المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
الصفحة 3359 · ص. المطبوع 446 · الشرح
( فَصْلٌ ) إذَا اجْتَمَعَ فِي الشَّجَرِ الْوَاحِدِ أَوْ الزَّرْعِ الْوَاحِدِ السَّقْيُ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالنَّوَاضِحِ ، فَلَهُ حَالَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ يَزْرَعَ عَازِمًا عَلَى السَّقْيِ بِهِمَا ، فَيَنْظُرُ إنْ كَانَ نِصْفُ السَّقْيِ بِهَذَا وَنِصْفُهُ بِذَلِكَ ، فَطَرِيقَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الطَّرِيقِينَ : يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ .
( وَالثَّانِي ) : حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْعُشْرُ بِكَمَالِهِ عَلَى قَوْلِنَا فِيمَا إذَا تَفَاضَلَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ أَرْفَقُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَدَلِيلُهُ فِي 446 الْكِتَابِ ، فَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ . ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا ، ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَرَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْمُخْتَصَرِ : يُقَسَّطُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا ، ( وَالثَّانِي ) يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ .
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّقْسِيطِ وَكَانَ ثُلُثَا السَّقْيِ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالثُّلُثُ بِالنَّضْحِ وَجَبَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْعُشْرِ ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَغْلَبِ ، فَزَادَ السَّقْيُ بِمَاءِ السَّمَاءِ أَدْنَى زِيَادَةٍ وَجَبَ الْعُشْرُ ، وَإِنْ زَادَ الْآخَرُ أَدْنَى زِيَادَةٍ وَجَبَ نِصْفُ الْعُشْرِ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ ، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ يَجِبُ كُلُّ الْعُشْرِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَسَوَاءٌ قَسَّطْنَا أَمْ اعْتَبَرْنَا الْأَغْلَبَ ، فَهَلْ النَّظَرُ إلَى عَدَدِ السَّقْيَاتِ أَمْ غَيْرِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَفِي كُتُبِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ : ( أَحَدُهُمَا ) : يُقَسَّطُ عَلَى عَدَدِ السَّقْيَاتِ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَاوَرْدِيُّ ; لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَخْتَلِفُ بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ ، وَالْمُرَادُ السَّقْيَاتُ الْمُفِيدَةُ ، ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَحَّحَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابَيْهِ : أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَيْشِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ وَنَمَائِهِ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ : وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الثَّانِي بِالنَّظَرِ إلَى النَّفْعِ قَالُوا : وَقَدْ تَكُونُ سَقْيَةٌ أَنْفَعُ مِنْ سَقَيَاتٍ كَثِيرَةٍ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْعِبَارَتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ ، إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الثَّانِيَةِ لَا يَنْظُرُ إلَى الْمُدَّةِ بَلْ يُعْتَبَرُ النَّفْعُ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، وَصَاحِبُ الْعِبَارَةِ الْأُولَى يَعْتَبِرُ الْمُدَّةَ قَالَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَاعْتِبَارُ الْمُدَّةِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، قَالَ : وَذَكَرُوا فِي الْمِثَالِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْمُدَّةُ مِنْ يَوْمِ الزَّرْعِ إلَى يَوْمِ الْإِدْرَاكِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَاحْتَاجَ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ زَمَانَ الشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ إلَى سَقْيَتَيْنِ فَسَقَى فِيهِمَا بِمَاءِ السَّمَاءِ ، وَاحْتَاجَ فِي الصَّيْفِ فِي الشَّهْرَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ إلَى ثَلَاثِ سَقَيَاتٍ فَسُقِينَ بِالنَّضْحِ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا عَدَدَ السَّقْيَاتِ ، فَعَلَى قَوْلِ التَّقْسِيطِ : يَجِبُ خُمُسَا الْعُشْرِ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ نِصْفِ الْعُشْرِ ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْمُدَّةَ ، فَعَلَى قَوْلِ التَّقْسِيطِ يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ وَرُبْعُ نِصْفِ الْعُشْرِ ، وَعَلَى قَوْلِ اعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ يَجِبُ الْعُشْرُ ; لِأَنَّ مُدَّةَ السَّقْيِ بِمَاءِ السَّمَاءِ أَطْوَلُ . 447 وَلَوْ سَقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالنَّضْحِ جَمِيعًا وَجَهِلَ الْمِقْدَارَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ وَجَهِلَ أَيَّهُمَا هُوَ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ . وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَقَلُوهُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَطْبَقُوا عَلَيْهِ ، إلَّا ابْنَ كَجٍّ وَالدَّارِمِيَّ فَحَكَيَا وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَرَاءَةُ مِمَّا زَادَا ، وَإِلَّا صَاحِبَ الْحَاوِي فَقَالَ : إنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ وَجُهِلَتْ عَيْنُهُ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْأَغْلَبَ وَجَبَ نِصْفُ الْعُشْرِ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ . وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّقْسِيطِ ، فَالْوَاجِبُ يَنْقُصُ عَنْ الْعُشْرِ وَيَنْقُصُ عَنْ نِصْفِهِ ، فَيَأْخُذُ الْيَقِينَ وَيَقِفُ عَنْ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ . قَالَ : وَإِنْ شَكَكْنَا هَلْ اسْتَوَيَا أَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْغَالِبِ وَجَبَ نِصْفُ الْعُشْرِ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَإِنْ قَسَّطْنَا فَوَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ ( وَالثَّانِي ) : يَجِبُ زِيَادَةٌ عَلَى نِصْفِ الْعُشْرِ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ . هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
( الْحَالُ الثَّانِي ) يَزْرَعُ نَاوِيًا السَّقْيَ بِأَحَدِهِمَا ، ثُمَّ يَقَعُ الْآخَرُ ، فَهَلْ يُسْتَصْحَبُ حُكْمُ مَا نَوَاهُ أَوَّلًا ؟ أَمْ يُعْتَبَرُ الْحُكْمُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَالدَّارِمِيُّ وَآخَرُونَ ( أَصَحُّهُمَا ) وَأَشْهُرُهُمَا : يُعْتَبَرُ الْحُكْمُ ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ . وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْعِرَاقِيِّينَ . قَالُوا : وَعَلَى هَذَا فَفِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِهِمَا الْخِلَافُ السَّابِقُ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث