المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 4111 · ص. المطبوع 546 · الشرح
( الشَّرْحُ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : فَإِنْ مَرِضَ أَوْ أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ ، وَاعْتِكَافُهُ وَاجِبٌ فَإِذَا بَرَأَ أَوْ خُلِّيَ بَنَى ، فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَ بُرْئِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ابْتَدَأَهُ ، هَذَا نَصُّهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : الْمَرَضُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : ( أَحَدُهَا ) مَرَضٌ يَسِيرٌ لَا تَشُقُّ مَعَهُ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ كَصُدَاعٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالْعَيْنِ وَنَحْوِهَا ، فَلَا يَجُوزُ بِسَبَبِهِ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ نَذْرًا مُتَتَابِعًا ، فَإِنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ .
( الثَّانِي ) مَرَضٌ يَشُقُّ مَعَهُ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْفُرُشِ وَالْخَادِمِ ، وَتَرَدُّدِ الطَّبِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ ، فَإِذَا خَرَجَ فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَنْقَطِعُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ : هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ .
( وَالثَّانِي ) فِيهِ قَوْلَانِ ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَآخَرُونَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ هُمَا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ ، وَتَعْلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ .
( الثَّالِثُ ) مَرَضٌ يَخَافُ مَعَهُ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ كَانْطِلَاقِ الْبَطْنِ وَإِدْرَارِ الْبَوْلِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَنَحْوِهَا فَلَهُ الْخُرُوجُ ، وَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ طَرِيقَانِ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ : لَا يَنْقَطِعُ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ( وَالثَّانِي ) حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ قَوْلَانِ . أَمَّا إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الِاعْتِكَافِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَفَاقَ فَاعْتِكَافُهُ بَاقٍ لَا يَبْطُلُ . قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالْمَذْهَبُ أَنَّ زَمَانَ الْإِغْمَاءِ مَحْسُوبٌ مِنْ الِاعْتِكَافِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّائِمِ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْضَ النَّهَارِ . قَالَ : وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ ذَلِكَ الزَّمَانُ عَنْ الِاعْتِكَافِ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِنَا فِي الصَّائِمِ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَبْطُلُ ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ صَاحِبُ 546 الْحَاوِي . قَالَ : بِخِلَافِ مَا إذَا نَامَ الْمُعْتَكِفُ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ زَمَانُ نَوْمِهِ كَالْمُسْتَيْقِظِ فِي جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ . هَذَا إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ أَهْلُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَأَمَّا إذَا أَخْرَجُوهُ فَلَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِ ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ : هُوَ كَالْمَرِيضِ إنْ خِيفَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ مِنْهُ لَمْ يَبْطُلْ تَتَابُعُهُ بِالْإِخْرَاجِ وَإِلَّا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يَبْطُلُ ، أَمَّا إذَا جُنَّ فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ وَلِيُّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى أَفَاقَ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ . قَالَ الْمُتَوَلِّي : لَكِنْ لَا يُحْسَبُ زَمَانُ الْجُنُونِ مِنْ اعْتِكَافِهِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ أَدَاؤُهَا فِي حَالِ الْجُنُونِ ، عَنْ إخْرَاجِهِ الْمُوَلِّي - فَإِنْ كَانَ لَا سَبِيلَ إلَى حِفْظِهِ فِي الْمَسْجِدِ - لَمْ يُبْطِلْ تَتَابُعَ اعْتِكَافِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ حِفْظُهُ قَالَ الْمُتَوَلِّي : فَهُوَ كَالْمَرِيضِ فَيَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَاعِدَةِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِاخْتِيَارِهِ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالسَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ فِي الْجُنُونِ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ بَنَى ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ : إذَا أَرَادَ الْمُعْتَكِفُ الْخُرُوجَ لِلْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَأَخُّرُهُ جَازَ الْخُرُوجُ لَهُ ، وَإِلَّا فَلَا ، كَالْمَرَضِ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْخَفِيفِ وَغَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ . .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث