَاصَّةً لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الصِّيَانَةِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ يُعَجِّلَ بِالْفَتْحِ وَلَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَحُوجَهُمْ إلَى ذَلِكَ بَلْ يَرْكَعُ أَوْ يَتَجَاوَزُ إلَى آيَةٍ أَوْ سُورَةٍ أُخْرَى فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْإِمَامُ ذَلِكَ وَخَافَ الْمُقْتَدِي أَنْ يُجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَحِينَئِذٍ يَفْتَحُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ إذَا اسْتَطْعَمَكَ الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ وَهُوَ مُلِيمٌ أَيْ مُسْتَحِقُّ الْمَلَامَةِ ; لِأَنَّهُ أَحْوَجَ الْمُقْتَدِي وَاضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا : يَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَنْوِيَ بِالْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ التِّلَاوَةَ ، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ ; لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْمُقْتَدِي خَلْفَ الْإِمَامِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا عِنْدَنَا ، وَالْفَتْحُ عَلَى الْإِمَامِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا رُخِّصَ لَهُ فِيهِ بِنِيَّةِ مَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا إذَا كَانَ الْفَتْحُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ التِّلَاوَةَ دُونَ التَّعْلِيمِ وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ .
وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَا يُشْكِلُ فِي فَسَادِ الصَّلَاةِ فَكَذَا هَذَا ، وَكَذَا الْمُصَلِّي إذَا فَتَحَ عَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ التَّعْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ فَتْحَهُ بَعْدَ اسْتِفْتَاحِهِ جَوَابٌ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، هَذَا إذَا فَتَحَ عَلَى الْمُصَلِّي عَنْ اسْتِفْتَاحٍ فَأَمَّا إذَا فَتَحَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْتَاحٍ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةِ وَإِنَّمَا تَفْسُدُ عِنْدَ التَّكْرَارِ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِخِطَابٍ لِأَحَدٍ فَقَلِيلُهُ يُورِثُ الْكَرَاهَةَ وَكَثِيرُهُ يُوجِبُ الْفَسَادَ ، وَإِنْ كَانَ الْفَاتِحُ هُوَ الْمُقْتَدِيَ بِهِ فَالْقِيَاسُ هُوَ فَسَادُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْجَوَازَ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَرَأَ سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ فَتَرَكَ حَرْفًا فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : أَلَم يَكُنْ فِيكُمْ أُبَيٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّه ، قَالَ : هَلَّا فَتَحْتَ عَلَيَّ ، فَقَالَ : ظَنَنْتُ أَنَّهَا نُسِخَتْ فَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ نُسِخَتْ لَأَنْبَأْتُكُمْ } ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا اسْتَطْعَمَكَ الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْ سُورَةً فَقَالَ نَافِعٌ : إذَا زُلْزِلَتْ فَقَرَأَهَا وَلِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ لِصِيَانَةِ صَلَاتِهِ عَنْ الْفَسَادِ عِنْدَ تَرْكِ الْإِمَامِ الْمُجَاوَزَةَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى أَوْ الِانْتِقَالِ إلَى الرُّكُوعِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلَى الْإِمَامِ بَعْدَ مَا انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى فَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ إنْ أَخَذَهُ الْإِمَامُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْفَاتِحِ خَاصَّةً لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الصِّيَانَةِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ يُعَجِّلَ بِالْفَتْحِ وَلَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَحُوجَهُمْ إلَى ذَلِكَ بَلْ يَرْكَعُ أَوْ يَتَجَاوَزُ إلَى آيَةٍ أَوْ سُورَةٍ أُخْرَى فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْإِمَامُ ذَلِكَ وَخَافَ الْمُقْتَدِي أَنْ يُجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَحِينَئِذٍ يَفْتَحُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ إذَا اسْتَطْعَمَكَ الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ وَهُوَ مُلِيمٌ أَيْ مُسْتَحِقُّ الْمَلَامَةِ ; لِأَنَّهُ أَحْوَجَ الْمُقْتَدِي وَاضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا : يَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَنْوِيَ بِالْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ التِّلَاوَةَ ، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ ; لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْمُقْتَدِي خَلْفَ الْإِمَامِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا عِنْدَنَا ، وَالْفَتْحُ عَلَى الْإِمَامِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا رُخِّصَ لَهُ فِيهِ بِنِيَّةِ مَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا إذَا كَانَ الْفَتْحُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ التِّلَاوَةَ دُونَ التَّعْلِيمِ وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث