المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَرْجِيحِ الْقِرَانِ بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِيهِ ، وَبِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وَمَشْهُورٌ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا : " إتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " وَبِحَدِيثِ الصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ السَّابِقِ ، وَقَوْلِ عُمَرَ لَهُ : " هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِحَدِيثِ وَادِي الْعَقِيقِ " وَقُلْ : لَبَّيْكَ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ " قَالُوا : وَلِأَنَّ الْمُفْرِدَ لَا دَمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ وَلَيْسَ هُوَ دَمُ جُبْرَانٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ حَرَامًا ، بَلْ دَمَ عِبَادَةٍ وَالْعِبَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُخْتَصَّةِ بِالْبَدَنِ ، قَالَ الْمُزَنِيّ : وَلِأَنَّ الْقَارِنَ مُسَارِعٌ إلَى الْعِبَادَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا ، قَالُوا : وَلِأَنَّ فِي الْقِرَانِ تَحْصِيلَ الْعُمْرَةِ فِي زَمَنِ الْحَجِّ وَهُوَ أَشْرَفُ .
( وَأَجَابَ ) أَصْحَابُنَا عَنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْقِرَانِ بِجَوَابَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ أَحَادِيثَ الْإِفْرَادِ أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا سَبَقَ ، ( وَالثَّانِي ) أَنَّ أَحَادِيثَ الْقِرَانِ مُؤَوَّلَةٌ كَمَا سَبَقَ ، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ لِلْجَمْعِ 160 بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ الْجَمْعِ وَالتَّأْوِيلِ ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِمَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قَرْنُهُمَا فِي الْفِعْلِ ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } ( وَأَمَّا ) مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فَمَعْنَاهُ الْإِحْرَامُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ كَرَاهَتُهُ لِلتَّمَتُّعِ وَأَمْرُهُ بِالْإِفْرَادِ .
( وَالْجَوَابُ ) عَنْ حَدِيثِ الصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّ عُمَرَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْقِرَانَ سُنَّةٌ ، أَيْ جَائِزٌ قَدْ أَذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ : إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ بَلْ الْمَعْرُوفُ عَنْ عُمَرَ تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ كَمَا سَبَقَ ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ حَدِيثِ وَادِي الْعَقِيقِ مِنْ وَجْهَيْنِ سَبَقَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ ذِكْرِهِ ، ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ الْقِرَانِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لَا فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ ، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ هَذَا ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ قَوْلِهِمْ : إنَّ الْقَارِنَ عَلَيْهِ دَمٌ ، وَهُوَ دَمُ نُسُكٍ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : بَلْ هُوَ عِنْدَنَا دَمُ جُبْرَانٍ عَلَى الصَّحِيحِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصِّيَامَ يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ ، وَلَوْ كَانَ دَمَ نُسُكٍ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ كَالْأُضْحِيَّةِ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : إنَّ الْقَارِنَ لَمْ يَفْعَلْ حَرَامًا فَلَيْسَ شَرْطَ وُجُوبِ دَمِ الْجُبْرَانِ أَنْ يَكُونَ فِي ارْتِكَابِ حَرَامٍ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي مَأْذُونٍ كَمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِلْأَذَى أَوْ لَبِسَ لِلْمَرَضِ أَوْ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، أَوْ أَكَلَ صَيْدًا لِمَجَاعَتِهِ أَوْ احْتَاجَ إلَى التَّدَاوِي بِطَيِّبٍ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّمُ وَلَمْ يَفْعَلْ حَرَامًا ، ( وَالْجَوَابُ ) عَمَّا قَالَ الْمُزَنِيّ : إنَّ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ لِمَعْنًى ، كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ وَعَلِمَ وُجُودَهُ أَوَاخِرَ الْوَقْتِ ، فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ ، وَكَتَأْخِيرِ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ صَلَاةِ الضُّحَى إلَى امْتِدَادِ النَّهَارِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلِأَنَّ الْإِفْرَادَ فِعْلُ كُلِّ عِبَادَةٍ وَحْدَهَا وَإِفْرَادُهَا بِوَقْتٍ فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَمْعِهِمَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : لِأَنَّ فِي الْقِرَانِ تَحْصُلُ الْعُمْرَةُ فِي زَمَنِ الْحَجِّ وَهُوَ أَشْرَفُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَيْسَ هُوَ أَشْرَفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمْرَةِ ، بَلْ رُخْصَةٌ فِي فِعْلِهَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا شَرَفُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَجَابَ ) أَصْحَابُنَا عَنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْقِرَانِ بِجَوَابَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ أَحَادِيثَ الْإِفْرَادِ أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا سَبَقَ ، ( وَالثَّانِي ) أَنَّ أَحَادِيثَ الْقِرَانِ مُؤَوَّلَةٌ كَمَا سَبَقَ ، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ لِلْجَمْعِ 160 بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ الْجَمْعِ وَالتَّأْوِيلِ ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِمَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قَرْنُهُمَا فِي الْفِعْلِ ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } ( وَأَمَّا ) مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فَمَعْنَاهُ الْإِحْرَامُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ كَرَاهَتُهُ لِلتَّمَتُّعِ وَأَمْرُهُ بِالْإِفْرَادِ .
( وَالْجَوَابُ ) عَنْ حَدِيثِ الصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّ عُمَرَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْقِرَانَ سُنَّةٌ ، أَيْ جَائِزٌ قَدْ أَذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ : إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ بَلْ الْمَعْرُوفُ عَنْ عُمَرَ تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ كَمَا سَبَقَ ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ حَدِيثِ وَادِي الْعَقِيقِ مِنْ وَجْهَيْنِ سَبَقَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ ذِكْرِهِ ، ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ الْقِرَانِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لَا فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ ، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ هَذَا ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ قَوْلِهِمْ : إنَّ الْقَارِنَ عَلَيْهِ دَمٌ ، وَهُوَ دَمُ نُسُكٍ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : بَلْ هُوَ عِنْدَنَا دَمُ جُبْرَانٍ عَلَى الصَّحِيحِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصِّيَامَ يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ ، وَلَوْ كَانَ دَمَ نُسُكٍ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ كَالْأُضْحِيَّةِ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : إنَّ الْقَارِنَ لَمْ يَفْعَلْ حَرَامًا فَلَيْسَ شَرْطَ وُجُوبِ دَمِ الْجُبْرَانِ أَنْ يَكُونَ فِي ارْتِكَابِ حَرَامٍ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي مَأْذُونٍ كَمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِلْأَذَى أَوْ لَبِسَ لِلْمَرَضِ أَوْ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، أَوْ أَكَلَ صَيْدًا لِمَجَاعَتِهِ أَوْ احْتَاجَ إلَى التَّدَاوِي بِطَيِّبٍ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّمُ وَلَمْ يَفْعَلْ حَرَامًا ، ( وَالْجَوَابُ ) عَمَّا قَالَ الْمُزَنِيّ : إنَّ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ لِمَعْنًى ، كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ وَعَلِمَ وُجُودَهُ أَوَاخِرَ الْوَقْتِ ، فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ ، وَكَتَأْخِيرِ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ صَلَاةِ الضُّحَى إلَى امْتِدَادِ النَّهَارِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلِأَنَّ الْإِفْرَادَ فِعْلُ كُلِّ عِبَادَةٍ وَحْدَهَا وَإِفْرَادُهَا بِوَقْتٍ فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَمْعِهِمَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : لِأَنَّ فِي الْقِرَانِ تَحْصُلُ الْعُمْرَةُ فِي زَمَنِ الْحَجِّ وَهُوَ أَشْرَفُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَيْسَ هُوَ أَشْرَفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمْرَةِ ، بَلْ رُخْصَةٌ فِي فِعْلِهَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا شَرَفُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث