شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
الصفحة 457 · ص. المطبوع 583 · الشرح
( فَصْلٌ )
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ كُلِّ طَوَافٍ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَفِي غَيْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ :
أَحَدُهَا : النِّيَّةُ ، وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، فَلَوْ دَارَ حَوْلَ الْبَيْتِ طَالِبًا لِرَجُلٍ ، أَوْ مُتَرَوِّحًا بِالْمَشْيِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَوَافًا ، كَمَا لَوْ أَمْسَكَ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ ، وَلَمْ يَقْصِدِ الصَّوْمَ ، أَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ وَلَبَّى ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْإِحْرَامَ ، وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَقِرٌّ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودَةِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ، وَهَذَا لَمْ يَنْوِ الْعِبَادَةَ .
الشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مِنَ الْحَدَثِ ، فَلَوْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا ، أَوْ حَائِضًا : لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ الطَّوَافِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، بَلْ هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ 583 يُؤْمَرَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَرَامِ حَرَامٌ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ "أَنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، ۝ عَنْ أَبِي بَكْرٍ : "أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَعَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، فَوَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ، ثُمَّ تُهِلَّ بِالْحَجِّ ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ" رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
584 ۝ وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى جِئْنَا سَرَفَ ، فَطَمِثْتُ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ ، قَالَ : مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" ، وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ۝ " فَاقْضِ مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي" ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ "الْحَائِضُ تَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ" .
وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ فِي ۝ حَدِيثِ عَائِشَةَ : أَنَّهَا حَاضَتْ لَمَّا قَدِمَتْ مَكَّةَ مَنَعَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الطَّوَافِ ، وَأَمَرَهَا بِالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ ، وَطَافَتْ لَمَّا رَجَعَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ ، ثُمَّ اعْتَمَرَتْ بَعْدَ الصَّدْرِ مِنْ مِنًى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ - أَيْضًا - فِي ۝ حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أَنَّهَا حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "عَقْرَى حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا" ثُمَّ قَالَ لَهَا : " أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : فَانْفِرِي" ، وَرَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ مِنْ غَيْرِ وَدَاعٍ ، وَلَوْ كَانَ لِلْحَائِضِ سَبِيلٌ إِلَى الطَّوَافِ بِجُبْرَانٍ ، أَوْ غَيْرِ جُبْرَانٍ لَمْ يَحْبِسِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِهَا ، بَلْ أَمَرَهَا بِالطَّوَافِ بِجُبْرَانٍ لَوْ كَانَ جَائِزًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ جَائِزًا لَمْ يُسْقِطْ عَنْهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ ، بَلْ أَمَرَهَا بِهِ وَبِجُبْرَانِهِ .
585 وَعَنْ عَائِشَةَ : ۝ " أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ : أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ رَجُلٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ "أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا الطَّوَافُ صَلَاةٌ ، فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ ، فَلَا يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِخَيْرٍ" قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا .
فَقَدْ جَعَلَهُ صَلَاةً ، وَمِثْلَ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي إِبَاحَةِ النُّطْقِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُسَاوِي الصَّلَاةَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنَ الطَّهَارَتَيْنِ وَالزِّينَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، إِذْ لَوْ فَارَقَهَا فِي غَيْرِ الْكَلَامِ لَوَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهُ ، فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَ هَذِهِ الصُّورَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ ، وَإِذَا دَخَلَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ ، فَدُخُولُ سَائِرِ الصُّوَرِ أَوْكَدُ .
وَعَلَى هَذَا فَالْمُحْدِثُ يُمْنَعُ مِنْهُ كَمَا يُمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ .
586 وَأَمَّا الْجُنُبُ : فَيُمْنَعُ مِنْهُ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ مِنَ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَانِعَ يَزُولُ عَنْهُ إِذَا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ . وَالْحَائِضُ تُمْنَعُ مِنْهُ لِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ إِلَّا إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا ، وَتَوَضَّأَتْ ، فَإِنَّمَا تُمْنَعُ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ عَلَى . . . ، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ "غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ ، تَوَضَّأَتْ أَوْ لَمْ تَتَوَضَّأْ ، وَالْجُنُبُ مِثْلُهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ يُبَاحُ لَهُمَا الْمَسْجِدُ ، لَكِنَّ الْحَائِضَ وَالْجُنُبَ دُخُو.... يُمْنَعَانِ مِنْهَا كَمَا يُمْنَعَانِ مِنَ الِاعْتِكَافِ .
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - : ۝ لَا يَطُوفُ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ إِلَّا طَاهِرًا ، وَالتَّطَوُّعُ أَيْسَرُ ، وَلَا يَقِفُ مَشَاهِدَ الْحَجِّ إِلَّا طَاهِرًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث