المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَحَدِيثُ مَوْلَى أَنَسٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَأَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ يُقَالُ : أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَغَمَّضَهَا - بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ - وَفِي الرُّوحِ لُغَتَانِ ، التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ ( وَقَوْلُهُ ) يُسَجَّى أَيْ يُغَطَّى ( وَقَوْلُهُ ) بِثَوْبِ حِبَرَةٍ ، هُوَ بِإِضَافَةِ حَدِيثٍ إلَى حِبَرَةٍ ، وَهِيَ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ - نَوْعٌ مِنْ الْبُرُدِ ( قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) " نَفْسُ الْمُؤْمِنِ " قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ : نَفْسُ الْإِنْسَانِ لَهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ :
( أَحَدُهَا ) بَدَنُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
( الثَّانِي ) الدَّمُ فِي جَسَدِ الْحَيَوَانِ .
( الثَّالِثُ ) الرُّوحُ الَّذِي إذَا فَارَقَ الْبَدَنَ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ حَيَاةٌ .
قَالَ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : كَأَنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تُعَذَّبُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى يُؤَدَّى ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ نَفْسَهُ مُطَالَبَةٌ بِمَا عَلَيْهِ وَمَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ حَتَّى يُقْضَى لَا أَنَّهُ يُعَذَّبُ ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ خَلْفَهُ وَفَاءٌ وَأَوْصَى بِهِ ، وَقَوْلُهُ " الْأَيِّمُ " هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا ، بِكْرًا كَانَتْ أَمْ ثَيِّبًا . وَقَوْلُهُ " فُجْأَةً " أَيْ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا نَزْعٍ وَنَحْوِهِ ، وَفِيهَا لُغَتَانِ أَفْصَحُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَبِالْمَدِّ ، الثَّانِيَةُ فَجْأَةٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ . 109 أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَالَ الْأَصْحَابُ : يُسْتَحَبُّ إذَا مَاتَ أَنْ يُغَمَّضَ عَيْنَاهُ وَتُشَدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ تَجْمَعُهُمَا ، ثُمَّ يَرْبِطَ فَوْقَ رَأْسِهِ وَيُلَيِّنَ مَفَاصِلَهُ ، فَيَمُدَّ سَاعِدَهُ إلَى عَضُدِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ وَيَرُدَّ سَاقَهُ إلَى فَخِذِهِ ، وَفَخِذَهُ إلَى بَطْنِهِ ، وَيَرُدَّهُمَا وَيُلَيِّنَ أَصَابِعَهُ وَيَخْلَعَ ثِيَابَهُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يُرَى بَدَنُهُ ، ثُمَّ يَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ وَلَا يَجْمَعَ عَلَيْهِ أَطْبَاقَ الثِّيَابِ ، وَيَجْعَلَ طَرَفَ هَذَا الثَّوْبِ تَحْتَ رَأْسِهِ ، وَطَرَفَهُ الْآخَرَ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ وَيُوضَعَ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ كَسَرِيرٍ وَلَوْحٍ وَنَحْوِهِمَا وَيُوضَعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ كَسَيْفٍ أَوْ مِرْآةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْحَدِيدِ ، فَإِنْ عُدِمَ فَطِينٌ رَطْبٌ ، وَلَا يُجْعَلَ عَلَيْهِ مُصْحَفٌ ، وَيَسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ كَالْمُحْتَضَرِ ، وَيَتَوَلَّى هَذِهِ الْأُمُورَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ بِأَسْهَلِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ . قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : وَيَتَوَلَّاهَا الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ مَحْرَمٌ مِنْ النِّسَاءِ ، أَوْ تَوَلَّاهَا أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ مَحْرَمٌ مِنْ الرِّجَالِ جَازَ وَيُسَارِعُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ وَالتَّوَصُّلِ إلَى إبْرَائِهِ مِنْهُ . هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ قُضِيَ الدَّيْنُ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُبَاعُ سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَحْتَالُوا عَلَيْهِ لِيَصِيرَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ وَلِيِّهِ وَتَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ ، هَذَا لَفْظُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَنَحْوُهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ لِلْمَحَامِلِيِّ ، وَالْعُدَّةِ لِلطَّبَرِيِّ ، وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي آخِرِ بَابِ الْقَوْلِ عِنْدَ الدَّفْنِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَأْخِرُ سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ وَإِرْضَاؤُهُمْ مِنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، هَذَا نَصُّهُ وَهُوَ نَحْوُ مَا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ ، وَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَرَاضِيهِمْ عَلَى مَصِيرِهِ فِي ذِمَّةِ الْوَلِيِّ يَبْرَأُ الْمَيِّتُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِرِضَاءِ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانًا فَكَيْفَ يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ثُمَّ يُطَالَبُ الضَّامِنُ . ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ لَمَّا ضَمِنَ الدَّيْنَ عَنْ الْمَيِّتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ } " حِينَ وَفَّاهُ لَا حِينَ ضَمِنَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ رَأَوْا هَذِهِ الْحَوَالَةَ جَائِزَةً مُبَرِّئَةً لِلْمَيِّتِ فِي الْحَالِ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
110 قَالَ الْأَصْحَابُ : وَيُبَادَرُ أَيْضًا بِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ وَبِتَجْهِيزِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ الْمُبَادَرَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْجِنَازَةِ ، فَإِنْ مَاتَ فُجْأَةً لَمْ يُبَادَرْ بِتَجْهِيزِهِ لِئَلَّا تَكُونَ بِهِ سَكْتَةٌ وَلَمْ يَمُتْ ، بَلْ يُتْرَكُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لِلْمَوْتِ عَلَامَاتٌ ، وَهِيَ أَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ وَيَنْفَصِلَ زَنْدَاهُ ، وَيَمِيلَ أَنْفُهُ وَتَمْتَدَّ جِلْدَةُ وَجْهِهِ ، زَادَ الْأَصْحَابُ وَأَنْ يَنْخَسِفَ صُدْغَاهُ ، وَزَادَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ، وَتَتَقَلَّصَ خُصْيَاهُ مَعَ تَدَلِّي الْجِلْدَةِ ، فَإِذَا ظَهَرَ هَذَا عُلِمَ مَوْتُهُ ، فَيُبَادَرُ حِينَئِذٍ إلَى تَجْهِيزِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَأَمَّا إذَا مَاتَ مَصْعُوقًا أَوْ غَرِيقًا أَوْ حَرِيقًا ، أَوْ خَافَ مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ ، أَوْ فِي بِئْرٍ فَمَاتَ ، فَإِنَّهُ لَا يُبَادَرُ بِهِ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ فَيُتْرَكُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ، حَتَّى يُخْشَى فَسَادُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ انْطَبَقَ حَلْقُهُ أَوْ غَلَبَ الْمِرَارُ عَلَيْهِ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ " هَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ صَحِيحٌ ، فَإِذَا مَاتَ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ أَوْ أَمْثَالِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَادَرَ بِهِ ، وَيَجِبُ تَرْكُهُ وَالتَّأَنِّي بِهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ، لِئَلَّا يَكُونَ مُغْمًى عَلَيْهِ ، أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا يَجُوزُ دَفْنُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ " . هَذَا آخِرُ كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : تَحَقُّقُ الْمَوْتِ يَكُونُ بِتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ وَغَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَحَدُهَا ) بَدَنُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
( الثَّانِي ) الدَّمُ فِي جَسَدِ الْحَيَوَانِ .
( الثَّالِثُ ) الرُّوحُ الَّذِي إذَا فَارَقَ الْبَدَنَ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ حَيَاةٌ .
قَالَ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : كَأَنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تُعَذَّبُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى يُؤَدَّى ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ نَفْسَهُ مُطَالَبَةٌ بِمَا عَلَيْهِ وَمَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ حَتَّى يُقْضَى لَا أَنَّهُ يُعَذَّبُ ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ خَلْفَهُ وَفَاءٌ وَأَوْصَى بِهِ ، وَقَوْلُهُ " الْأَيِّمُ " هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا ، بِكْرًا كَانَتْ أَمْ ثَيِّبًا . وَقَوْلُهُ " فُجْأَةً " أَيْ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا نَزْعٍ وَنَحْوِهِ ، وَفِيهَا لُغَتَانِ أَفْصَحُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَبِالْمَدِّ ، الثَّانِيَةُ فَجْأَةٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ . 109 أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَالَ الْأَصْحَابُ : يُسْتَحَبُّ إذَا مَاتَ أَنْ يُغَمَّضَ عَيْنَاهُ وَتُشَدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ تَجْمَعُهُمَا ، ثُمَّ يَرْبِطَ فَوْقَ رَأْسِهِ وَيُلَيِّنَ مَفَاصِلَهُ ، فَيَمُدَّ سَاعِدَهُ إلَى عَضُدِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ وَيَرُدَّ سَاقَهُ إلَى فَخِذِهِ ، وَفَخِذَهُ إلَى بَطْنِهِ ، وَيَرُدَّهُمَا وَيُلَيِّنَ أَصَابِعَهُ وَيَخْلَعَ ثِيَابَهُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يُرَى بَدَنُهُ ، ثُمَّ يَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ وَلَا يَجْمَعَ عَلَيْهِ أَطْبَاقَ الثِّيَابِ ، وَيَجْعَلَ طَرَفَ هَذَا الثَّوْبِ تَحْتَ رَأْسِهِ ، وَطَرَفَهُ الْآخَرَ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ وَيُوضَعَ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ كَسَرِيرٍ وَلَوْحٍ وَنَحْوِهِمَا وَيُوضَعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ كَسَيْفٍ أَوْ مِرْآةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْحَدِيدِ ، فَإِنْ عُدِمَ فَطِينٌ رَطْبٌ ، وَلَا يُجْعَلَ عَلَيْهِ مُصْحَفٌ ، وَيَسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ كَالْمُحْتَضَرِ ، وَيَتَوَلَّى هَذِهِ الْأُمُورَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ بِأَسْهَلِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ . قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : وَيَتَوَلَّاهَا الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ مَحْرَمٌ مِنْ النِّسَاءِ ، أَوْ تَوَلَّاهَا أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ مَحْرَمٌ مِنْ الرِّجَالِ جَازَ وَيُسَارِعُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ وَالتَّوَصُّلِ إلَى إبْرَائِهِ مِنْهُ . هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ قُضِيَ الدَّيْنُ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُبَاعُ سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَحْتَالُوا عَلَيْهِ لِيَصِيرَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ وَلِيِّهِ وَتَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ ، هَذَا لَفْظُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَنَحْوُهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ لِلْمَحَامِلِيِّ ، وَالْعُدَّةِ لِلطَّبَرِيِّ ، وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي آخِرِ بَابِ الْقَوْلِ عِنْدَ الدَّفْنِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَأْخِرُ سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ وَإِرْضَاؤُهُمْ مِنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، هَذَا نَصُّهُ وَهُوَ نَحْوُ مَا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ ، وَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَرَاضِيهِمْ عَلَى مَصِيرِهِ فِي ذِمَّةِ الْوَلِيِّ يَبْرَأُ الْمَيِّتُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِرِضَاءِ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانًا فَكَيْفَ يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ثُمَّ يُطَالَبُ الضَّامِنُ . ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ لَمَّا ضَمِنَ الدَّيْنَ عَنْ الْمَيِّتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ } " حِينَ وَفَّاهُ لَا حِينَ ضَمِنَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ رَأَوْا هَذِهِ الْحَوَالَةَ جَائِزَةً مُبَرِّئَةً لِلْمَيِّتِ فِي الْحَالِ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
110 قَالَ الْأَصْحَابُ : وَيُبَادَرُ أَيْضًا بِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ وَبِتَجْهِيزِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ الْمُبَادَرَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْجِنَازَةِ ، فَإِنْ مَاتَ فُجْأَةً لَمْ يُبَادَرْ بِتَجْهِيزِهِ لِئَلَّا تَكُونَ بِهِ سَكْتَةٌ وَلَمْ يَمُتْ ، بَلْ يُتْرَكُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لِلْمَوْتِ عَلَامَاتٌ ، وَهِيَ أَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ وَيَنْفَصِلَ زَنْدَاهُ ، وَيَمِيلَ أَنْفُهُ وَتَمْتَدَّ جِلْدَةُ وَجْهِهِ ، زَادَ الْأَصْحَابُ وَأَنْ يَنْخَسِفَ صُدْغَاهُ ، وَزَادَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ، وَتَتَقَلَّصَ خُصْيَاهُ مَعَ تَدَلِّي الْجِلْدَةِ ، فَإِذَا ظَهَرَ هَذَا عُلِمَ مَوْتُهُ ، فَيُبَادَرُ حِينَئِذٍ إلَى تَجْهِيزِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَأَمَّا إذَا مَاتَ مَصْعُوقًا أَوْ غَرِيقًا أَوْ حَرِيقًا ، أَوْ خَافَ مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ ، أَوْ فِي بِئْرٍ فَمَاتَ ، فَإِنَّهُ لَا يُبَادَرُ بِهِ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ فَيُتْرَكُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ، حَتَّى يُخْشَى فَسَادُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ انْطَبَقَ حَلْقُهُ أَوْ غَلَبَ الْمِرَارُ عَلَيْهِ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ " هَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ صَحِيحٌ ، فَإِذَا مَاتَ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ أَوْ أَمْثَالِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَادَرَ بِهِ ، وَيَجِبُ تَرْكُهُ وَالتَّأَنِّي بِهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ، لِئَلَّا يَكُونَ مُغْمًى عَلَيْهِ ، أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا يَجُوزُ دَفْنُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ " . هَذَا آخِرُ كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : تَحَقُّقُ الْمَوْتِ يَكُونُ بِتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ وَغَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث