المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
الصفحة 4296 · ص. المطبوع 134 · الشرح
( فَرْعٌ ) : فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ، لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِهِ عِنْدَنَا ، فَإِنْ أَحْرَمَ فِي غَيْرِهَا انْعَقَدَ عُمْرَةً ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحْمَدَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِهِ . وَقَالَ دَاوُد : لَا يَنْعَقِدُ وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ : يَجُوزُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَكِنْ يُكْرَهُ ، قَالُوا : فَأَمَّا الْأَعْمَالُ ، فَلَا تَجُوزُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ بِلَا خِلَافٍ ، وَاحْتُجَّ 134 لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } فَأَخْبَرَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْأَهِلَّةَ كُلَّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ; وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي إفْسَادِهَا ، فَلَمْ تُخَصَّ بِوَقْتٍ كَالْعُمْرَةِ ; وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ يَصِحُّ فِي زَمَانٍ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الْأَفْعَالِ فِيهِ ، وَهُوَ شَوَّالٌ ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ . قَالُوا : وَلِأَنَّ التَّوْقِيتَ ضَرْبَانِ تَوْقِيتُ مَكَان وَزَمَانٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ إحْرَامُهُ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ صَحَّ ، فَكَذَا الزَّمَانُ ، قَالُوا : وَأَجْمَعَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ انْعَقَدَ ، لَكِنْ اخْتَلَفْنَا هَلْ يَنْعَقِدُ حَجًّا أَمْ عُمْرَةً ؟ فَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدْ حَجًّا لَمَا انْعَقَدَ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } قَالُوا : وَتَقْدِيرُهُ : وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَفْعَالُ الْحَجِّ ; لِأَنَّ الْأَفْعَالَ لَا تَكُونُ فِي أَشْهُرٍ وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ ( فَإِنْ ) قَالُوا : قَدْ قَالَ الزَّجَّاجُ : قَالَ جُمْهُورُ أَهْلُ الْمَعَانِي وَالنَّحْوِيِّينَ : مَعْنَى الْآيَةِ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ( قُلْنَا ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ : لَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ ، وَفِي التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَائِدَةٌ ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى ( فَإِنْ قِيلَ : ) تَقْدِيرُ وَقْتِ الْإِحْرَامِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَهُ لَا يَصِحُّ كَالسَّعْيِ ، فَإِنَّهُ مُؤَقَّتٌ ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ تَقْدِيمِ السَّعْيِ ; لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَأْخِيرُ السَّعْيِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِهَا ( قُلْنَا : ) هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ ، وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِيَوْمِ الْعِيدِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ فِيهِ .
( فَإِنْ ) قَالُوا : نَحْنُ لَا نُجِيزُ الْحَجَّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ وَإِنَّمَا نُجِيزُ الْإِحْرَامَ بِهِ ، وَذَلِكَ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الْحَجِّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّ الْإِحْرَامَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْ الْحَجِّ - إلَّا أَنَّ الْمُحْرِمَ يَدْخُلُ بِهِ فِي الْحَجِّ ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ دَخَلَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِرِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : " سُئِلَ جَابِرٌ : أَهِلُّ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ؟ قَالَ : لَا " 135 رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " لَا يُحْرَمُ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِهِ ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ; وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ ، فَكَانَ الْإِحْرَامُ بِهَا مُؤَقَّتًا كَالصَّلَاةِ ; وَلِأَنَّهُ آخِرُ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةِ .
( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ } فَهُوَ أَنَّ الْأَشْهُرَ هُنَا مُجْمَلَةٌ ، فَوَجَبَ حَمْلَهَا عَلَى الْمُبَيَّنِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } مَعَ قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ مَجْهُولٌ عَلَى دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ( وَالثَّانِي ) : إنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ ، وَإِذَا أَخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ لَمْ يُعْمَلْ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ ( وَأَمَّا ) الْقِيَاسُ عَلَى الْعُمْرَةِ ( فَجَوَابُهُ ) أَنَّ أَفْعَالَهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ ، فَكَذَا إحْرَامُهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : إنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ يَصِحُّ فِي زَمَانٍ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الْأَفْعَالِ فِيهِ وَهُوَ شَوَّالٌ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ ( فَجَوَابُهُ ) مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ ( وَالثَّانِي ) : يُنْتَقَضُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا يَجُوزُ عَقِيبَ الزَّوَالِ ، وَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : التَّوْقِيتُ ضَرْبَانِ إلَى آخِرِهِ ، فَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى التَّوْقِيتِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ خَالَفْنَا ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزَّمَانُ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى صِحَّةِ إحْرَامِهِ ( فَجَوَابُهُ ) : إنَّمَا صَحَّ إحْرَامُهُ عِنْدَنَا بِالْعُمْرَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ ، وَنَظِيرُهُ إذَا أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ غَلَطًا يَصِحُّ نَفْلًا لَا ظُهْرًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث