شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
الصفحة 355 · ص. المطبوع 342 · الشرح
فَصْلٌ
وَأَمَّا صِيَامُ السَّبْعَةِ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيْهِمْ 342 فَإِنْ صَامَهَا فِي طَرِيقِهِ ، أَوْ فِي مَكَّةَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي جَازَ ، وَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ سَوَاءً رَجَعَ إِلَى وَطَنِهِ ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي .. . .
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - : إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ وَإِلَّا يَصُومُ بَعْدَ الْأَيَّامِ ، قِيلَ لَهُ : بِمَكَّةَ أَمْ فِي الطَّرِيقِ ؟ قَالَ : كَيْفَ شَاءَ .
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ السَّبْعَةِ ، يَصُومُهُنَّ فِي الطَّرِيقِ أَمْ فِي أَهْلِهِ ؟ فَقَالَ : كُلٌّ قَدْ تَأَوَّلَهُ النَّاسُ وَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) . فَذَهَبَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : إِذَا رَجَعْتُمْ مِنَ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ تَعَالَى : ( فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ) ثُمَّ قَالَ : ( وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) فَتَقْدِيرُ الرُّجُوعِ مِنَ الْحَجِّ - الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ - أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ الرُّجُوعِ مِنَ السَّفَرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ قَبْلَ الْإِحْلَالِ الثَّانِي ، لَمْ يَجُزِ الصَّوْمُ . فَعُلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِالرُّجُوعِ مِنَ الْحَجِّ فَقَطْ ، وَيَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ رَاجِعًا مِنَ الْحَجِّ بِمَعْنَيَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَدْ عَادَ إِلَى حَالِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْإِحْلَالِ .
343 وَالثَّانِي : أَنَّهُ يُفْعَلُ فِي أَمَاكِنَ مَخْصُوصَةٍ ، فَإِذَا قَضَاهُ وَرَجَعَ عَنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَانْتَقَلَ عَنْهَا سُمِّيَ رَاجِعًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ .
وَفِيهَا طَرِيقَةٌ أُخْرَى أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ السَّلَفِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِكُمْ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إِذَا فَرَّطَ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ صَامَ بَعْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ .
وَقَالَ -فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةَ - : عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ؛ وَإِنْ شَاءَ صَامَ فِي الطَّرِيقِ ؛ وَذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ۝ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ) . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ ، فَقَالَ : ( ۝ أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، وَأَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجْعَلُوا إَهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً ، إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ ، طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ ) وَقَالَ : ( مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ 344 فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) إِلَى أَمْصَارِكُمْ ، الشَّاةُ تُجْزِئُ ، فَجَمَعُوا بَيْنَ نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ ، قَالَ اللَّهُ : ( ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) .
وَقَوْلُهُ : إِلَى أَمْصَارِكُمْ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا .
وَعَنْ جَابِرٍ .. . .
وَأَيْضًا : فَإِنَّ الرُّجُوعَ الْمُطْلَقَ إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْوَطَنِ لَكِنَّ تَأْخِيرَ الصَّوْمِ إِلَى مِصْرِهِ رُخْصَةٌ كَمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَطَاءٍ : ( وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) قَالَ : " هِيَ رُخْصَةٌ إِنْ شَاءَ صَامَ فِي الطَّرِيقِ وَإِنْ شَاءَ إِذَا قَدِمَ إِلَى مَنْزِلَهِ " .
وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ : " هِيَ رُخْصَةٌ " .
345 وَرَوَى الْأَشَجُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ " قَالَ : "إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ فَعَلَ فَإِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ " ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) لَمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَتَمَّ ، كَانَ التَّأْخِيرُ إِلَى حَالِ الْإِقَامَةِ رُخْصَةً ، وَكَذَلِكَ : صَوْمُ السَّبْعَةِ إِنَّمَا سَبَبُهُ الْمُتْعَةُ وَهِيَ قَدْ تَمَّتْ بِمَكَّةَ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَاجُّ مُسَافِرًا ، وَالصَّوْمُ يَشُقُّ : جَوَّزَ لَهُ الشَّرْعُ التَّأْخِيرَ إِلَى أَنْ يَقْدُمَ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّ الْحَجِيجَ إِذَا صَدَرُوا مِنْ مِنًى : فَقَدْ شَرَعُوا فِي الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِمْ ، فَإِنَّ عَرَفَاتٍ وَمِنًى : هِيَ مُنْتَهَى سَفَرِهِمْ ، فَالْمُصْدَرُ عَنْهَا قُفُولٌ مِنْ سَفَرِهِمْ وَرُجُوعٌ إِلَى أَوْطَانِهِمْ ، وَمُقَامُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ ، أَوِ الْمَدِينَةِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا ، كَمَا يَعْرِضُ لِسَائِرِ الْمُسَافِرِينَ مِنَ الْمُقَامِ . وَالْأَفْعَالُ الْمُمْتَدَّةُ مِثْلُ الْحَجِّ وَالرُّجُوعِ وَنَحْوِهِ : يَقَعُ الِاسْمُ عَلَى الْمُتَلَبِّسِ بِهِ إِذَا شَرَعَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَنَاوَلُ الِاسْمَ عَلَى التَّمَامِ إِلَّا إِذَا قَضَاهُ .
يُبَيِّنُ هَذَا : أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ وَلَا بِحَالٍ دُونَ حَالٍ ، فَلَوْ قِيلَ : لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ بِالطَّرِيقِ ، أَوْ بِمَكَّةَ : لَكَانَ مَنْعًا لِلصَّوْمِ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْهُودٍ مِنَ الشَّرْعِ وَلَا مَعْنًى تَحْتَهُ .
وَأَيْضًا : فَعِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ صَوْمَ السَّبْعَةِ قَدْ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ بِمَكَّةَ ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ ؛ فَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَصُمِ السَّبْعَةَ أَيَّامٍ يُطْعَمُ عَنْهُ بِمَكَّةَ مَوْضِعَ وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ صَوْمٍ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ : فَلَهُ الْبِدَارُ إِلَى فِعْلِهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ .
346 وَدَلِيلُ وُجُوبِهِ : أَنَّهُ وَجَبَ بَدَلًا عَنِ الْهَدْيِ ، وَالْبَدَلُ لَا يَتَأَخَّرُ وُجُوبُهُ عَنْ وُجُوبِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ .
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُؤَخِّرَ صَوْمَهَا إِلَى أَنْ يَقْدَمَ ؛ لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِالرُّخْصَةِ ، وَخُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ ، كَمَا قُلْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَأَوْلَى إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ . فَإِنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يَصُومُهُ مُقِيمًا فِي غَيْرِ وَطَنِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث