المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5296 · ص. المطبوع 48 · الشرح
( فَرْعٌ ) لَوْ أَرَادَ الْمُضْطَرُّ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ فَخِذِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِيَأْكُلَهَا ، فَإِنْ كَانَ الْخَوْفُ مِنْهُ كَالْخَوْفِ فِي تَرْكِ الْأَكْلِ أَوْ أَشَدَّ ، حَرُمَ الْقَطْعُ بِلَا خِلَافٍ ، وَصَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ ، وَإِلَّا فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) جَوَازُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ( وَالثَّانِي ) لَا يَجُوزُ ، اخْتَارَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ وَالنُّسَخِ ، وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَجِدَ شَيْئًا غَيْرَهُ ، فَإِنْ وَجَدَ حَرُمَ الْقَطْعُ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَعْصُومٍ غَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَيْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَعْضَائِهِ شَيْئًا لِيَدْفَعَهُ إلَى الْمُضْطَرِّ بِلَا خِلَافٍ ، صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَصْحَابُ . 48 السَّابِعَةُ ) إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ طَعَامًا حَلَالًا طَاهِرًا لِغَيْرِهِ فَلَهُ حَالَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا ( الثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ غَائِبًا ، فَإِنْ حَضَرَ نُظِرَ إنْ كَانَ الْمَالِكُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ أَيْضًا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَفْضُلْ عَنْ حَاجَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَالِكِ نَبِيًّا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ بَذْلُهُ لَهُ ، هَكَذَا قَالُوهُ ، وَالْحُكْمُ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ ، وَتُتَصَوَّرُ فِي زَمَنِ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ تَكُونُ مَسْأَلَةً عِلْمِيَّةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ آثَرَ الْمَالِكُ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } قَالُوا : وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ مُسْلِمًا ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُؤْثِرُهُ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا وَكَذَا لَا يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ بَهِيمَةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا ) إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَالِكُ مُضْطَرًّا فَيَلْزَمُهُ إطْعَامُ الْمُضْطَرِّ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا وَكَذَا لَوْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَلِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْخُذَهُ قَهْرًا ، وَلَهُ مُقَاتَلَةُ الْمَالِكِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَتَى الْقِتَالُ عَلَى نَفْسِ الْمَالِكِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ ، وَإِنْ قَتَلَ الْمَالِكُ الْمُضْطَرَّ فِي الدَّفْعِ عَنْ طَعَامٍ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ مَنَعَهُ الطَّعَامَ فَمَاتَ جُوعًا فَلَا ضَمَانَ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَوْ قِيلَ يَضْمَنُ ، لَكَانَ مَذْهَبًا ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي يَلْزَمُ الْمَالِكَ بَذْلُهُ ، وَيَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ قَهْرًا ، وَالْقِتَالُ عَلَيْهِ قَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ ( وَالثَّانِي ) قَدْرُ الشِّبَعِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ الْمَيْتَةِ ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ الْأَخْذُ قَهْرًا وَالْقِتَالُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ ، وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يَجِبَ 49 ( وَالْأَصَحُّ ) هُنَا أَنَّهُ يَجِبُ الْأَخْذُ قَهْرًا وَلَا يَجِبُ الْقِتَالُ ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ دَفْعُ الصَّائِلِ فَهُنَا أَوْلَى ، وَخَصَّ الْبَغَوِيّ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَوْفٌ فِي الْأَخْذِ قَهْرًا ، قَالَ فَإِنْ خَافَ لَمْ يَجِبْ قَطْعًا ، وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا عَلَى الْمَالِكِ بَذْلَهُ لِلْمُضْطَرِّ فَفِي الْحَاوِي وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ مَجَّانًا ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُضْطَرَّ شَيْءٌ كَمَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ بِلَا شَيْءٍ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْبَذْلُ إلَّا بِعِوَضٍ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا خَلَصَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ بِالْوُقُوعِ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ ، بِأَنَّ هُنَاكَ يَلْزَمُهُ التَّخْلِيصُ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى تَقْدِيرِ الْأُجْرَةِ ، وَهُنَا بِخِلَافِهِ . وَسَوَّى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا وَقَالُوا : إنْ احْتَمَلَ الْحَالُ هُنَاكَ مُوَافَقَةً عَلَى أُجْرَةٍ يَبْذُلُهَا أَوْ يَلْتَزِمُهَا لَمْ يَلْزَمْ تَخْلِيصُهُ حَتَّى يَلْتَزِمَهَا ، كَمَا فِي الْمُضْطَرِّ ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْحَالُ التَّأْخِيرَ فِي صُورَةِ الْمُضْطَرِّ فَأَطْعَمَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِوَضُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .
ثُمَّ إنْ بَذَلَ الْمَالِكُ طَعَامَهُ مَجَّانًا لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى يَشْبَعَ وَإِنْ بَذَلَهُ بِالْعِوَضِ نُظِرَ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ الْعِوَضُ لَزِمَ الْمُضْطَرَّ بَذْلُهُ ، وَهُوَ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا لَزِمَهُ قِيمَةُ مَا أَكَلَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَشْبَعَ ، وَإِنْ قُدِّرَ لَهُ الْعِوَضُ فَإِنْ لَمْ يُفْرِدْ مَا يَأْكُلُهُ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ ، وَإِنْ أَفْرَدَهُ كَانَ الْمُقَدَّرُ ثَمَنَ الْمِثْلِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، وَلِلْمُضْطَرِّ مَا فَضَلَ عَنْ الْآخَرِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَالْتَزَمَهُ فَفِيمَا يَلْزَمُهُ أَوْجُهٌ ( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ لَازِمٍ ( وَأَصَحُّهَا ) عِنْدَ الرُّويَانِيِّ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ .
( وَالثَّالِثُ ) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْمُضْطَرِّ لِيَسَارٍ لَزِمَتْهُ ، وَإِلَّا فَلَا . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَنْبَغِي لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَحْتَالَ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ لِيَكُونَ الْوَاجِبُ الْقِيمَةَ بِلَا خِلَافٍ قَالَ 50 الرَّافِعِيُّ : وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا يَلْزَمُهُ ثَمَنًا لَكِنَّ الْوَجْهَ جَعْلُ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ لِمَعْنًى ، وَأَنَّ الْمُضْطَرَّ هَلْ هُوَ مُكْرَهٌ أَمْ لَا ؟ وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ : الشِّرَاءُ بِالثَّمَنِ الْغَالِي لِضَرُورَةٍ هَلْ تَجْعَلُهُ كَرْهًا حَتَّى لَا يَصِحَّ الشِّرَاءُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَقْيَسُهُمَا ) صِحَّةُ الْبَيْعِ ، قَالَ : وَكَذَا الْمُصَادَرُ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ الظَّالِمِ إذَا بَاعَ لِلضَّرُورَةِ فِي الْمُصَادَرَةِ وَدَفْعِ الْأَذَى الَّذِي يَخَافُهُ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) صِحَّةُ الْبَيْعِ ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ عَلَى نَفْسِ الْبَيْعِ ، وَمَقْصُودُ الظَّالِمِ تَحْصِيلُ الْمَالِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ ، وَاحْتَجَّ بِهِ لِوَجْهِ لُزُومِ الْمُسَمَّى فِي مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ .
( فَرْعٌ ) مَتَى بَاعَ لِلْمُضْطَرِّ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَمَعَ الْمُضْطَرِّ مَالٌ ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ وَصَرْفُ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَال إلَى الثَّمَنِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَهُ سَاتِرُ عَوْرَتِهِ لَزِمَهُ صَرْفُهُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَخَفْ الْهَلَاكَ بِالْبَرْدِ وَيُصَلِّي عَارِيًّا ، لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ أَخَفُّ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَخْذُ الطَّعَامِ قَهْرًا ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ سَائِرِ الْعَوْرَةِ قَهْرًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ لَزِمَهُ الْتِزَامُهُ فِي ذِمَّتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَمْ لَا ، وَيَلْزَمُ الْمَالِكَ فِي هَذَا الْحَالِ الْبَيْعُ نَسِيئَةً ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالشِّرَاءُ هُنَا وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ بَلْ يَجُوزُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ يَقُولُ لَا يَجِبُ ، لِأَنَّ فِيهِ مُبَاشَرَةَ النَّجَاسَةِ ، وَهَذَا مَقْصُودٌ فِي مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ الطَّاهِرِ .
( فَرْعٌ ) لَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ الْأَخْذُ قَهْرًا إذَا بَذَلَ الْمَالِكُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَإِنْ طَلَبَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ ، وَيَأْخُذَهُ قَهْرًا وَيُقَاتِلَهُ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِالزِّيَادَةِ مَعَ إمْكَانِ أَخْذِهِ قَهْرًا فَهُوَ مُخْتَارٌ فِي الزِّيَادَةِ فَيَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى بِلَا خِلَافٍ ، وَالْخِلَافُ السَّابِقُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ الْأَخْذِ قَهْرًا .
( فَرْعٌ ) لَوْ أَطْعَمَهُ الْمَالِكُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْإِبَاحَةِ فَوَجْهَانِ ( الْأَصَحُّ ) أَنَّهُ لَا عِوَضَ عَلَيْهِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْمُسَامَحَةِ الْمُعْتَادَةِ بِالطَّعَامِ . ( وَالثَّانِي ) 51 يَلْزَمُهُ الْعِوَضُ ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْخِلَافِ فِيمَنْ عُرِفَ بِالْعَمَلِ بِأُجْرَةٍ إذَا اسْتَعْمَلَهُ إنْسَانٌ بِغَيْرِ شَرْطِ أُجْرَةٍ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَجِبُ ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمَالِكُ : أَطْعَمْتُكَ بِعِوَضٍ ، فَقَالَ الْمُضْطَرُّ : بَلْ مَجَّانًا ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ قَوْلَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) يُصَدَّقُ الْمَالِكُ ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِدَفْعِهِ .
( وَالثَّانِي ) الْمُضْطَرُّ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ ، وَلَوْ أَوْجَرَ الْمَالِكُ الْمُضْطَرَّ قَهْرًا أَوْ أَوْجَرَهُ وَهُوَ مُغْمَى عَلَيْهِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَسْتَحِقُّ ، لِأَنَّهُ خَلَّصَهُ مِنْ الْهَلَاكِ ، كَمَنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْرِيضِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ .
( فَرْعٌ ) كَمَا يَجِبُ بَذْلُ الْمَالِ لِإِبْقَاءِ الْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ ، يَجِبُ بَذْلُهُ لِإِبْقَاءِ الْبَهِيمَةِ الْمُحْتَرَمَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا لِلْغَيْرِ ، وَلَا يَجِبُ الْبَذْلُ لِلْحَرْبِيِّ وَلَا لِلْمُرْتَدِّ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ ، وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ كَلْبٌ مُبَاحُ الْمَنْفَعَةِ جَائِعٌ وَشَاةٌ ، لَزِمَهُ ذَبْحُ الشَّاةِ لِإِطْعَامِ الْكَلْبِ ، قَالَ الْبَغَوِيّ : وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا لِأَنَّهَا ذُبِحَتْ لِلْأَكْلِ . قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : وَلَوْ كَانَ مَعَهُ كَلْبٌ مُضْطَرٌّ وَمَعَ غَيْرِهِ شَاةٌ لَيْسَ مُضْطَرًّا إلَيْهَا لَزِمَهُ بَذْلُهَا . فَإِنْ امْتَنَعَ فَلِصَاحِبِ الْكَلْبِ قَهْرُهُ وَمُقَاتَلَتُهُ لِمَا سَبَقَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْحَالُ الثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ غَائِبًا فَيَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ طَعَامِهِ وَيَغْرَمُ لَهُ بَدَلَهُ ، وَفِي وُجُوبِ الْأَكْلِ وَالْقَدْرِ الْمَأْكُولِ مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ ، وَالْوَلِيُّ غَائِبٌ ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ فِي مَالِهِمَا كَكَامِلِ الْحَالِ فِي مَالِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَذِهِ إحْدَى الصُّوَرِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا بَيْعُ مَالِ الصَّبِيِّ نَسِيئَةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ ) إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ( أَصَحُّهَا ) يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ ، ( وَالثَّانِي ) يَجِبُ أَكْلِ الطَّعَامِ ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ ، ( وَالثَّالِثُ ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ، وَأَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي اجْتِمَاعِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْآدَمِيِّ ، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ حَاضِرًا فَإِنْ بَذَلَهُ بِلَا عِوَضٍ 52 أَوْ بِثَمَنِ مِثْلِهِ ، أَوْ بِزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا ، وَمَعَهُ ثَمَنُهُ ، أَوْ رَضِيَ بِذِمَّتِهِ ، لَزِمَهُ الْقَبُولُ ، وَلَمْ يَجُزْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ ، فَالْمَذْهَبُ وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالطَّبَرِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّرَاءُ فَهُوَ كَمَا إذَا لَمْ يَبْذُلْهُ أَصْلًا ، وَإِذَا لَمْ يَبْذُلْهُ لَمْ يُقَاتِلْهُ عَلَيْهِ الْمُضْطَرُّ ، إنْ خَافَ مِنْ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوْ خَافَ إهْلَاكَ الْمَالِكِ فِي الْمُقَاتَلَةِ ، بَلْ يَعْدِلُ إلَى الْمَيْتَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ لِضَعْفِ الْمَالِكِ وَسُهُولَةِ دَفْعِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِيمَا إذَا كَانَ غَائِبًا . هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ : يَشْتَرِيهِ بِالثَّمَنِ الْغَالِي وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، ثُمَّ يَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى ؟ أَمْ ثَمَنُ الْمِثْلِ ؟ قَالَ : وَإِذَا لَمْ يَبْذُلْ أَصْلًا وَقُلْنَا : طَعَامُ الْغَيْرِ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَهُ وَيَأْخُذَهُ قَهْرًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( التَّاسِعَةُ ) لَوْ اُضْطُرَّ مُحْرِمٌ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَيْدًا فَلَهُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ ، وَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، وَإِنْ وَجَدَ صَيْدًا وَمَيْتَةً ، فَلَهُ طَرِيقَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقِينَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا ذَبَحَ صَيْدًا هَلْ يَصِيرُ مَيْتَةً ؟ فَيَحْرُمَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ ؟ أَمْ لَا يَكُونُ مَيْتَةً فَلَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ ؟ ( وَالْأَصَحُّ ) أَنَّهُ يَصِيرُ مَيْتَةً ( فَإِنْ قُلْنَا ) يَصِيرُ مَيْتَةً أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَإِلَّا فَالصَّيْدُ وَالطَّرِيقُ ( الثَّانِي ) إنْ قُلْنَا : يَصِيرُ مَيْتَةً أَكَلَ الْمَيْتَةَ ، وَإِلَّا فَأَيَّهُمَا يَأْكُلُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَوْ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ( وَالثَّانِي ) يَلْزَمَهُ أَكْلُ الصَّيْدِ ( وَالثَّالِثُ ) يَتَخَيَّرُ ، وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالصَّحِيحُ عَلَى الْجُمْلَةِ وُجُوبُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ . وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ لَحْمَ صَيْدٍ مَذْبُوحٍ وَمَيْتَةً ، فَإِنْ كَانَ ذَابِحُهُ حَلَالًا ذَبَحَهُ لِنَفْسِهِ فَهَذَا مُضْطَرٌّ وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ ، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ ، وَإِنْ ذَبَحَهُ هَذَا الْمُحْرِمُ . قَبْلَ إحْرَامِهِ فَهُوَ وَاجِدُ طَعَامِ حَلَالٍ لِنَفْسِهِ ، فَلَيْسَ مُضْطَرًّا ، 53 فَإِنْ ذَبَحَهُ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ وَقُلْنَا : هُوَ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ( وَالثَّانِي ) يَتَعَيَّنُ لَحْمُ الصَّيْدِ ( وَالثَّالِثُ ) الْمَيْتَةُ ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ : إنْ قُلْنَا : إنَّهُ مَيْتَةٌ أَكَلَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ ، وَغَيْرُ الصَّيْدِ أَوْلَى ، وَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ بِمَيْتَةٍ فَوَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَأْكُلُهُ ( وَالثَّانِي ) يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ . وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَطَعَامَ الْغَيْرِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَوْ أَقْوَالٍ ، سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ مَيْتَةً أَمْ لَا ( أَحَدُهَا ) يَتَعَيَّنُ الصَّيْدُ ( وَالثَّانِي ) الطَّعَامُ ( وَالثَّالِثُ ) يَتَخَيَّرُ هَذَا إذَا كَانَ مَالِكُ الطَّعَامِ غَائِبًا ، فَإِنْ حَضَرَ وَمَنَعَهُ تَعَيَّنَ الصَّيْدُ ، وَإِنْ بَذَلَهُ تَعَيَّنَ الطَّعَامُ صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا وَطَعَامَ الْغَيْرِ ، فَسَبْعَةُ أَوْجُهٍ ، ذَكَرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ ( أَصَحُّهَا ) يَتَعَيَّنُ الْمَيْتَةُ ( وَالثَّانِي ) الصَّيْدُ ( وَالثَّالِثُ ) الطَّعَامُ ( وَالرَّابِعُ ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ( وَالْخَامِسُ ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالْمَيْتَةِ ( وَالسَّادِسُ ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالْمَيْتَةِ ( وَالسَّابِعُ ) بَيْنَ الصَّيْدِ وَالطَّعَامِ .
( فَرْعٌ ) إذَا لَمْ نَجْعَلْ مَا يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ مَيْتَةً ، فَهَلْ عَلَى الْمُضْطَرِّ قِيمَةُ مَا أَكَلَهُ مِنْهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُحْرِمِ ، هَلْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَى الصَّيْدِ ؟ .
( الْعَاشِرَةُ ) إذَا وَجَدَ مَيْتَتَانِ إحْدَاهُمَا مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولِ دُونَ الْأُخْرَى ، أَوْ إحْدَاهُمَا طَاهِرَةٌ فِي الْحَيَاةِ دُونَ الْأُخْرَى ، كَشَاةٍ وَحِمَارٍ ، أَوْ كَلْبٍ ، فَهَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ؟ أَمْ تَتَعَيَّنُ الشَّاةُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) تَرْكُ الْكَلْبِ وَالتَّخْيِيرُ فِي الْبَاقِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) لَا يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ حَتَّى يَتُوبَ . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحَةً فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ ، وَبَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ . 54 الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا وَجَدَ مَعَ غَيْرِهِ طَعَامًا يَضُرُّهُ وَيَزِيدُ فِي مَرَضِهِ ، جَازَ تَرْكُهُ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَكَذَا لَوْ كَانَ الطَّعَامُ لَهُ ، وَعَدُّوا هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرُورَةِ ، وَكَذَا التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا .
( فَرْعٌ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَإِذَا اُضْطُرَّ وَوَجَدَ مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ إلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ إذَا خَافَ أَنْ يُطْعِمَهُ أَوْ يَسْقِيَهُ مَسْمُومًا ، فَلَوْ تَرَكَهُ وَأَكَلَ الْمَيْتَةَ فَلَهُ تَرْكُهُ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) إذَا اُضْطُرَّ إلَى شُرْبِ الدَّمِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ النَّجَاسَاتِ الْمَائِعَةِ غَيْرِ الْمُسْكِرِ ، جَازَ لَهُ شُرْبُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ اُضْطُرَّ وَهُنَاكَ خَمْرٌ وَبَوْلٌ لَزِمَهُ شُرْبُ الْبَوْلِ ، وَلَمْ يَجُزْ شُرْبُ الْخَمْرِ بِلَا خِلَافٍ ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ( وَأَمَّا ) التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ غَيْرِ الْخَمْرِ فَهُوَ جَائِزٌ سَوَاءٌ فِيهِ جَمِيعُ النَّجَاسَاتِ غَيْرُ الْمُسْكِرِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ ( وَوَجْهٌ ثَالِثٌ ) أَنَّهُ يَجُوزُ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ خَاصَّةً لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهَا ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهَا ، حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ ، وَهُمَا شَاذَّانِ ، وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُرَيْنَةَ وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ ، فَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ؟ قَالُوا : بَلَى فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَصَحُّوا ، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَطْرَدُوا النَّعَمَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ ، هَذَا لَفْظُ إحْدَى رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ " فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا أَبْوَالَهَا وَأَلْبَانَهَا " .
55 قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ إذَا لَمْ يَجِدْ طَاهِرًا يَقُومُ مَقَامَهَا ، فَإِنْ وَجَدَهُ حَرُمَتْ النَّجَاسَاتُ بِلَا خِلَافٍ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ : { ۝ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ حَرَامًا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُتَدَاوِي عَارِفًا بِالطِّبِّ ، يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُ هَذَا مَقَامَهُ ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ ، وَيَكْفِي طَبِيبٌ وَاحِدٌ ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ ، فَلَوْ قَالَ الطَّبِيبُ : يَتَعَجَّلُ لَكَ بِهِ الشِّفَاءُ . وَإِنْ تَرَكْتَهُ تَأَخَّرَ ، فَفِي إبَاحَتِهِ وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ ، وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْهُمَا ، وَقِيَاسُ نَظِيرِهِ فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ جَوَازَهُ .
( أَمَّا ) الْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُسْكِرِ فَهَلْ يَجُوزُ شُرْبُهَا لِلتَّدَاوِي أَوْ الْعَطَشِ ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٌ ( الصَّحِيحُ ) عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا ( وَالثَّانِي ) يَجُوزُ ( وَالثَّالِثُ ) يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي دُونَ الْعَطَشِ ( وَالرَّابِعُ ) عَكْسُهُ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ : { ۝ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا ، فَقَالَ : إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ : إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ جَوَازَهَا لِلْعَطَشِ دُونَ التَّدَاوِي وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ تَحْرِيمُهَا لَهُمَا ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَسَأُورِدُ دَلِيلَهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِنْ جَوَّزْنَا شُرْبَهَا لِلْعَطَشِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ خَمْرٌ وَبَوْلٌ لَزِمَهُ شُرْبُ الْبَوْلِ وَحَرُمَ الْخَمْرُ ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبَوْلِ أَخَفُّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَهَذَا كَمَنْ وَجَدَ بَوْلًا وَمَاءً نَجِسًا فَإِنَّهُ يَشْرَبُ الْمَاءَ النَّجَسَ ، لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ طَارِئَةٌ ، وَفِي جَوَازِ التَّبَخُّرِ بِالنَّدِّ الْمَعْجُونِ بِالْخَمْرِ وَجْهَانِ بِسَبَبِ دُخَانِهِ " أَصَحُّهُمَا " جَوَازُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ دُخَانَ نَفْسِ النَّجَاسَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث