شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
الصفحة 332 · ص. المطبوع 268 · الشرح
268 الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ إِحْرَامَهَا فِي وَجْهِهَا ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ النِّقَابَ وَالْبُرْقُعَ وَهَذَا إِجْمَاعٌ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَسَتْرُ رَأْسِهَا وَاجِبٌ ، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهَا سَتْرُ الرَّأْسِ ، وَوُجُوبُ كَشْفِ الْوَجْهِ ، وَلَا يُمْكِنُ تَكْمِيلُ أَحَدِهِمَا إِلَّا بِتَفْوِيتِ تَكْمِيلِ الْآخَرِ . فَيَجِبُ أَنْ تُكْمِلَ الرَّأْسَ ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ كَمَا وَجَبَ أَنْ تَسْتُرَ سَائِرَ الْبَدَنِ وَلَا تَتَجَرَّدَ ؛ وَلِأَنَّ الْمَحْظُورَ أَنْ تَسْتُرَ الْوَجْهَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَمَا سَيَأْتِي . وَسَتْرُ شَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْهُ تَبَعًا لِلرَّأْسِ لَا يُعَدُّ سَتْرًا لِلْوَجْهِ ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ : فَلَا بَأْسَ أَنْ تَطُوفَ مُنْتَقِبَةً نَصَّ عَلَيْهِ .
فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِ الْوَجْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَمُرَّ بِهَا الرِّجَالُ وَتَخَافُ أَنْ يَرَوْا وَجْهَهَا ، فَإِنَّهَا تُرْسِلُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا ثَوْبًا ، نَصَّ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - : وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ، وَمَنْ نَامَ فَوَجَدَ رَأْسَهُ مُغَطًّى فَلَا بَأْسَ وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ . يُخَمِّرُ أَسْفَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ وَأَسْفَلَ مِنَ الْأَنْفِ .
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ " . فَاذْهَبْ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا لَا تَنْتَقِبُ ، وَتَتَبَرْقَعُ ، وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى 269 رَأْسِهَا مِنْ فَوْقُ ، وَتَلْبَسُ مِنْ خَزِّهَا وَمُعَصْفَرِهَا وَحُلِيِّهَا فِي إِحْرَامِهَا " مِثْلُ قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَذَلِكَ لِمَا ۝ رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ : كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْرِمَاتٌ ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ .
وَلَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ جَازَ ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إِنِ احْتَاجَتْ سَدَلَتْ لَكِنْ عَلَيْهَا أَنْ تُجَافِيَ مَا تُسْدِلُهُ عَنِ الْبَشَرَةِ ، فَإِنْ أَصَابَ الْبَشَرَةَ بِاخْتِيَارِهَا افْتَدَتْ ، وَإِنْ وَقَعَ الثَّوْبُ عَلَى الْبَشَرَةِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا : رَفَعَتْهُ بِسُرْعَةٍ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ غَطَّى ....
فَإِنْ لَمْ تَرْفَعْهُ عَنْ وَجْهِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ افْتَدَتْ ، هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا ، وَحَمَلُوا مُطْلَقَ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ : إِحْرَامُ الرَّجُلِ 270 فِي رَأْسِهِ ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا ، قَالُوا : لِأَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ كَرَأْسِ الرَّجُلِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ ....
وَرَأْسُ الرَّجُلِ لَا يَجُوزُ تَخْمِيرُهُ بِمَخِيطٍ وَلَا غَيْرِ مَخِيطٍ فَكَذَلِكَ وَجْهُ الْمَرْأَةِ . لَكِنَّ مُوجَبَ هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ لَا تُخَمِّرَ وَجْهَهَا بِشَيْءٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ .
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ : جَوَازُ الْإِسْبَالِ سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى الْبَشَرَةِ أَوْ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : تُسْدِلُ الثَّوْبَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا فَلَا تُغَطِّيهِ وَلَا تَتَبَرْقَعُ ، فَإِنِ احْتَاجَتْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ أَنَّهُنَّ كُنَّ يُدْلِينَ جَلَابِيبَهُنَّ عَلَى وُجُوهِهِنَّ مِنْ رُؤُوسِهِنَّ ، وَلَمْ تَذْكُرْ مُجَافَاتَهَا . فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ؛ لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَمْ يُذْكَرْ ، مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ وَالظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُفْعَلْ ؛ لِأَنَّ الْجِلْبَابَ مَتَى أُرْسِلَ مَسَّ بِبَشَرَةِ الْوَجْهِ ؛ وَلِأَنَّ فِي مُجَافَاتِهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً ، وَالْحَاجَةُ إِلَى سَتْرِ الْوَجْهِ عَامَّةٌ . وَكُلُّ مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ لِحَاجَةٍ عَامَّةٍ : أُبِيحَ مُطْلَقًا كَلُبْسِ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ . فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ إِنْ بَاشَرَ لِغَيْرِ حَاجَةِ السَّتْرِ ....
وَلِأَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ كَبَدَنِ الرَّجُلِ وَكَيَدِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ . وَلَمْ يَنْهَهَا عَنْ تَخْمِيرِ الْوَجْهِ مُطْلَقًا . فَمَنِ ادَّعَى تَحْرِيمَ تَخْمِيرِهِ مُطْلَقًا : فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ ، بَلْ تَخْصِيصُ النَّهْيِ بِالنِّقَابِ ، وَقِرَانُهُ بِالْقُفَّازِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَاهَا عَمَّا صُنِعَ لِسَتْرِ الْوَجْهِ كَالْقُفَّازِ الْمَصْنُوعِ لِسَتْرِ الْيَدِ ، وَالْقَمِيصِ الْمَصْنُوعِ لِسَتْرِ الْبَدَنِ .
271 فَعَلَى هَذَا : يَجُوزُ أَنْ تُخَمِّرَهُ بِالثَّوْبِ مِنْ أَسْفَلُ وَمِنْ فَوْقُ ، مَا لَمْ يَكُنْ مَصْنُوعًا عَلَى وَجْهٍ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ ، وَأَنْ تُخَمِّرَهُ بِالْمِلْحَفَةِ وَقْتَ النَّوْمِ ، وَرَأْسُ الرَّجُلِ بِخِلَافِ هَذَا كُلِّهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَمَتَى غَطَّتْ وَجْهَهَا أَوْ تَبَرْقَعَتِ : افْتَدَتْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث