شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
الصفحة 125 · ص. المطبوع 407 · الشرح
فَصْلٌ
وَبِنَاءُ الْحَمَّامِ مِنَ الْآمِرِ وَالصَّانِعِ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَكِرَاؤُهُ مَكْرُوهٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ : " مَنْ لَهُ حَمَّامٌ لَا يَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ حَمَّامٌ ، يَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ عَقَارٌ 407 وَيَهْدِمُ الْحَمَّامَ " وَكُرِهَ غَلَّتُهُ ، وَإِنِ اشْتُرِطَ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ لَا يُدْخِلَهُ أَحَدًا إِلَّا بِمِئْزَرٍ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ لَا يَنْضَبِطُ ، وَقَالَ : " فَمَنْ بَنَى حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِعَدْلٍ " ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مِثْلَ نَظَرِ الْعَوْرَاتِ وَكَشْفِهَا وَدُخُولِ النِّسَاءِ ، وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ الْقَاضِي : " لَا يَجُوزُ بِنَاؤُهَا وَبَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا ، كَمَا لَمْ يَجُزْ عَمَلُ آلَةِ اللَّهْوِ وَبَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا ، وَعَمَلُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَعَمَلُ بَيْتِ النَّارِ وَالْبَيْعُ " وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بِلَادٍ لَا يَضْطَرُّونَ إِلَى الْحَمَّامَاتِ كَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ ، فَأَمَّا الْبِلَادُ الْبَارِدَةُ كَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ وَتَشَاءَمَ عَنْهَا وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِاغْتِسَالِ فِي الشِّتَاءِ إِلَّا فِي الْحَمَّامَاتِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ : " عَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ " وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ۝ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ بِلَادُ الْعَجَمِ ، وَأَنَّ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا : الْحَمَّامَاتُ ، لَمْ يَأْمُرْ بِهَدْمِهَا " .
وَتُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِيهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ : " كَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ عِنْدَكَ بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا : الْحَمَّامَاتُ ، فَلَا يُقْرَأُ فِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ " .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْقِرَاءَةِ قَالَ : " لَيْسَ لِذَلِكَ بُنِيَ " وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : " بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ ، نُزِعَ مِنْ أَهْلِهِ الْحَيَاءُ وَلَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ " رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَاحْتَجَّ بِهِ إِسْحَاقُ . وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ 408 الْحَمَّامَ فَقَالَ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : " دَخَلْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْحَمَّامَ ، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي الْحَوْضِ فَقَالَ : نِعْمَ الْبَيْتُ هَذَا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرَ ، وَبِئْسَ الْبَيْتُ هَذَا لِمَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ الْحَيَاءَ " .
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا دَخَلُوا الْحَمَّامَ أَنْ يَقُولُوا : يَا بَرُّ يَا رَحِيمُ ، مُنَّ وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ " .
وَأَمَّا السَّلَامُ فِيهِ فَقَالَ أَحْمَدُ : " لَا أَعْلَمُ أَنِّي سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا " وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ وَالْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : " لَيْسَ فِي الْحَمَّامِ سَلَامٌ وَلَا تَسْلِيمٌ " .
وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ كَالذِّكْرِ وَأَوْلَى مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْخَلَاءَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَظِنَّةُ ظُهُورِ الْعَوْرَاتِ وَصَبُّ الْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ وَمُحْتَضَرُ الشَّيَاطِينِ .
قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِينَا : قَالَ إِبْلِيسُ : يَا رَبِّ اجْعَلْ لِي بُيُوتًا ، قَالَ : بُيُوتُكَ الْحَمَّامَاتُ . رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ .
وَفَارَقَهُ مِنْ حَيْثُ وُجُودِ الِاسْتِتَارِ فِيهِ وَتَطَهُّرِهِ مِنَ الْأَوْسَاخِ ، فَمَنَعَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِيهِ دُونَ الذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ مُنِعَهَا الْجُنُبَ ، وَأَمَّا مَاؤُهَا إِذَا كَانَ مُسَخَّنًا بِالنَّجَاسَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُسَخَّنًا بِالطَّاهِرِ فَلَا بَأْسَ 409 بِهِ ، قَالَ الْخَلَّالُ : " ثَبَتَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي فِي رِوَايَتِهِمْ عَنْهُ - أَنَّهُ يُجْزِئُ أَنْ يُغْتَسَلَ بِهِ وَلَا يُغْتَسَلَ مِنْهُ " قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : " مَاءُ الْحَمَّامِ عِنْدِي طَاهِرٌ " وَقَالَ أَيْضًا : " هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي " .
وَقَالَ أَيْضًا : " لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ " ، وَقَالَ أَيْضًا : " يُجْزِئُهُ مَاءُ الْحَمَّامِ وَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ " .
وَرَوَى حَنْبَلٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ " أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ كَانُوا لَا يَغْتَسِلُونَ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ ، وَكَانَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ يَغْتَسِلُونَ مِنْهُ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَذْهَبُ إِلَى فِعْلِ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ " وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " إِذَا كَانَ يُوقَدُ بِالْعَذِرَةِ لَا تَدْخُلْهُ ، إِلَّا إِذَا دَخَلْتَ فَخَرَجْتَ ، يَكُونُ لَكَ مَا تَصُبُّهُ عَلَيْكَ " وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، فَإِنَّهُ إِذَا سُخِّنَ بِالطَّاهِرَاتِ وَجَرَى فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ فَلَا وَجْهَ لِلْكَرَاهَةِ ، وَإِنْ سُخِّنَ بِالنَّجَاسَاتِ مَعَ وِثَاقَةِ الْحَاجِرِ بَيْنَ النَّارِ وَالْمَاءِ فَكَلَامُهُ هُنَا يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَهُ فِي رِوَايَةٍ وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، وَاخْتَارَ الرُّخْصَةَ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَحْمِلُ الرُّخْصَةَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْوَقُودُ طَاهِرًا ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْوَقُودِ النَّجِسِ ، وَمَنْ كَرِهَهُ فَلِكَرَاهَتِهِ سَبَبَانِ :
أَحَدُهُمَا : كَوْنُهُ سُخِّنَ بِالنَّجَاسَاتِ .
وَالثَّانِي : كَوْنُهُ مَاءً قَلِيلًا تَقَعُ فِيهِ يَدُ الْجُنُبِ ، وَذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ وَفِي طَهُورِيَّتِهِ ، وَرُبَّمَا كَانَتِ الْيَدُ نَجِسَةً ، وَقَدِ احْتَاطَ لِذَلِكَ فَقَالَ : " يَأْخُذُ مِنَ الْأُنْبُوبَةِ وَلَا يُدْخِلُ يَدَهُ إِلَّا طَاهِرَةً " وَقَالَ أَيْضًا : " مِنَ النَّاسِ مَنْ يُشَدِّدُ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ 410 يَقُولُ : " هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي " لِأَنَّهُ يَنْزِفُ وَيَخْرُجُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ، وَإِنَّمَا احْتَاطَ بِذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُ كَالْمَاءِ الدَّائِمِ ، وَذَلِكَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِوَضْعِ الْجُنُبِ يَدَهُ فِيهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِخَوْفِ نَجَاسَةِ الْيَدِ ، فَأَمَّا مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْأُنْبُوبَةِ فَإِنَّهُ جَارٍ بِلَا تَرَدُّدٍ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْجَمِيعَ كَالْمَاءِ الْجَارِي إِذَا كَانَ فَائِضًا ، وَكَذَلِكَ الْمِيَاهُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِي الْبِرَكِ وَنَحْوِهَا وَيُغْتَضُّ مِنْ بَعْضِ جَوَانِبِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ نَزْفٌ ، وَكُلَّمَا خَرَجَ شَيْءٌ ذَهَبَ شَيْءٌ ؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاهِرَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ زَالَ التَّغَيُّرُ بَعْدَ زَمَانٍ يَسِيرٍ ، فَأَشْبَهَ الْحَفَائِرَ الَّتِي تَكُونُ فِي أَثْنَاءِ الْأَنْهَارِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث