المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
( الشَّرْحُ ) قَوْلُهُ : مُبَاشَرَةٌ مُحَرَّمَةٌ احْتِرَازٌ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ ( وَقَوْلُهُ ) مُبَاشَرَةٌ لَا تُبْطِلُ الْحَجَّ احْتِرَازٌ مِنْ الْجِمَاعِ .
( أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ ) فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْمُبَاشَرَةُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِالْيَدِ وَالْقُبْلَةِ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ وَالْإِكْرَامِ ، أَوْ لِقُدُومِهَا مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ وَجَمِيعُ الْمُبَاشَرَاتِ بِالشَّهْوَةِ بِلَا خِلَافٍ ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى ذَلِكَ ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ . وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْعُدَّةِ : فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ مِنْ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَنَحْوِهِمَا فَهَلْ يَحْرُمُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فَغَلَطٌ مِنْهُ ، وَالصَّوَابُ الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِهَا ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي إفْسَادِ الِاعْتِكَافِ بِهَا ، وَكَلَامُهُ فِي تَفْرِيعِ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِفْسَادِ ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ سَبْقُ قَلَمٍ . وَقَرِيبٌ مِنْ عِبَارَتِهِ عِبَارَةُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : فِي مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ كَالْقُبْلَةِ وَالْمُعَانَقَةِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَحْرُمُ وَيُفْسِدُ كَمَا فِي الْحَجِّ ( وَالثَّانِي ) لَا ، كَمَا فِي الصَّوْمِ ، هَذَا لَفْظُهُ وَفِيهِ إنْكَارَانِ .
( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ أَوْهَمَ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي التَّحْرِيمِ ، وَالتَّحْرِيمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِفْسَادِ .
( وَالثَّانِي ) قَوْلُهُ : وَيُفْسِدُ كَمَا فِي الْحَجِّ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ مِنْ الْمُبَاشَرَاتِ ، وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ لِبَيَانِ الْغَلَطِ فِيهِمَا ، لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِمَا وَيُتَوَهَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فِي التَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ ذَاكِرًا لِلِاعْتِكَافِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَ جِمَاعُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ عِنْدَ خُرُوجِهِ ، لِقَضَاءِ 555 الْحَاجَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ ، وَقَدْ سَبَقَ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ إذَا جَامَعَ حَالَ خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ ، وَقَدْ سَبَقَ تَضْعِيفُهُ ، فَإِنْ جَامَعَ نَاسِيًا لِلِاعْتِكَافِ أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي نَظِيرِهِ فِي الصَّوْمِ ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ . وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يُفْسِدُهُ مِنْ الْوَطْءِ إلَّا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : مُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَفْسُدَ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ إذْ لَمْ نُوجِبْ فِيهِمَا الْحَدَّ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ عَجَبٌ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَشْهُورَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَفْسُدُ بِكُلِّ وَطْءٍ سَوَاءٌ الْمَرْأَةُ وَالْبَهِيمَةُ وَاللِّوَاطُ وَغَيْرُهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا .
( وَأَمَّا ) نَصُّ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالْمُبَاشَرَةِ بِالذَّكَرِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَا أَنَّهُ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْفَرْجِ ، وَكَلَامُ الْمُزَنِيِّ ثُمَّ أَصْحَابِنَا أَجْمَعِينَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ مُصَرِّحٌ بِمَا ذَكَرْتُهُ ، وَمَنْ أَطْرَفِ الْعَجَائِبِ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ هَذَا مَعَ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَتَفَذُّذِهِ فِي الْعُلُومِ مُطْلَقًا رَحِمَهُ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا إذَا لَمَسَ أَوْ قَبَّلَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِذَكَرِهِ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا ، فَفِيهِ نَصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ : اضْطَرَبَتْ النُّصُوصُ فِيهِ ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا طَرِيقَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) فِي فَسَادِ الِاعْتِكَافِ بِذَلِكَ قَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَفْسُدُ ( وَالثَّانِي ) لَا .
( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) إنْ أَنْزَلَ فَسَدَ وَإِلَّا فَلَا ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي الْعُدَّةِ طَرِيقًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ قَوْلًا وَاحِدًا ، كَمَا لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ ، قَالَ : وَهَذَا الْقَائِلُ تَأَوَّلَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِفْسَادِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُبَاشَرَةِ الْجِمَاعَ ، قَالَ : وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلَيْنِ اخْتَلَفُوا ( مِنْهُمْ ) مَنْ قَالَ : هُمَا إذَا أَنْزَلَ فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ قَطْعًا ( وَمِنْهُمْ ) مَنْ قَالَ : قَوْلَانِ سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَمْ لَا ، هَذَا نَقْلُ الطَّبَرِيِّ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : اللَّائِقُ بِالتَّحْقِيقِ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مَعَ الْإِنْزَالِ يَفْسُدُ بِهَا الِاعْتِكَافُ ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ ، قَالَ : وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلَيْنِ فِي الْمُبَاشَرَةِ مَعَ الْإِنْزَالِ ، قَالَ : وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي الْحِكَايَةِ وَلَا اتِّجَاهَ لَهُ أَصْلًا ، ثُمَّ قَالَ : وَظَاهِرُ اعْتِبَارِ فَسَادِ الِاعْتِكَافِ بِفَسَادِ الصَّوْمِ . 556 وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ ، وَصَاحِبُ الْبَيَانِ : الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ ، سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَمْ لَا . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَمْ لَا .
( وَالثَّانِي ) يَفْسُدُ أَنْزَلَ أَمْ لَا . قَالَ : وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : إنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَبْطُلْ ، وَإِنْ أَنْزَلَ فَقَوْلَانِ ، قَالَ الْقَاضِي : هَذَا غَلَطٌ لَا يُعْرَفُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَبَرَ الْإِنْزَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ كَالصَّوْمِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَبْطُلُ كَالصَّوْمِ ( وَالثَّانِي ) يَبْطُلُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَاشَرَةَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ لِعَيْنِهَا لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ ، وَالِاعْتِكَافُ كَالْحَجِّ ، وَلَيْسَتْ فِي الصَّوْمِ مُحَرَّمَةً لِعَيْنِهَا بَلْ لِخَوْفِ الْإِنْزَالِ ، فَإِذَا لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ . وَقَالَ الْبَغَوِيّ : أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فَسَادُ الِاعْتِكَافِ ، ثُمَّ قِيلَ : هُمَا إذَا لَمْ يُنْزِلْ فَإِنْ أَنْزَلَ فَسَدَ ، وَقِيلَ : هُمَا إذَا أَنْزَلَ وَإِلَّا فَلَا يَفْسُدُ ، وَقِيلَ : هُمَا فِي الْحَالَيْنِ .
وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ مِثْلَهُ ، لَكِنْ لَمْ يَنُصَّا عَلَى الْأَصَحِّ ، فَهَذِهِ طُرُقُ الْأَصْحَابِ وَمُخْتَصَرُهَا أَنَّ جُمْهُورَ الْعِرَاقِيِّينَ لَا يَعْتَبِرُونَ الْإِنْزَالَ ، وَاعْتَبَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالدَّارِمِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاهِيرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ كَمَا تَرَاهُ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ إنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَإِلَّا فَلَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا اسْتَمْنَى بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ أَنْزَلَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : إنْ قُلْنَا : إذَا لَمَسَ أَوْ قَبَّلَ فَأَنْزَلَ لَا يَبْطُلُ فَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَا فَوَجْهَانِ ، لِأَنَّ كَمَالَ اللَّذَّةِ بِاصْطِكَاكِ الْبَشَرَتَيْنِ وَالْأَصَحُّ الْبُطْلَانُ ، أَمَّا إذَا نَظَرَ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ قَطْعًا كَمَا سَبَقَ فِي الصَّوْمِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ هُنَا الدَّارِمِيُّ . وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْبَغَوِيّ : " كُلُّ مَوْضِعٍ لَزِمَ الْمُعْتَكِفَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ ، إمَّا بِاحْتِلَامٍ ، وَإِمَّا بِجِمَاعٍ نَاسِيًا أَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ وَأَنْزَلَ ، وَقُلْنَا : لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ فَمَكَثَ فِي الْمَسْجِدِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلِاغْتِسَالِ وَيَحْرُمُ الْمُكْثُ مَعَ التَّمَكُّنِ 557 مِنْ الْخُرُوجِ ، وَلَا يُحْسَبُ زَمَانُ الْجَنَابَةِ مِنْ الِاعْتِكَافِ ، وَكَذَلِكَ زَمَانُ السُّكْرِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ ، لِأَنَّهُمَا مَمْنُوعَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَقِيلَ : يُحْسَبُ لَهُمَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ عَاصٍ كَمَا لَوْ أَكَلَ حَرَامًا آخَرَ . وَقِيلَ : يُحْسَبُ زَمَانُ السُّكْرِ دُونَ زَمَانِ الْجَنَابَةِ ; لِأَنَّ عِصْيَانَ الْجُنُبِ لِلْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَعِصْيَانُ السَّكْرَانِ لِلشُّرْبِ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ . حَتَّى لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فَاعْتَكَفَهُ جُنُبًا لَا يُحْسَبُ لَهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فَقَرَأَهُ جُنُبًا لَا يُحْسَبُ لَهُ عَنْ نَذْرِهِ ; لِأَنَّ النَّذْرَ لِلْقُرْبَةِ ، وَمَا يَفْعَلُهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بَلْ مَعْصِيَةٌ . وَلَوْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ لَزِمَهَا الْخُرُوجُ فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ لَمْ يُحْسَبْ زَمَانُ الْحَيْضِ ، وَكَذَلِكَ إذَا ارْتَدَّ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَلْزَمُ الْجُنُبَ الْمُبَادَرَةُ بِالْغُسْلِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَاتِ ; لِكَيْ لَا يَبْطُلَ تَتَابُعُهُ ، قَالُوا : وَلَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلِاغْتِسَالِ ، سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِلْمَسْجِدِ وَلِمُرُوءَتِهِ .
( فَرْعٌ ) الْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ كَالرَّجُلِ الْمُعْتَكِفِ فِي تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ ، وَفِي إفْسَادِهِ بِهِمَا ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَالِمَةِ الذَّاكِرَةِ الْمُخْتَارَةِ ، وَالنَّاسِيَةِ وَالْجَاهِلَةِ وَالْمُكْرَهَةِ كَمَا سَبَقَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ عَنْ نَذْرٍ مُتَتَابِعٍ ذَاكِرًا لَهُ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَالزُّهْرِيَّ فَقَالَ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْوَاطِئِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : " وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ " قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : " أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ " وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ : عَلَيْهِ مَا عَلَى الْوَاطِئِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ ، وَعَنْ الْحَسَنِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يُعْتِقَ رَقَبَةً ، فَإِنْ عَجَزَ أَهْدَى بَدَنَةً ، فَإِنْ عَجَزَ تَصَدَّقَ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ . 558 فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي جِمَاعِ الْمُعْتَكِفِ نَاسِيًا . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ دَاوُد . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ : " يَفْسُدُ " دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ عَامٌّ عَلَى الْمُخْتَارِ فَيُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ ، إلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ وَغَيْرِهَا .
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ قَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِنَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ : إنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَإِلَّا فَلَا . وَقَالَ مَالِكٌ : يَبْطُلُ مُطْلَقًا . وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يَبْطُلُ مُطْلَقًا ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ ) فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْمُبَاشَرَةُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِالْيَدِ وَالْقُبْلَةِ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ وَالْإِكْرَامِ ، أَوْ لِقُدُومِهَا مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ وَجَمِيعُ الْمُبَاشَرَاتِ بِالشَّهْوَةِ بِلَا خِلَافٍ ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى ذَلِكَ ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ . وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْعُدَّةِ : فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ مِنْ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَنَحْوِهِمَا فَهَلْ يَحْرُمُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فَغَلَطٌ مِنْهُ ، وَالصَّوَابُ الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِهَا ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي إفْسَادِ الِاعْتِكَافِ بِهَا ، وَكَلَامُهُ فِي تَفْرِيعِ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِفْسَادِ ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ سَبْقُ قَلَمٍ . وَقَرِيبٌ مِنْ عِبَارَتِهِ عِبَارَةُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : فِي مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ كَالْقُبْلَةِ وَالْمُعَانَقَةِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَحْرُمُ وَيُفْسِدُ كَمَا فِي الْحَجِّ ( وَالثَّانِي ) لَا ، كَمَا فِي الصَّوْمِ ، هَذَا لَفْظُهُ وَفِيهِ إنْكَارَانِ .
( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ أَوْهَمَ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي التَّحْرِيمِ ، وَالتَّحْرِيمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِفْسَادِ .
( وَالثَّانِي ) قَوْلُهُ : وَيُفْسِدُ كَمَا فِي الْحَجِّ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ مِنْ الْمُبَاشَرَاتِ ، وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ لِبَيَانِ الْغَلَطِ فِيهِمَا ، لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِمَا وَيُتَوَهَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فِي التَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ ذَاكِرًا لِلِاعْتِكَافِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَ جِمَاعُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ عِنْدَ خُرُوجِهِ ، لِقَضَاءِ 555 الْحَاجَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ ، وَقَدْ سَبَقَ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ إذَا جَامَعَ حَالَ خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ ، وَقَدْ سَبَقَ تَضْعِيفُهُ ، فَإِنْ جَامَعَ نَاسِيًا لِلِاعْتِكَافِ أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي نَظِيرِهِ فِي الصَّوْمِ ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ . وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يُفْسِدُهُ مِنْ الْوَطْءِ إلَّا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : مُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَفْسُدَ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ إذْ لَمْ نُوجِبْ فِيهِمَا الْحَدَّ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ عَجَبٌ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَشْهُورَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَفْسُدُ بِكُلِّ وَطْءٍ سَوَاءٌ الْمَرْأَةُ وَالْبَهِيمَةُ وَاللِّوَاطُ وَغَيْرُهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا .
( وَأَمَّا ) نَصُّ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالْمُبَاشَرَةِ بِالذَّكَرِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَا أَنَّهُ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْفَرْجِ ، وَكَلَامُ الْمُزَنِيِّ ثُمَّ أَصْحَابِنَا أَجْمَعِينَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ مُصَرِّحٌ بِمَا ذَكَرْتُهُ ، وَمَنْ أَطْرَفِ الْعَجَائِبِ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ هَذَا مَعَ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَتَفَذُّذِهِ فِي الْعُلُومِ مُطْلَقًا رَحِمَهُ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا إذَا لَمَسَ أَوْ قَبَّلَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِذَكَرِهِ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا ، فَفِيهِ نَصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ : اضْطَرَبَتْ النُّصُوصُ فِيهِ ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا طَرِيقَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) فِي فَسَادِ الِاعْتِكَافِ بِذَلِكَ قَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَفْسُدُ ( وَالثَّانِي ) لَا .
( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) إنْ أَنْزَلَ فَسَدَ وَإِلَّا فَلَا ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي الْعُدَّةِ طَرِيقًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ قَوْلًا وَاحِدًا ، كَمَا لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ ، قَالَ : وَهَذَا الْقَائِلُ تَأَوَّلَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِفْسَادِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُبَاشَرَةِ الْجِمَاعَ ، قَالَ : وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلَيْنِ اخْتَلَفُوا ( مِنْهُمْ ) مَنْ قَالَ : هُمَا إذَا أَنْزَلَ فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ قَطْعًا ( وَمِنْهُمْ ) مَنْ قَالَ : قَوْلَانِ سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَمْ لَا ، هَذَا نَقْلُ الطَّبَرِيِّ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : اللَّائِقُ بِالتَّحْقِيقِ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مَعَ الْإِنْزَالِ يَفْسُدُ بِهَا الِاعْتِكَافُ ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ ، قَالَ : وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلَيْنِ فِي الْمُبَاشَرَةِ مَعَ الْإِنْزَالِ ، قَالَ : وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي الْحِكَايَةِ وَلَا اتِّجَاهَ لَهُ أَصْلًا ، ثُمَّ قَالَ : وَظَاهِرُ اعْتِبَارِ فَسَادِ الِاعْتِكَافِ بِفَسَادِ الصَّوْمِ . 556 وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ ، وَصَاحِبُ الْبَيَانِ : الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ ، سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَمْ لَا . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَمْ لَا .
( وَالثَّانِي ) يَفْسُدُ أَنْزَلَ أَمْ لَا . قَالَ : وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : إنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَبْطُلْ ، وَإِنْ أَنْزَلَ فَقَوْلَانِ ، قَالَ الْقَاضِي : هَذَا غَلَطٌ لَا يُعْرَفُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَبَرَ الْإِنْزَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ كَالصَّوْمِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَبْطُلُ كَالصَّوْمِ ( وَالثَّانِي ) يَبْطُلُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَاشَرَةَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ لِعَيْنِهَا لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ ، وَالِاعْتِكَافُ كَالْحَجِّ ، وَلَيْسَتْ فِي الصَّوْمِ مُحَرَّمَةً لِعَيْنِهَا بَلْ لِخَوْفِ الْإِنْزَالِ ، فَإِذَا لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ . وَقَالَ الْبَغَوِيّ : أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فَسَادُ الِاعْتِكَافِ ، ثُمَّ قِيلَ : هُمَا إذَا لَمْ يُنْزِلْ فَإِنْ أَنْزَلَ فَسَدَ ، وَقِيلَ : هُمَا إذَا أَنْزَلَ وَإِلَّا فَلَا يَفْسُدُ ، وَقِيلَ : هُمَا فِي الْحَالَيْنِ .
وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ مِثْلَهُ ، لَكِنْ لَمْ يَنُصَّا عَلَى الْأَصَحِّ ، فَهَذِهِ طُرُقُ الْأَصْحَابِ وَمُخْتَصَرُهَا أَنَّ جُمْهُورَ الْعِرَاقِيِّينَ لَا يَعْتَبِرُونَ الْإِنْزَالَ ، وَاعْتَبَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالدَّارِمِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاهِيرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ كَمَا تَرَاهُ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ إنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَإِلَّا فَلَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا اسْتَمْنَى بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ أَنْزَلَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : إنْ قُلْنَا : إذَا لَمَسَ أَوْ قَبَّلَ فَأَنْزَلَ لَا يَبْطُلُ فَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَا فَوَجْهَانِ ، لِأَنَّ كَمَالَ اللَّذَّةِ بِاصْطِكَاكِ الْبَشَرَتَيْنِ وَالْأَصَحُّ الْبُطْلَانُ ، أَمَّا إذَا نَظَرَ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ قَطْعًا كَمَا سَبَقَ فِي الصَّوْمِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ هُنَا الدَّارِمِيُّ . وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْبَغَوِيّ : " كُلُّ مَوْضِعٍ لَزِمَ الْمُعْتَكِفَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ ، إمَّا بِاحْتِلَامٍ ، وَإِمَّا بِجِمَاعٍ نَاسِيًا أَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ وَأَنْزَلَ ، وَقُلْنَا : لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ فَمَكَثَ فِي الْمَسْجِدِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلِاغْتِسَالِ وَيَحْرُمُ الْمُكْثُ مَعَ التَّمَكُّنِ 557 مِنْ الْخُرُوجِ ، وَلَا يُحْسَبُ زَمَانُ الْجَنَابَةِ مِنْ الِاعْتِكَافِ ، وَكَذَلِكَ زَمَانُ السُّكْرِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ ، لِأَنَّهُمَا مَمْنُوعَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَقِيلَ : يُحْسَبُ لَهُمَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ عَاصٍ كَمَا لَوْ أَكَلَ حَرَامًا آخَرَ . وَقِيلَ : يُحْسَبُ زَمَانُ السُّكْرِ دُونَ زَمَانِ الْجَنَابَةِ ; لِأَنَّ عِصْيَانَ الْجُنُبِ لِلْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَعِصْيَانُ السَّكْرَانِ لِلشُّرْبِ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ . حَتَّى لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فَاعْتَكَفَهُ جُنُبًا لَا يُحْسَبُ لَهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فَقَرَأَهُ جُنُبًا لَا يُحْسَبُ لَهُ عَنْ نَذْرِهِ ; لِأَنَّ النَّذْرَ لِلْقُرْبَةِ ، وَمَا يَفْعَلُهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بَلْ مَعْصِيَةٌ . وَلَوْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ لَزِمَهَا الْخُرُوجُ فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ لَمْ يُحْسَبْ زَمَانُ الْحَيْضِ ، وَكَذَلِكَ إذَا ارْتَدَّ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَلْزَمُ الْجُنُبَ الْمُبَادَرَةُ بِالْغُسْلِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَاتِ ; لِكَيْ لَا يَبْطُلَ تَتَابُعُهُ ، قَالُوا : وَلَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلِاغْتِسَالِ ، سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِلْمَسْجِدِ وَلِمُرُوءَتِهِ .
( فَرْعٌ ) الْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ كَالرَّجُلِ الْمُعْتَكِفِ فِي تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ ، وَفِي إفْسَادِهِ بِهِمَا ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَالِمَةِ الذَّاكِرَةِ الْمُخْتَارَةِ ، وَالنَّاسِيَةِ وَالْجَاهِلَةِ وَالْمُكْرَهَةِ كَمَا سَبَقَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ عَنْ نَذْرٍ مُتَتَابِعٍ ذَاكِرًا لَهُ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَالزُّهْرِيَّ فَقَالَ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْوَاطِئِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : " وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ " قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : " أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ " وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ : عَلَيْهِ مَا عَلَى الْوَاطِئِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ ، وَعَنْ الْحَسَنِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يُعْتِقَ رَقَبَةً ، فَإِنْ عَجَزَ أَهْدَى بَدَنَةً ، فَإِنْ عَجَزَ تَصَدَّقَ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ . 558 فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي جِمَاعِ الْمُعْتَكِفِ نَاسِيًا . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ دَاوُد . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ : " يَفْسُدُ " دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ عَامٌّ عَلَى الْمُخْتَارِ فَيُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ ، إلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ وَغَيْرِهَا .
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ قَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِنَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ : إنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَإِلَّا فَلَا . وَقَالَ مَالِكٌ : يَبْطُلُ مُطْلَقًا . وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يَبْطُلُ مُطْلَقًا ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث