المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 4056 · ص. المطبوع 478 · الشرح
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : " لَا تَصُمْ الْيَوْمَ الَّذِي تَشُكُّ فِيهِ إذَا كَانَ فِيهِ سَحَابٌ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ " لَا بَأْسَ بِصَوْمِهِ إلَّا أَنْ يُغَمَّ الْهِلَالُ " . وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ : إنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : " لَا يُصَمْ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ " وَفِي رِوَايَةٍ " عَنْهُ لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا مَا صُمْتُ يَوْمَ الشَّكِّ " وَعَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ " لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا مَا صُمْتُ يَوْمَ الشَّكِّ " وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : مَا مِنْ يَوْمٍ أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَهُ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي يُقَالُ : إنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ وَأَبِي وَائِلٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ صَوْمَ الْيَوْمِ الَّذِي يُقَالُ : إنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ لَا أَتَعَمَّدُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَصِلُ بِهِ رَمَضَانَ أَتَعَمَّدُهُ ، وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَرِهَا صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ . قَالَ الْخَطِيبُ : وَذَكَرَ الْمُخَالِفُ شُبَهًا مِنْ الْقِيَاسِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ اعْتَمَدَ الْآثَارَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصٌّ يُخَالِفُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَيَحْرُمُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ 478 وَهُوَ إمَامُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ تَوَسُّعِهِ فِي الْقَضَاءِ بِالْقِيَاسِ : الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْسَنُ مِنْ بَعْضِ الْقِيَاسِ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَهُوَ إذَا قَابَلَ الْقِيَاسَ نَصٌّ يُخَالِفُهُ ، أَوْ كَانَ فَاسِدًا لِنَقْصٍ ، أَوْ مُعَارَضَةِ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ ، كَقِيَاسِ الْمُخَالِفِ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَوَاتِ يَوْمٍ ، فَهَذَا قِيَاسٌ بَاطِلٌ لِثُبُوتِ النَّصِّ بِخِلَافِهِ ; وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَجِبْ بِالشَّكِّ ، بَلْ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا شَغْلَ ذِمَّتِهِ بِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَشَكَكْنَا فِي بَرَاءَتِهِ مِنْهَا وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَلَا طَرِيقَ بِهِ إلَى الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ ، وَإِنَّمَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ يَوْمِ الشَّكِّ أَنْ يَشُكَّ هَلْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَمْ لَا ؟ فَلَا تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ بِالِاتِّفَاقِ ، بَلْ لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِيهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، قَالَ الْمُخَالِفِ : وَقِيَاسٌ آخَرُ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى مَا إذَا غُمَّ الْهِلَالُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَجِبُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
قَالَ الْخَطِيبُ : لَيْسَ بِهَذَا الْمُخَالِفُ مِنْ الْغَبَاوَةِ مَا يَنْتَهِي إلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَكِنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أَمْرًا أَلْجَأَهُ إلَيْهَا ، وَكَيْفَ اسْتَجَازَ أَنْ يَقُولَ : يَوْمُ الشَّكِّ أَحَدُ طَرَفَيْ الشَّهْرِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَلْزَمُهُ وَلَا يَسْلَمُ لَهُ ؟ ( فَإِنْ قَالَ ) بَنَيْتُهُ عَلَى أَصْلٍ ، قِيلَ لَهُ : وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَيَجِبُ اطِّرَاحُهُ ، وَيُقَالُ لَهُ : إنْ قُلْتَ : يَوْمُ الشَّكِّ أَحَدُ طَرَفَيْ رَمَضَانَ فَأْتِ بِحُجَّةٍ عَلَى ذَلِكَ وَهَيْهَاتَ السَّبِيلُ إلَى ذَلِكَ ، ( وَإِنْ قُلْتَ ) الشَّكُّ أَحَدُ طَرَفَيْ شَعْبَانَ ، ( قِيلَ ) أَصَبْتَ ، وَلَا يَجِبُ صَوْمُ شَعْبَانَ ، ( ثُمَّ يُقَالُ ) الْأَصْلُ بَقَاءُ شَعْبَانَ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ . قَالَ الْخَطِيبُ : قَالَ الْمُخَالِفُ : وَلَا يَمْتَنِعُ تَرْكُ الْأَصْلِ لِلِاحْتِيَاطِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ مَاسِحُ الْخُفِّ فِي انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ فَلَا يَمْسَحُ ، وَلَوْ شَكَّتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي انْقِطَاعِ الْحَيْضِ تَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ ، قَالَ الْخَطِيبُ : أَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فَسَبَقَ جَوَابُهَا ( وَأَمَّا ) مَاسِحُ الْخُفِّ فَشَرْطُ مَسْحِهِ بَقَاءُ الْمُدَّةِ فَإِذَا شَكَّ فِيهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ ، وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ( وَأَمَّا ) الْمُسْتَحَاضَةُ فَسَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلَاةُ بِسَبَبِ الْحَيْضِ ، فَإِذَا شَكَّتْ فِيهِ رَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ ، وَمُقْتَضَى هَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ لَا يَجِبَ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْخَطِيبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث