المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثالث
الصفحة 2037 · ص. المطبوع 535 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَلَفْظُهُ عِنْدَهُمَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِعَيْنِك عَلَيْك حَقًّا } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَرُوِيَا فِي الصَّحِيحَيْنِ هَذَا اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ فِي الْمُهَذَّبِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَقَعُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ وَاوٍ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ ، وَصَوَابُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا ، وَحَدِيثُهُ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : التَّهَجُّدُ أَصْلُهُ الصَّلَاةُ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ ، وقَوْله تَعَالَى : { كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ اللُّغَةِ : الْهُجُوعُ النَّوْمُ فِي اللَّيْلِ . 535 وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقِيلَ : إنَّ مَا صِلَةٌ . وَالْمَعْنَى كَانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ وَيُصَلُّونَ أَكْثَرَهُ ، وَقَلِيلٌ مَعْنَاهُ كَانَ اللَّيْلُ الَّذِي يَنَامُونَهُ كُلُّهُ قَلِيلًا ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ عَلَى قَلِيلًا أَيْ كَانُوا قَلِيلًا مِنْ النَّاسِ . ثُمَّ يُبْتَدَأُ مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ أَيْ لَا يَنَامُونَ شَيْئًا مِنْهُ وَضُعِّفَ هَذَا الْقَوْلُ . وَالْأَسْحَارُ جَمْعُ سَحَرٍ وَهُوَ آخِرُ اللَّيْلِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : السَّحَرُ السُّدُسُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ ، وَقَوْلُهُ " فَإِنْ جَزَّأَ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ " يُقَالُ : جَزَّأَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِهَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيْ قَسَّمَ .
( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَقِيَامُ اللَّيْلِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَقَدْ تَطَابَقَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ . وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ . قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ : وَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ بِلَا سَبَبٍ فِي اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي النَّهَارِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ قَسَمَ اللَّيْلَ نِصْفَيْنِ فَالنِّصْفُ الْآخِرُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ قَسَمَهُ أَثْلَاثًا مُسْتَوِيَةً فَالثُّلُثُ الْأَوْسَطُ أَفْضَلُهَا وَأَفْضَلُ مِنْهُ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ فِي صَلَاةِ دَاوُد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ . وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِمْ : الثُّلُثُ الْأَوْسَطُ أَفْضَلُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخِلَّ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَإِنْ قَلَّتْ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ كُلَّ اللَّيْلِ دَائِمًا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ ، فَإِنْ قِيلَ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَوْمِ الدَّهْرِ غَيْرَ أَيَّامِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ عِنْدَنَا ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كُلِّهِ دَائِمًا يَضُرُّ الْعَيْنَ وَسَائِرَ الْبَدَنِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي فِي اللَّيْلِ مَا فَاتَهُ مِنْ أَكْلِ النَّهَارِ وَلَا يُمْكِنُهُ نَوْمُ النَّهَارِ إذَا صَلَّى اللَّيْلَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ .
هَذَا حُكْمُ قِيَامِ اللَّيْلِ دَائِمًا فَأَمَّا بَعْضُ اللَّيَالِي فَلَا يُكْرَهُ إحْيَاؤُهَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ كَانَ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَحْيَا اللَّيْلَ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى إحْيَاءِ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ ، } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث