بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثاني
الصفحة 941 · ص. المطبوع 142
( فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا بَيَانُ زَمَانِهِ ، وَمَكَانِهِ فَزَمَانُهُ أَيَّامُ النَّحْرِ ، وَمَكَانُهُ الْحَرَمُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ الْحَلْقَ يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ ، وَالْمَكَانِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ ، وَلَا بِالْمَكَانِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ لَا بِالزَّمَانِ ، وَقَالَ زُفَرُ يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ لَا بِالْمَكَانِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ الْحَلْقَ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ حَلَقَ خَارِجَ الْحَرَمِ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا دَمَ عَلَيْهِ فِيهِمَا جَمِيعًا ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي الْمَكَانِ ، وَلَا يَجِبُ فِي الزَّمَانِ ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَجِبُ فِي الزَّمَانِ ، وَلَا يَجِبُ فِي الْمَكَانِ احْتَجَّ زُفَرُ بِمَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَلْقِ } ، وَحُدَيْبِيَةُ مِنْ الْحِلِّ فَلَوْ اخْتَصَّ بِالْمَكَانِ ، وَهُوَ الْحَرَمُ لَمَا جَازَ فِي غَيْرِهِ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ ، وَلَمَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَدَلَّ أَنَّ الْحَلْقَ لَا يَخْتَصُّ جَوَازُهُ بِالْمَكَانِ ، وَهُوَ الْحَرَمُ ، وَهَذَا أَيْضًا حُجَّةُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَكَانِ ، وَلِأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ فِي أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ مَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْبَحْ ، وَلَا حَرَجَ ، وَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، فَقَالَ : ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ } فَمَا سُئِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ تَقْدِيمِ نُسُكٍ ، وَتَأْخِيرِهِ إلَّا قَالَ : افْعَلْ ، وَلَا حَرَجَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ { ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فِي الْحَرَمِ } فَصَارَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِمُطْلَقِ الْكِتَابِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِهِ دَمٌ عِنْدَهُ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْوَاجِبِ بِمَنْزِلَةِ التَّرْكِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْجَابِرِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحُدَيْبِيَةَ بَعْضُهَا مِنْ الْحِلِّ ، وَبَعْضُهَا مِنْ الْحَرَمِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ حَلَقُوا فِي الْحَرَمِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ مَعَ مَا أَنَّهُ رُوِيَ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ ، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ } فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِقْ فِي الْحِلِّ ، وَلَهُ سَبِيلُ الْحَلْقِ فِي الْحَرَمِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَنَقُولُ بِمُوجَبِهِ : إنَّهُ لَا حَرَجَ فِي التَّأْخِيرِ عَنْ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ ، وَهُوَ الْإِثْمُ لَكِنَّ انْتِفَاءَ الْإِثْمِ لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ عِنْدَ الْأَذَى وَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ ، وَلَوْ لَمْ يَحْلِقْ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ عَادَ إلَى الْحَرَمِ 142 فَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ الْمَكَانَ شَرْطًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث