شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
الصفحة 414 · ص. المطبوع 503 · الشرح
مَسْأَلَةٌ : ( وَيَكُونُ رَاكِبًا )
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ : أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْكَوْنِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا ، أَوْ قَاعِدًا ، أَوْ مُضْطَجِعًا ، أَوْ مَاشِيًا ، لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ لِلْوُقُوفِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْأَثْرَمِ وَهُوَ مَنْصُوصٌ ... وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي ; قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قُلْتُ 503 لِأَحْمَدَ : رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ سُنَّةٌ ، وَالْوُقُوفُ عَلَى الْأَقْدَامِ رُخْصَةٌ ، فَكَيْفَ تَقُولُ فِي هَذَا ؟ قَالَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ وَقَفَ وَهُوَ رَاكِبٌ .
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَافَقَ مَالِكًا ، وَاحْتَجَّ لَهُ ; لِأَنَّ ۝ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ رَاكِبًا ، وَلَا يَفْعَلُ إِلَّا الْأَفْضَلَ ، وَقَدْ قَالَ : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " وَكَذَلِكَ ...
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الرَّاجِلُ أَفْضَلُ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ مَاشِيًا أَفْضَلُ ، كَذَلِكَ يَجِيءُ عَنْهُ فِي الْوُقُوفِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ : سَأَلْتُهُ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ رَاكِبًا فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رُخْصَةٌ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ ، قَالَ : لِأَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ وَالْمَنَاسِكِ عَلَى ذَلِكَ ; يَعْنِي مِنَ الطَّوَافِ ، وَالسَّعْيِ ، وَالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَبِمِنًى ، وَإِنَّمَا وَقَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِبًا لِيَرَى النَّاسَ وَيَرَوْهُ .
فَعَلَى هَذَا يَقِفُ الْإِمَامُ رَاكِبًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ : وُقُوفُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ أَوْلَى .
504 لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَنِ الْمَرْكُوبِ ، وَتَوَاضُعًا لِلَّهِ بِالنُّزُولِ إِلَى الْأَرْضِ .
فَعَلَى هَذَا إِذَا أُعْيِيَ مِنَ الْقِيَامِ فَهَلْ يَكُونُ قُعُودُهُ أَفْضَلَ ؟ ... .
وَقِيلَ : هُمَا سَوَاءٌ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ : أَيُّهُمَا أَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا ؟ فَتَوَقَّفَ .
وَمَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ قَالَ : الْوُقُوفُ يَطُولُ زَمَانُهُ ، وَالْوَاقِفُ عَلَى رِجْلَيْهِ يُعْيَى وَيَكِلُّ ، وَذَلِكَ يُضْجِرُهُ عَنِ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث