المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثالث
الصفحة 1693 · ص. المطبوع 233 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْأَذَانِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ ) احْتِرَازٌ مِنْ الْمُنْفَرِدِ فَإِنَّهُ يَقُومُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُقِيمُ قَائِمًا ، وَقَوْلُهُ ( لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلدُّخُولِ ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الدُّخُولُ فِيهَا 233 قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْإِقَامَةِ لَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الدُّخُولُ ، فَإِنَّهَا يَصِحُّ الدُّخُولُ فِيهَا فِي أَثْنَاءِ الْإِقَامَةِ وَقَبْلَهَا ، وَقَوْلُهُ : ( وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ) يَعْنِي الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ ، لِلدُّخُولِ ; لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَابَعَهُ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ وَلَا يُتَابِعُهُ إلَّا قَبْلَ الدُّخُولِ .
( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَقُومَا حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَا [ قِيَامًا ] مُتَّصِلًا بِفَرَاغِهِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ : إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ نَهَضَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُونَ . فَإِذَا قَالَ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ كَبَّرَ وَكَبَّرُوا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إذَا قِيلَ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَثَبَ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو قِلَابَةَ وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ وَالزُّهْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ يَقُومُونَ إلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ بُدُوِّهِ مِنْ الْإِقَامَةِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ . وَكَانَ مَالِكُ لَا يُؤَقِّتُ فِيهِ شَيْئًا ، هَذَا مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَوَافَقَنَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ الْإِمَامُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ أَنْ بِلَالًا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : { ۝ كَانَ بِلَالٌ إذَا قَالَ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ نَهَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَلَمْ يُكَبِّرْ الْإِمَامُ يَكُونُ كَاذِبًا ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا الْمُحَدِّثُونَ مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يُشْرَعْ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ كَالْأَذَانِ . 234 وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ بِلَالٍ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحْسَنُهُمَا - وَهُوَ جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ وَالْمُحَقِّقِينَ - أَنَّهُ ضَعِيفٌ رُوِيَ مُرْسَلًا ، وَفِي رِوَايَةٍ مُسْنَدًا فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : قَالَ بِلَالٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَيَرْجِعُ الْحَدِيثُ إلَى أَنَّ بِلَالًا كَأَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ قَبْلَ تَأْمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ " .
وَالْجَوَابُ الثَّانِي جَوَابُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ طَلَب ذَلِكَ حِينَ عُرِضَ لَهُ حَاجَةٌ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمَهُّلَ لِيُدْرِكَ تَأْمِينَهُ ، الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَبَيْنَ آخِرِ الْإِقَامَةِ زَمَنًا يَسِيرًا جِدًّا يُمْكِنُهُ إتْمَامُ الْإِقَامَةِ وَإِدْرَاكُ أَوَّلِهَا بَلْ مَا قَبْلَهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ ثُمَّ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الْفَاتِحَةِ ، فَيَتَعَيَّنُ مَا قُلْنَاهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فَضَعِيفٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ . لَا يَرْوِيهِ إلَّا حَجَّاجُ بْنُ فَرُّوخَ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُضَعِّفُهُ ( قُلْتُ ) اتَّفَقُوا عَلَى جَرْحِ الْحَجَّاجِ هَذَا فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : لَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ . هُوَ شَيْخٌ مَجْهُولٌ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : مَتْرُوكٌ ، وَهَذِهِ أَوْضَحُ الْعِبَارَاتِ عِنْدَهُمْ ، وَفِي الْحَدِيثِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْعَوَّامَ بْنَ حَوْشَبٍ لَمْ يُدْرِكْ ابْنَ أَبِي أَوْفَى كَذَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا رِوَايَتُهُ عَنْ التَّابِعِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا فَجَوَابُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ قَدْ قَرُبَ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ فَهَكَذَا قَالَهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُحَدِّثُونَ ، وَهُوَ مَجَازٌ مُسْتَعْمَلٌ حَسَنٌ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أَيْ قَارَبْنَهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ { ۝ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ } أَيْ قَارَبَ التَّمَامَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلِأَنَّ مَا أَلْزَمُونَا بِهِ يَلْزَمُهُمْ عَلَى مُقْتَضَاهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَى قَوْلِهِ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ أَنْ لَا يَقُومَا حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي آخِرِ بَابِ الْأَذَانِ : يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ شَيْخًا بَطِيءَ النَّهْضَةِ أَنْ يَقُومَ عِنْدَ قَوْلِهِ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَلِسَرِيعِ النَّهْضَةِ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ الْفَرَاغِ لِيَسْتَوُوا قِيَامًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث