المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
( الشَّرْحُ )
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ : ( مِنْهَا ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : { أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارَ وَحْشٍ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ } وَفِي رِوَايَةٍ { رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ } وَفِي رِوَايَةٍ : { عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا } وَفِي رِوَايَةٍ : { شِقَّ حِمَارِ وَحْشٍ } وَفِي رِوَايَةٍ : { عُضْوًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ } هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ : 325 بَابُ إذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ ثُمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ : حِمَارًا وَحْشِيًّا فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا الْحِمَارَ كَانَ حَيًّا وَحَكَى هَذَا أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ ( فَالصَّوَابُ ) أَنَّهُ إنَّمَا أَهْدَى بَعْضَ لَحْمِ صَيْدٍ لِأَكْلِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ : حِمَارًا وَحْشِيًّا وَحِمَارَ وَحْشٍ مَجَازًا أَيْ بَعْضَ حِمَارٍ وَيَكُونُ رَدُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَوْ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ اصْطَادَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الِاصْطِيَادَ لَهُ لَقَبِلَهُ مِنْهُ فَإِنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ الَّذِي صَادَهُ الْحَلَالُ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا صِيدَ لَهُ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا ( فَإِنْ قِيلَ ) : فَإِنَّمَا عَلَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُمْ حُرُمٌ ( قُلْنَا ) : لَا تَمْنَعُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ كَوْنَهُ صِيدَ لَهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلَى الْإِنْسَانِ إذَا صِيدَ لَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُحْرِمًا فَبَيَّنَ الشَّرْطَ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ وَسَأَبْسُطُ الْكَلَامَ فِي إيضَاحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانِ طُرُقِهِ وَمَا يُوَافِقُهُ وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ فَالصَّعْبُ - بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَجَثَّامَةُ - بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ - ( وَقَوْلُهُ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ } هُوَ - بِرَفْعِ الدَّالِ - عَلَى الصَّوَابِ الْمَعْرُوفِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَغَلَبَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ فَتْحُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي التَّهْذِيبِ وَشَرْحِ مُسْلِمٍ ( وَقَوْلُهُ ) : لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَمَلَّكُ بِهِ الصَّيْدُ إنَّمَا قَالَ : يُتَمَلَّكُ وَلَمْ يَقُلْ : يُمْلَكُ لِيَحْتَرِزَ عَنْ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِهِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُمْلَكُ بِهِ الصَّيْدُ وَلَا يُقَالُ فِي الْإِرْثِ : يُتَمَلَّكُ إنَّمَا يُقَالُ : يُمْلَكُ ; لِأَنَّهُ مِلْكٌ قَهْرِيٌّ ( قَوْلُهُ ) : لِأَنَّهُ مَعْنًى لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ يَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُ فَحَرُمَتْ اسْتِدَامَتُهُ كَلُبْسِ الْمَخِيطِ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ : لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ مِنْ 326 النِّكَاحِ وَبِقَوْلِهِ : يَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ لُبْسِ مَا سِوَى الْمَخِيطِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُنْتَقَضَةٌ بِالطِّيبِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ شِرَاءُ الصَّيْدِ وَقَبُولُ هِبَتِهِ وَهَدِيَّتِهِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ وَبِهِ فَإِنْ اشْتَرَاهُ أَوْ قَبِلَ الْهِبَةَ أَوْ الْهَدِيَّةَ أَوْ الْوَصِيَّةَ فَهَلْ يَمْلِكُهُ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ لَا يَمْلِكُهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ( وَالثَّانِي ) طَرِيقَةُ الْقَفَّالِ وَمُعْظَمِ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ صَيْدٌ فَأَحْرَمَ ( فَإِنْ قُلْنَا ) : يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ لَمْ يَمْلِكْ الصَّيْدَ بِالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ كَشِرَاءِ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا : ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يَمْلِكُ قَالَ أَصْحَابُنَا : ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالْمَذْهَبِ : إنَّهُ يَمْلِكُ فَلَيْسَ لَهُ الْقَبْضُ فَإِنْ قَبَضَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَزِمَهُ إرْسَالُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ : لَزِمَهُ إرْسَالُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فَمَنْ قَالَ : إنَّهُ يَمْلِكُهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ : لَوْلَا أَنَّهُ مَلَكَهُ مَا أَمَرَهُ بِإِرْسَالِهِ وَمَنْ قَالَ : لَا يَمْلِكُهُ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَطَائِفَةٌ الْمُرَادُ بِإِرْسَالِهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ إرْسَالَهُ فِي الْبَرِّيَّةِ قَالُوا : لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَضْيِيعُهُ وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْبَائِعِ وَالْوَاهِبِ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ : يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَجِبُ إرْسَالُهُ بِحَيْثُ يَتَوَحَّشُ وَيَصِيرُ مُمْتَنِعًا فِي الْبَرِّيَّةِ وَيُدْفَعُ إلَى مَالِكِهِ الْقِيمَةُ قَالُوا : وَيَجُوزُ تَفْوِيتُ حَقِّ الْمَالِكِ مِنْ عَيْنٍ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَسَبِّبُ فِي حُصُولِهِ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ حَتَّى وَجَبَ إرْسَالُهُ فَانْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الْبَدَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَيَصِيرُ الْمُحْرِمُ كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ طَعَامِ غَيْرِهِ فَيَأْكُلُهُ وَيَغْرَمُ بَدَلَهُ وَيَكُونُ الِاضْطِرَارُ عُذْرًا فِي إتْلَافِ مَالِ 327 الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَذَا هُنَا هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : ( لَزِمَهُ إرْسَالُهُ ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ قَبْلَ إرْسَالِهِ وَرَدِّهِ إلَى مَالِكِهِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - يُدْفَعُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَيَلْزَمُهُ لِمَالِكِهِ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ قَبَضَهُ بِالشِّرَاءِ ; لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ مَضْمُونٌ وَفِي وَقْتِ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ فِيمَنْ تَلِفَ عِنْدَهُ الْمَقْبُوضُ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لَزِمَهُ الْجَزَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لِمَالِكِهِ الْوَاهِبِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُلِّ مَا قُبِضَ بِهِبَةٍ فَاسِدَةٍ هَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا أَمْ لَا ؟ : ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يَكُونُ مَضْمُونًا ; لِأَنَّ حُكْمَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ حُكْمُ الصَّحِيحَةِ فِي الضَّمَانِ فَمَا ضُمِنَ صَحِيحُهُ ضُمِنَ فَاسِدُهُ وَمَا لَا يُضْمَنُ صَحِيحُهُ لَا يُضْمَنُ فَاسِدُهُ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَشْهُورَةٌ سَنُوَضِّحُهَا فِي كِتَابِ الرَّهْنِ وَالشَّرِكَةِ وَالْهِبَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَمِمَّا ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا هُنَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابه الْجَامِعِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ هُنَا بِالْأَصَحِّ وَهُوَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ وَأَشَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ إلَى الْقَطْعِ بِالضَّمَانِ وَقَدْ اغْتَرَّ الرَّافِعِيُّ بِهَذَا فَوَافَقَ إشَارَتَهُمْ فَقَطَعَ هُنَا بِالضَّمَانِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ هَذَا كُلُّهُ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ .
( أَمَّا ) إذَا أَتْلَفَهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ( أَمَّا ) إذَا رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيمَةُ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْآدَمِيِّ سَوَاءٌ كَانَ قَبَضَهُ بِالشِّرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْجَزَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَّا بِإِرْسَالِهِ وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ مَالِكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ الْمُحْرِمَ الْجَزَاءُ وَإِنْ أَرْسَلَهُ 328 مَالِكُهُ سَقَطَ عَنْ الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِأَنَّهُ إذَا مَا قَبَضَهُ بِالْبَيْعِ إلَى بَائِعِهِ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَلَوْ قَبَضَهُ بِالْهِبَةِ فَرَدَّهُ إلَى وَاهِبِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُتَّهَبَ كَانَ يُمْكِنُهُ إرْسَالُهُ وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا لِوَاهِبِهِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي وَهَذَا الْحُكْمُ وَالْفَرْقُ ضَعِيفَانِ قَالَ الْغَزَالِيُّ : فَإِنْ صَحَّحَنَا الشِّرَاءَ فَبَاعَهُ الْمُحْرِمُ حَرُمَ الْبَيْعُ وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي إرْسَالُهُ فَإِذَا أَرْسَلَهُ فَهَلْ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا مُرْتَدًّا فَقُتِلَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَإِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ قَالَ : قَالَ الْأَئِمَّةُ : إذَا بَاعَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا أَمَرْنَاهُ بِإِطْلَاقِهِ وَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي إرْسَالُهُ قَالَ فَإِنْ اسْتَبْعَدَ الْفَقِيهُ ذَلِكَ فَهُوَ كَتَصْحِيحِنَا مِنْ الْمُشْتَرِي شِرَاءَهُ مَعَ أَمْرِنَا إيَّاهُ بِإِرْسَالِهِ ثُمَّ إذَا أَرْسَلَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ اتَّصَلَ هَذَا بِالتَّفْرِيعِ فِيمَنْ اشْتَرَاهُ مُرْتَدًّا فَقُتِلَ فِي يَدِهِ بِالرِّدَّةِ فَمِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ قَالَ : وَلَعَلَّ الْوَجْهَ الْقَطْعُ هُنَا بِإِرْسَالِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّا قَدْ نَقُولُ : الْمُرْتَدُّ قَدْ يُقْتَلُ لِرِدَّةٍ حَالَّةٍ وَالْخَطَرَاتُ تَتَجَدَّدُ وَالسَّبَبُ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ دَائِمٌ لَا تَجَدُّدَ فِيهِ قَالَ : ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ : لَوْ تَلِفَ الصَّيْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ يَدِ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ كَيْفَ تَنَاسَخَتْ الْأَيْدِي ؟ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُحْرِمِ ; أَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ إلَى إثْبَاتِ هَذِهِ الْأَيْدِي وَلِلسَّبَبِ فِي الْمَضْمُونَاتِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَمُرَادُهُ بِالضَّمَانِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ ضَمَانُ الْجَزَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . .
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ : ( مِنْهَا ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : { أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارَ وَحْشٍ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ } وَفِي رِوَايَةٍ { رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ } وَفِي رِوَايَةٍ : { عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا } وَفِي رِوَايَةٍ : { شِقَّ حِمَارِ وَحْشٍ } وَفِي رِوَايَةٍ : { عُضْوًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ } هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ : 325 بَابُ إذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ ثُمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ : حِمَارًا وَحْشِيًّا فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا الْحِمَارَ كَانَ حَيًّا وَحَكَى هَذَا أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ ( فَالصَّوَابُ ) أَنَّهُ إنَّمَا أَهْدَى بَعْضَ لَحْمِ صَيْدٍ لِأَكْلِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ : حِمَارًا وَحْشِيًّا وَحِمَارَ وَحْشٍ مَجَازًا أَيْ بَعْضَ حِمَارٍ وَيَكُونُ رَدُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَوْ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ اصْطَادَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الِاصْطِيَادَ لَهُ لَقَبِلَهُ مِنْهُ فَإِنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ الَّذِي صَادَهُ الْحَلَالُ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا صِيدَ لَهُ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا ( فَإِنْ قِيلَ ) : فَإِنَّمَا عَلَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُمْ حُرُمٌ ( قُلْنَا ) : لَا تَمْنَعُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ كَوْنَهُ صِيدَ لَهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلَى الْإِنْسَانِ إذَا صِيدَ لَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُحْرِمًا فَبَيَّنَ الشَّرْطَ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ وَسَأَبْسُطُ الْكَلَامَ فِي إيضَاحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانِ طُرُقِهِ وَمَا يُوَافِقُهُ وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ فَالصَّعْبُ - بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَجَثَّامَةُ - بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ - ( وَقَوْلُهُ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ } هُوَ - بِرَفْعِ الدَّالِ - عَلَى الصَّوَابِ الْمَعْرُوفِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَغَلَبَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ فَتْحُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي التَّهْذِيبِ وَشَرْحِ مُسْلِمٍ ( وَقَوْلُهُ ) : لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَمَلَّكُ بِهِ الصَّيْدُ إنَّمَا قَالَ : يُتَمَلَّكُ وَلَمْ يَقُلْ : يُمْلَكُ لِيَحْتَرِزَ عَنْ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِهِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُمْلَكُ بِهِ الصَّيْدُ وَلَا يُقَالُ فِي الْإِرْثِ : يُتَمَلَّكُ إنَّمَا يُقَالُ : يُمْلَكُ ; لِأَنَّهُ مِلْكٌ قَهْرِيٌّ ( قَوْلُهُ ) : لِأَنَّهُ مَعْنًى لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ يَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُ فَحَرُمَتْ اسْتِدَامَتُهُ كَلُبْسِ الْمَخِيطِ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ : لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ مِنْ 326 النِّكَاحِ وَبِقَوْلِهِ : يَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ لُبْسِ مَا سِوَى الْمَخِيطِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُنْتَقَضَةٌ بِالطِّيبِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ شِرَاءُ الصَّيْدِ وَقَبُولُ هِبَتِهِ وَهَدِيَّتِهِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ وَبِهِ فَإِنْ اشْتَرَاهُ أَوْ قَبِلَ الْهِبَةَ أَوْ الْهَدِيَّةَ أَوْ الْوَصِيَّةَ فَهَلْ يَمْلِكُهُ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ لَا يَمْلِكُهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ( وَالثَّانِي ) طَرِيقَةُ الْقَفَّالِ وَمُعْظَمِ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ صَيْدٌ فَأَحْرَمَ ( فَإِنْ قُلْنَا ) : يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ لَمْ يَمْلِكْ الصَّيْدَ بِالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ كَشِرَاءِ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا : ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يَمْلِكُ قَالَ أَصْحَابُنَا : ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالْمَذْهَبِ : إنَّهُ يَمْلِكُ فَلَيْسَ لَهُ الْقَبْضُ فَإِنْ قَبَضَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَزِمَهُ إرْسَالُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ : لَزِمَهُ إرْسَالُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فَمَنْ قَالَ : إنَّهُ يَمْلِكُهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ : لَوْلَا أَنَّهُ مَلَكَهُ مَا أَمَرَهُ بِإِرْسَالِهِ وَمَنْ قَالَ : لَا يَمْلِكُهُ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَطَائِفَةٌ الْمُرَادُ بِإِرْسَالِهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ إرْسَالَهُ فِي الْبَرِّيَّةِ قَالُوا : لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَضْيِيعُهُ وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْبَائِعِ وَالْوَاهِبِ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ : يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَجِبُ إرْسَالُهُ بِحَيْثُ يَتَوَحَّشُ وَيَصِيرُ مُمْتَنِعًا فِي الْبَرِّيَّةِ وَيُدْفَعُ إلَى مَالِكِهِ الْقِيمَةُ قَالُوا : وَيَجُوزُ تَفْوِيتُ حَقِّ الْمَالِكِ مِنْ عَيْنٍ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَسَبِّبُ فِي حُصُولِهِ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ حَتَّى وَجَبَ إرْسَالُهُ فَانْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الْبَدَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَيَصِيرُ الْمُحْرِمُ كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ طَعَامِ غَيْرِهِ فَيَأْكُلُهُ وَيَغْرَمُ بَدَلَهُ وَيَكُونُ الِاضْطِرَارُ عُذْرًا فِي إتْلَافِ مَالِ 327 الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَذَا هُنَا هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : ( لَزِمَهُ إرْسَالُهُ ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ قَبْلَ إرْسَالِهِ وَرَدِّهِ إلَى مَالِكِهِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - يُدْفَعُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَيَلْزَمُهُ لِمَالِكِهِ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ قَبَضَهُ بِالشِّرَاءِ ; لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ مَضْمُونٌ وَفِي وَقْتِ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ فِيمَنْ تَلِفَ عِنْدَهُ الْمَقْبُوضُ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لَزِمَهُ الْجَزَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لِمَالِكِهِ الْوَاهِبِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُلِّ مَا قُبِضَ بِهِبَةٍ فَاسِدَةٍ هَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا أَمْ لَا ؟ : ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يَكُونُ مَضْمُونًا ; لِأَنَّ حُكْمَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ حُكْمُ الصَّحِيحَةِ فِي الضَّمَانِ فَمَا ضُمِنَ صَحِيحُهُ ضُمِنَ فَاسِدُهُ وَمَا لَا يُضْمَنُ صَحِيحُهُ لَا يُضْمَنُ فَاسِدُهُ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَشْهُورَةٌ سَنُوَضِّحُهَا فِي كِتَابِ الرَّهْنِ وَالشَّرِكَةِ وَالْهِبَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَمِمَّا ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا هُنَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابه الْجَامِعِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ هُنَا بِالْأَصَحِّ وَهُوَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ وَأَشَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ إلَى الْقَطْعِ بِالضَّمَانِ وَقَدْ اغْتَرَّ الرَّافِعِيُّ بِهَذَا فَوَافَقَ إشَارَتَهُمْ فَقَطَعَ هُنَا بِالضَّمَانِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ هَذَا كُلُّهُ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ .
( أَمَّا ) إذَا أَتْلَفَهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ( أَمَّا ) إذَا رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيمَةُ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْآدَمِيِّ سَوَاءٌ كَانَ قَبَضَهُ بِالشِّرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْجَزَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَّا بِإِرْسَالِهِ وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ مَالِكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ الْمُحْرِمَ الْجَزَاءُ وَإِنْ أَرْسَلَهُ 328 مَالِكُهُ سَقَطَ عَنْ الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِأَنَّهُ إذَا مَا قَبَضَهُ بِالْبَيْعِ إلَى بَائِعِهِ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَلَوْ قَبَضَهُ بِالْهِبَةِ فَرَدَّهُ إلَى وَاهِبِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُتَّهَبَ كَانَ يُمْكِنُهُ إرْسَالُهُ وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا لِوَاهِبِهِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي وَهَذَا الْحُكْمُ وَالْفَرْقُ ضَعِيفَانِ قَالَ الْغَزَالِيُّ : فَإِنْ صَحَّحَنَا الشِّرَاءَ فَبَاعَهُ الْمُحْرِمُ حَرُمَ الْبَيْعُ وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي إرْسَالُهُ فَإِذَا أَرْسَلَهُ فَهَلْ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا مُرْتَدًّا فَقُتِلَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَإِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ قَالَ : قَالَ الْأَئِمَّةُ : إذَا بَاعَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا أَمَرْنَاهُ بِإِطْلَاقِهِ وَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي إرْسَالُهُ قَالَ فَإِنْ اسْتَبْعَدَ الْفَقِيهُ ذَلِكَ فَهُوَ كَتَصْحِيحِنَا مِنْ الْمُشْتَرِي شِرَاءَهُ مَعَ أَمْرِنَا إيَّاهُ بِإِرْسَالِهِ ثُمَّ إذَا أَرْسَلَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ اتَّصَلَ هَذَا بِالتَّفْرِيعِ فِيمَنْ اشْتَرَاهُ مُرْتَدًّا فَقُتِلَ فِي يَدِهِ بِالرِّدَّةِ فَمِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ قَالَ : وَلَعَلَّ الْوَجْهَ الْقَطْعُ هُنَا بِإِرْسَالِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّا قَدْ نَقُولُ : الْمُرْتَدُّ قَدْ يُقْتَلُ لِرِدَّةٍ حَالَّةٍ وَالْخَطَرَاتُ تَتَجَدَّدُ وَالسَّبَبُ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ دَائِمٌ لَا تَجَدُّدَ فِيهِ قَالَ : ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ : لَوْ تَلِفَ الصَّيْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ يَدِ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ كَيْفَ تَنَاسَخَتْ الْأَيْدِي ؟ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُحْرِمِ ; أَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ إلَى إثْبَاتِ هَذِهِ الْأَيْدِي وَلِلسَّبَبِ فِي الْمَضْمُونَاتِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَمُرَادُهُ بِالضَّمَانِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ ضَمَانُ الْجَزَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث