المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
الصفحة 1032 · ص. المطبوع 356 · الشرح
( فَرْعٌ ) لَوْ وَهَبَ الْمَاءَ الصَّالِحَ لِطَهَارَتِهِ فِي الْوَقْتِ لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِعَطَشٍ وَنَحْوِهِ أَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِ حَاجَتِهِ إلَى ثَمَنِهِ ، فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَجْهَانِ 356 مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ ، حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ . قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا : أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الْهِبَةُ ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ حَرَامٌ فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا ، فَهُوَ كَالْعَاجِزِ حِسًّا ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَالصَّيْدَلَانِيّ ، وَالثَّانِي : يَصِحَّانِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَهُوَ الْأَقْيَسُ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْمَنْعُ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي الْعَقْدِ ، وَاخْتَارَ الشَّاشِيُّ هَذَا ، وَقَالَ : الْأَوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْفَرْضِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْهِبَةِ ، كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ فَأَعْتَقَهَا لَا عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ وَهَبَهَا ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ فَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْنَا تَصْحِيحَهُ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ : هَذَانِ الْوَجْهَانِ يُشْبِهَانِ مَا لَوْ وَهَبَ رَجُلٌ لِلْوَالِي شَيْئًا تَطَوُّعًا عَلَى طَرِيقِ الرِّشْوَةِ هَلْ يَمْلِكُهُ ؟ مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ الْمِلْكَ لِلْمَعْصِيَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ وَقَالَ : هُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ وَهِبَتُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَحُكْمُ الْإِعَادَةِ مَا سَبَقَ فِي الْإِرَاقَةِ لِغَيْرِ غَرَضٍ ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ . وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنَّهُ لَا إعَادَةَ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ . وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ مَا دَامَ الْمَاءُ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي ، وَعَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهُ إنْ قَدَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ . وَشَذَّ الدَّارِمِيُّ فَحَكَى فِي الْإِعَادَةِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْإِرَاقَةِ سَفَهًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْمَاءَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَلَيْسَ كَالْمَغْصُوبِ ; لِأَنَّ هَذَا مُقَصِّرٌ بِتَسْلِيمِهِ ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ فَفِي الْإِعَادَةِ الْوَجْهَانِ فِي الْإِرَاقَةِ ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْإِعَادَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِرَاقَةِ وَبَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ فَفِي قَدْرِ مَا يُعِيدُهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ : تَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي فُوِّتَ الْمَاءُ فِي وَقْتِهَا ، وَلَا يَجِبُ غَيْرُهَا ; لِأَنَّ مَا سِوَاهَا فُوِّتَ الْمَاءُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَلَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا . وَالثَّانِي : يَجِبُ إعَادَةُ مَا يُؤَدِّيهِ غَالِبًا بِوُضُوئِهِ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : هَذَا الْوَجْهُ عِنْدِي فِي حُكْمِ الْغَفْلَةِ وَالْغَلَطِ . وَالثَّالِثُ : تَجِبُ إعَادَةُ كُلِّ مَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ إلَى أَنْ أَحْدَثَ ، حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ .
وَهَذَا الْوَجْهُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَيْسَا بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ قَائِلَهُمَا أَنْ يَقُولَ : مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَحْدَثَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَتَيَمَّمَ أَعَادَ . قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ : وَإِذَا أَرَادَ الْإِعَادَةَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْوَقْتِ 357 بِالتَّيَمُّمِ ، بَلْ يُؤَخِّرُ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يَصْبِرُ إلَى حَالَةٍ يَصِحُّ فِيهَا التَّيَمُّمُ بِلَا إعَادَةٍ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَوْبٌ فَحَرَقَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي إرَاقَةِ الْمَاءِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ .
( فَرْعٌ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا قُلْنَا : لَا يَصِحُّ هِبَةُ هَذَا الْمَاءِ اسْتَرَدَّهُ الْوَاهِبُ ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الضَّمَانِ ، وَمَا لَا ضَمَانَ فِي صَحِيحِهِ لَا ضَمَانَ فِي فَاسِدِهِ ، كَذَا قَطَعَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَصْحَابُ الْبَحْرِ وَالْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ . وَانْفَرَدَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ : إنْ أَتْلَفَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ضَمِنَهُ ، وَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ فَوَجْهَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث