المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5262 · ص. المطبوع 8 · الشرح
( فَرْعٌ ) لَحْمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ حَرَامٌ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا رَوَيْتُ الرُّخْصَةَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ، قُلْتُ : وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَمَا سَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي لَحْمِهَا ، أَشْهَرُهَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ شَدِيدَةٍ ، وَالثَّانِيَةُ حَرَامٌ وَالثَّالِثَةُ مُبَاحٌ ، وَاحْتَجَّ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى . { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً } الْآيَةَ ، وَبِحَدِيثِ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ : { ۝ أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْءٌ أُطْعِمُ إلَّا الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ 8 فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنَا السَّنَةُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانَ الْحُمُرِ ، وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ فَقَالَ : أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِك ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا . هُوَ حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ فِي إسْنَادِهِ ، يَعْنُونَ مُضْطَرِبًا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ : وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قَالُوا : وَلَوْ بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَحَادِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي تَحْرِيمِهَا لَمْ يَصِرْ إلَى غَيْرِهَا . وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ فِي تَحْرِيمِهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : { ۝ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَبْنَا حُمُرًا فَطَبَخْنَاهَا ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ ، وَرَوَيَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى .
وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : { ۝ لَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِيرَانًا تُوقَدُ فَقَالَ : عَلَامَ تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ ؟ فَقَالُوا : عَلَى لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ قَالَ : كَسِّرُوا الْقُدُورَ وَأَهْرِيقُوا مَا فِيهَا ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نُهْرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا ؟ فَقَالَ : أَوْ ذَاكَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ : قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الْحُكْمَ ابْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ 9 عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ ، وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَوْلُهُ : أَبَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( لَا أَدْرِي أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ ، فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ ؟ أَوْ حَرَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَحْمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ؟ ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : { ۝ أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا ، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْفِئُوا الْقُدُورَ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا ، فَقَالَ نَاسٌ : إنَّمَا حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ وَقَالَ آخَرُونَ : حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : { ۝ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ الْحُمُرِ ، وَلَحْمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { ۝ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ } وَعَنْ أَنَسٍ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ : أُكِلَتْ الْحُمُرُ ؟ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ : أُكِلَتْ الْحُمُرُ ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ : أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ : إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : { ۝ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : ( رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ ) وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ : { ۝ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْهَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ : { ۝ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنَا السَّنَةُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي 10 مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ الْحُمُرِ ، وَإِنَّكَ حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، فَقَالَ : أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِك فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ } يَعْنِي بِالْجَوَّالِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِلَّةَ وَهِيَ الْعَذِرَةُ . فَهَذَا الْحَدِيثُ مُضْطَرِبٌ مُخْتَلِفُ الْإِسْنَادِ ، كَثِيرُ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ ، وَمِمَّنْ أَوْضَحَ اضْطِرَابَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي الْأَطْرَافِ ، فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . وَلَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا حَالَ الِاضْطِرَارِ ، وَلِأَنَّهَا قِصَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث