المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
الصفحة 1182 · ص. المطبوع 563 · الشرح
فَصْلٌ فِي أَشْيَاءَ أُنْكِرَتْ عَلَى الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ مِنْ الْوَسِيطِ مِنْهَا قَوْلُهُ : أَمَّا حُكْمُ الْحَيْضِ فَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ : ( الْأَوَّلُ ) : كُلُّ مَا يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ ( الثَّانِي ) : الِاعْتِكَافُ ، ( الثَّالِثُ ) : الصَّوْمُ ، ( الرَّابِعُ ) : الْجِمَاعُ ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ يُطْلِقُهَا لِلْحَصْرِ ، وَلَيْسَ حُكْمُ الْحَيْضِ مُنْحَصِرًا فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ ، بَلْ لَهُ أَحْكَامٌ أُخَرُ ، مِنْهَا بُطْلَانُ الطَّهَارَةِ وَامْتِنَاعُ صِحَّتِهَا ، وَوُجُوبُ الْغُسْلِ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ، إمَّا بِالِانْقِطَاعِ وَإِمَّا بِخُرُوجِهِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ، وَمِنْهَا حُصُولُ الِاسْتِبْرَاءِ وَالْبُلُوغُ بِهِ وَتَحْرِيمُ الطَّلَاقِ وَسُقُوطُ فَرْضِ الصَّلَاةِ ، وَعَدَمُ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ ، وَمَنْعُ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَمِنْهَا تَحْرِيمُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا 563 فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ : { ۝ وَنَالَ مِنِّي مَا يَنَالُ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ إلَّا مَا تَحْتَ الْإِزَارِ } هَذِهِ الزِّيَادَةُ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ وَهِيَ مَوْضِعُ الِاسْتِدْلَالِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيثُ تُغْنِي عَنْهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الثَّانِي فَرْعَانِ : ( الْأَوَّلُ ) الْمُبْتَدَأَةُ إذَا رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ ، فَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي نُحَيِّضُهَا خَمْسَةً ; لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَثَبْتَ لَهَا عَادَةً .
هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُوهِمُ خِلَافَ الصَّوَابِ ، فَمُرَادُهُ أَنَّهَا رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ ثُمَّ رَأَتْ الشَّهْرَ الثَّانِيَ سَوَادًا مُسْتَمِرًّا فَتَرُدُّ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي إلَى الْخَمْسَةِ وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ فِي التَّمْيِيزِ بِمَرَّةٍ عَلَى اخْتِيَارِهِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُوَضَّحَةً فِي فَصْلِ الْمُمَيِّزَةِ .
أَمَّا إذَا رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَإِنَّ حَيْضَهَا خَمْسَةُ السَّوَادِ وَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْحُمْرَةِ طُهْرًا ، وَإِنْ اسْتَمَرَّتْ سَنَةً وَأَكْثَرَ كَمَا سَبَقَ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : لِقَوْلِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ " كُنَّا لَا نَعْتَدُّ بِالصُّفْرَةِ " وَالْمَعْرُوفُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ أُمِّ عَطِيَّةَ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ : تُرَدُّ إلَى أَوَّلِ الْأَهِلَّةِ فَإِنَّهَا مَبَادِئُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، هَذَا مِمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِأَوَائِلِ الْأَهِلَّةِ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : إنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْأَخْذِ بِأَسْوَأِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي أُمُورٍ .
( الثَّالِثُ ) : الِاعْتِدَادُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، هَذَا مَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الِاعْتِدَادَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَيْسَ مِنْ أَسْوَأِ الِاحْتِمَالَاتِ ، بَلْ الْأَسْوَأُ صَبْرُهَا إلَى سِنِّ الْيَأْسِ ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ هُوَ فِي كِتَابِ الْعِدَّةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ فِي صَلَاةٍ لَا تُفْسِدُ مَا مَضَى ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : لِأَنَّ الطَّرَآنَ ، وَيُمْكِنُ تَكَلُّفُ وَجْهٍ لِمَا ذَكَرَهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الرَّابِعِ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ بَعْدَهُ إلَى آخِرِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ يُحْتَمَلُ الْحَيْضُ ، هَكَذَا وَقَعَ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، وَصَوَابُهُ إلَى قُبَيْلِ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الثَّلَاثِينَ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ إذَا قَالَتْ أَضْلَلْتُ خَمْسَةً فِي شَهْرٍ فَإِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ تَصُومُهُ كُلُّهُ ثُمَّ تَقْضِي خَمْسَةً هَكَذَا قَالَ وَكَذَا قَالَهُ الْفُورَانِيُّ وَكَأَنَّ الْغَزَالِيَّ أَخَذَهُ مِنْ كِتَابِ الْفُورَانِيِّ عَلَى عَادَتِهِ وَهُوَ غَلَطٌ ، وَصَوَابُهُ تَقْضِي سِتَّةً لِاحْتِمَالِ الطَّرَآنِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ بِنَاءً 564 عَلَى طَرِيقَتِهِ ، وَطَرِيقَةِ جُمْهُورِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يُفْسِدُ عَلَى الْمُتَحَيِّرَةِ مِنْ رَمَضَانَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بَابِ التَّلْفِيقِ : لَوْ حَاضَتْ عَشْرًا وَطَهُرَتْ خَمْسَ سِنِينَ فَدَوْرُهَا تِسْعُونَ يَوْمًا ; لِأَنَّهُ اكْتَفَى بِهِ فِي عِدَّةِ الْآيِسَةِ ، فَلَوْ تَصَوَّرَ أَنْ يَزِيدَ الدَّوْرُ عَلَيْهِ لَمَا اكْتَفَى بِهِ ، هَذَا مِمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَكَيْفَ يُقَالُ : لَا تُتَصَوَّرُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُتَصَوَّرٌ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِهِ ; لِأَنَّهُ الْغَالِبُ ، وَنَحْنُ لَا نَكْتَفِي فِي الْمُتَحَيِّرَةِ بِالْغَالِبِ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الثَّانِيَةِ الْمُبْتَدَأَةِ : إذَا رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً وَصَامَتْ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَجَاوَزَ دَمُهَا ، وَفِي مَرَدِّهَا قَوْلَانِ ، فَإِنْ رَدَّتْ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَحَيْضُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ثُمَّ لَا يَلْزَمُهَا إلَّا قَضَاءُ تِسْعَةِ أَيَّامٍ ; لِأَنَّهَا صَامَتْ سَبْعَةً فِي أَيَّامِ النَّقَاءِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ النَّقَاءُ لَمَا لَزِمَهَا إلَّا سِتَّةَ عَشَرَ ، فَإِذَا احْتَسَبْنَا سَبْعَةً مِنْهَا بَقِيَ تِسْعَةٌ هَذَا مِمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ فِيهِ أَشْيَاءَ .
قَوْلُهُ : تِسْعَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَصَوَابُهُ ثَمَانِيَةٌ ، وَقَوْلُهُ : سِتَّةَ عَشَرَ ، وَصَوَابُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَإِنَّهَا صَامَتْ سَبْعَةً فَاَلَّذِي بَقِيَ ثَمَانِيَةٌ ، فَإِنَّ الطَّرَآنِ وَسَطَ النَّهَارِ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا وَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الصَّوَابِ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الرَّابِعَةِ النَّاسِيَةِ ، فِي الْمُتَحَيِّرَةِ الَّتِي تَقَطَّعَ دَمُهَا يَوْمًا وَيَوْمًا أَنَّهَا عَلَى قَوْلِ السَّحْبِ إذَا أَمَرْنَاهَا بِالِاحْتِيَاطِ حُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ أَطْبَقَ الدَّمُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا تُفَارِقُهَا فِي أَنَّا لَا نَأْمُرُهَا بِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ فِي وَقْتِ النَّقَاءِ ، وَلَا بِتَجْدِيدِ الْغُسْلِ .
هَذَا مِمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ عِنْدَ إطْبَاقِ الدَّمِ مَأْمُورَةٌ بِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ ، فَإِنَّ هَذِهِ تُفَارِقُهَا فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَتْ الْمُتَحَيِّرَةُ مَأْمُورَةً بِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَإِنَّمَا تُؤْمَرُ بِتَجْدِيدِ الْغُسْلِ ; فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : تُفَارِقُهَا فِي الْأَمْرِ بِتَجْدِيدِ الْغُسْلِ ، وَكَذَلِكَ لَا تُؤْمَرُ بِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِ بَابِ النِّفَاسِ : إذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ فَرَأَتْ دَمًا ، ثُمَّ انْقَطَعَ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ عَادَ ، فَالْعَائِدُ حَيْضٌ أَوْ نِفَاسٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، فَإِذَا قُلْنَا : نِفَاسٌ وَرَأَيْنَا تَرْكَ التَّلْفِيقِ فَالْأَشْهَرُ أَنَّ مُدَّةَ النَّقَاءِ حَيْضٌ ، وَصَوَابُهُ نِفَاسٌ كَذَا قَالَ هُنَا وَفِي الْبَسِيطِ ، وَكَذَا قَالَ شَيْخُهُ فِي النِّهَايَةِ : الْأَشْهَرُ أَنَّ مُدَّةَ النَّقَاءِ حَيْضٌ وَصَوَابُهُ نِفَاسٌ . وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي مَوَاضِعِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث