المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
الصفحة 2945 · ص. المطبوع 128 · الشرح
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْلِسَهُ إجْلَاسًا رَفِيقًا ، وَيَمْسَحَ بَطْنَهُ مَسْحًا بَلِيغًا ، لِمَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ " تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَغَسَّلَهُ ابْنُ عُمَرَ فَنَفَضَهُ نَفْضًا شَدِيدًا ، وَعَصَرَهُ عَصْرًا شَدِيدًا ، ثُمَّ غَسَّلَهُ " وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ . فَإِذَا لَمْ يَعْصِرْهُ قَبْلَ الْغُسْلِ خَرَجَ بَعْدَهُ ، وَرُبَّمَا خَرَجَ بَعْدَمَا كُفِّنَ فَيُفْسِدُ الْكَفَنَ ، وَكُلَّمَا أَمَرَّ الْيَدَ عَلَى الْبَطْنِ صَبَّ عَلَيْهِ مَاءً كَثِيرًا ، حَتَّى إنْ خَرَجَ شَيْءٌ لَمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ ، ثُمَّ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ أَسَافِلَهُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ إذَا أَرَادَ الْغُسْلَ ، ثُمَّ يُوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ الْحَيُّ لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ قَالَتْ " { ۝ لَمَّا غَسَّلْنَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ 128 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا : ابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ } لِأَنَّ الْحَيَّ يَتَوَضَّأُ إذَا أَرَادَ الْغُسْلَ ، وَيُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِي فِيهِ ، وَيُسَوِّكُ بِهَا أَسْنَانَهُ ، وَلَا يَفْغَرُ فَاهُ ، وَيَتَتَبَّعُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ - إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ - وَيَكُونُ ذَلِكَ بِعُودٍ لَيِّنٍ لَا يَجْرَحُهُ ، ثُمَّ يَغْسِلُهُ ، وَيَكُونُ كَالْمُنْحَدِرِ قَلِيلًا حَتَّى لَا يَجْتَمِعَ الْمَاءُ تَحْتَهُ فَيَسْتَنْقِعَ فِيهِ وَيُفْسِدَ بَدَنَهُ ، وَيُغَسِّلُهُ ثَلَاثًا كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ فِي وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ فَيَبْدَأُ بِرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ ، فَإِنْ كَانَتْ اللِّحْيَةُ مُتَلَبِّدَةً سَرَّحَهَا حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْجَمِيعِ ، وَيَكُونَ بِمُشْطٍ مُنْفَرِجِ الْأَسْنَانِ وَيُمَشِّطُهُ بِرِفْقٍ حَتَّى لَا يَنْتِفَ شَعْرَهُ ، ثُمَّ يُغَسِّلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى رِجْلِهِ ، ثُمَّ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى رِجْلِهِ ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ، فَيَغْسِلُ جَانِبَ ظَهْرِهِ كَذَلِكَ لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ .
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْغَسْلَةُ الْأُولَى بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } وَلِأَنَّ السِّدْرَ يُنَظِّفُ الْجِسْمَ ; ثُمَّ يُغَسَّلُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَيَجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { ۝ إذَا كَانَ فِي آخِرِ غَسْلَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ أَوْ غَيْرِهَا فَاجْعَلِي فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ } وَلِأَنَّ الْكَافُورَ يُقَوِّيهِ ، وَهَلْ يُحْتَسَبُ الْغُسْلُ بِالسِّدْرِ مِنْ الثَّلَاثِ أَمْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : يَعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ غُسْلٌ بِمَا لَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ ، وَمَنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَيْهِ السِّدْرُ ، فَعَلَى هَذَا يُغَسَّلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أُخَرَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَالْوَاجِبُ مِنْهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا قُلْنَا فِي الْوُضُوءِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَاهَدَ إمْرَارَ الْيَدِ عَلَى الْبَطْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، فَإِنْ غَسَّلَ الثَّلَاثَ وَلَمْ يَتَنَظَّفْ زَادَ حَتَّى يَتَنَظَّفَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْعَلَهُ وِتْرًا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ، ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ } " وَالْفَرْضُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ النِّيَّةُ ، وَغُسْلُ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ أُعِيدَ تَلْيِينُ أَعْضَائِهِ وَيُنَشَّفُ بِثَوْبٍ لِأَنَّهُ إذَا كُفِّنَ وَهُوَ رَطْبٌ ابْتَلَّ الْكَفَنُ وَفَسَدَ وَإِنْ غُسِّلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ :
( أَحَدُهَا ) يَكْفِيه غَسْلُ الْمَوْضِعِ كَمَا لَوْ غَسَلَ ثُمَّ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِهِ .
( وَالثَّانِي ) يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ حَدَثٌ فَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ ، كَحَدَثِ الْحَيِّ .
( وَالثَّالِثُ ) يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ ، فَكَانَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ يُمِّمَ لِأَنَّهُ تَطْهِيرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِزَالَةِ عَيْنٍ ، فَانْتُقِلَ فِيهِ عِنْدَ الْعَجْزِ إلَى التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ) .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث