المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 3710 · ص. المطبوع 186 · الشرح
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : إنَّمَا يُعْطَى الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً صَحِيحَةً . أَمَّا الْفَاسِدَةُ فَلَا يُعْطَى بِهَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ فَإِنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ كَجٍّ وَالرَّافِعِيُّ .
( وَالثَّالِثَةُ ) إذَا حَلَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ نَجْمٌ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَفَاءٌ دُفِعَ إلَيْهِ وَفَاءً بِلَا خِلَافٍ . وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ لَمْ يُعْطَ ; لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَلَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ فَفِي إعْطَائِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ، وَقَلَّ مَنْ بَيَّنَ الْأَصَحَّ مِنْهُمَا مَعَ شُهْرَتِهِمَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْطَى ، صَحَّحَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
( الرَّابِعَةُ ) إذَا دُفِعَتْ إلَيْهِ الزَّكَاةُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ أَوْ عَجَّزَ نَفْسُهُ قَبْلَ دَفْعِ الْمَالِ إلَى السَّيِّدِ وَالْمَالُ بَاقٍ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ رَجَعَ الدَّافِعُ فِيهِ ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ . وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيمَا إذَا حَصَلَ الْعِتْقُ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْإِبْرَاءِ قَوْلَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِيهِمَا وَجْهَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَرْجِعُ ( وَالثَّانِي ) لَا يَرْجِعُ بَلْ يَبْقَى مِلْكًا لِلْمُكَاتَبِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي ، وَلَمْ أَرَ أَنَا فِي كِتَابِ الْمُتَوَلِّي تَرْجِيحًا لَهُ بَلْ ذَكَرَ وَجْهَيْنِ 186 مُطْلَقَيْنِ ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي طَرِيقَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) الرُّجُوعُ ( وَالثَّانِي ) عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَالصَّحِيحُ الْقَطْعُ بِالرُّجُوعِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَكَذَا الْحُكْمُ ، وَعَلَى هَذَا فَفَرْضُ الزَّكَاةِ بَاقٍ عَلَى الدَّافِعِ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى الْمُكَاتَبِ فَقَضَى مَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ كَسْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَبَقِيَ مَالُ الزَّكَاةِ فِي يَدِهِ ، وَكَذَا لَوْ قَضَاهُ أَجْنَبِيٌّ . قَالُوا : وَضَابِطُهُ أَنَّهُ مَتَى اسْتَغْنَى عَمَّا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَعَتَقَ وَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِهِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ ; لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا فِي يَدِهِ ، فَإِذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ ثُمَّ عَتَقَ فَطَرِيقَانِ ( الْمَذْهَبُ ) وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَا غُرْمَ وَوَقَعَتْ الزَّكَاةُ مَوْقِعَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّافِعِ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ : وَكَذَا لَوْ تَلِفَ بِإِتْلَافِهِ ، وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَغْرَمُهُ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْعِتْقِ ، وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا فِيمَا إذَا أَتْلَفَهُ الْمُكَاتَبُ ، هَذَا إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْعِتْقِ ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا غُرْمُهُ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ بِالْعِتْقِ صَارَ مَالًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ فِي يَدِهِ فَإِذَا تَلِفَ غَرِمَهُ ، هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا أُعْتِقَ فَأَمَّا إذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ وَالْمَالُ بَاقٍ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ثُمَّ عَجَّزَ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَأَشَارَ الْبَغَوِيّ إلَى الْقَطْعِ بِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَعَلَى هَذَا فَفِي الْأَمَالِي لِلسَّرَخْسِيِّ أَنَّ الضَّامِنَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ لَا بِرَقَبَتِهِ ; لِأَنَّ الْمَالَ حَصَلَ عِنْدَهُ بِرِضَى صَاحِبِهِ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَحَلُّهُ الذِّمَّةُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ ، قَالَ : وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ ( قُلْتُ ) : الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، هَذَا كُلُّهُ فِي مَالٍ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى السَّيِّدِ ، فَلَوْ سَلَّمَهُ إلَى السَّيِّدِ وَبَقِيَتْ فَعَجَّزَهُ السَّيِّدُ بِهَا وَفَسَخَ الْكِتَابَةَ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ، وَهَكَذَا حَكَاهُمَا الْجُمْهُورُ وَجْهَيْنِ ، وَحَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ قَوْلَيْنِ ، وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ حَكَاهُمَا قَوْلَيْنِ . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَصَحَّهُمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى السَّيِّدِ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَوْ كَانَ قَدْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) : يَرْجِعُ فِيهِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا يَرْجِعُ بِبَدَلِهِ وَيَكُونُ فَرْضُ الزَّكَاةِ بَاقِيًا عَلَى الدَّافِعِ ، وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ وَقَدْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الدَّافِعِ ، 187 وَلَوْ نَقَلَ السَّيِّدُ الْمِلْكَ فِي الْمَقْبُوضِ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ الدَّافِعُ عَلَى السَّيِّدِ إذَا قُلْنَا بِالرُّجُوعِ ، وَلَوْ سَلَّمَ الْمُكَاتَبُ الْمَالَ إلَى السَّيِّدِ وَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : مُقْتَضَى الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْ السَّيِّدِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَهُ لِلْمَقْبُوضِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَعَيِّنٌ ، وَلَوْ لَمْ يُعَجِّزْ نَفْسَهُ وَاسْتَمَرَّ فِي الْكِتَابِ وَتَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَجْزَأَ عَنْ الدَّافِعِ بِلَا خِلَافٍ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَلَوْ قَبَضَ السَّيِّدُ الدَّيْنَ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَعَتَقَ ، وَالْغَرِيمُ مِنْ الْمَدِينِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ هِبَةً لَمْ يَرْجِعْ الدَّافِعُ عَلَيْهِمَا ، بَلْ أَجْزَأَهُ عَنْ الزَّكَاةِ ثُمَّ مَلَكَهُ هَذَا بِجِهَةٍ أُخْرَى ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ) إذَا ادَّعَى أَنَّهُ مُكَاتَبٌ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ عَدَمُ الْكِتَابَةِ مَعَ إمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ سَيِّدُهُ فَهَلْ يُقْبَلُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ يُقْبَلُ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ ، وَشَذَّ الْجُرْجَانِيُّ فَصَحَّحَ فِي التَّحْرِيرِ عَدَمَ الْقَبُولِ ، وَالصَّحِيحُ الْقَبُولُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُ الْآخَرُ مِنْ احْتِمَالِ الْمُوَاطَأَةِ فَضَعِيفٌ ; لِأَنَّ هَذَا الدَّفْعَ يَكُونُ مَرْعِيًا فِي حَقِّ السَّيِّدِ ، فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَإِلَّا اسْتَرْجَعَ الْمَالَ مِنْهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث