المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5304 · ص. المطبوع 65 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَاسْمُ أَبِي الْعَالِيَةِ رُفَيْعٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا : كَسْبُ الْحَجَّامِ حَلَالٌ لَيْسَ بِحَرَامٍ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَعْرُوفُ وَالْمَنْصُوصُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الْأَحْرَارِ ، وَيَجُوزُ إطْعَامُهُ لِلْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ ( وَالصَّوَابُ ) الْأَوَّلُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يُكْرَهُ لِلْعَبْدِ أَكْلُ كَسْبِ الْحَجَّامِ سَوَاءٌ كَسَبَهُ حُرٌّ أَمْ عَبْدٌ ، وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ لِلْحُرِّ ، سَوَاءٌ كَسَبَهُ حُرٌّ أَمْ عَبْدٌ ، وَلِكَرَاهَتِهِ مَعْنَيَانِ ( أَحَدُهُمَا ) مُخَالَطَةُ النَّجَاسَةِ ( وَالثَّانِي ) دَنَاءَتُهُ فَعَلَى الثَّانِي يُكْرَهُ كَسْبُ الْحَلَّاقِ وَنَحْوِهِ . وَعَلَى الْأَوَّلِ يُكْرَهُ كَسْبُ الْكَنَّاسِ وَالزَّبَّالِ وَالدَّبَّاغِ وَالْقَصَّابِ وَالْخَاتِنِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ . وَفِي كَسْبِ الْفَاصِدِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( وَالثَّانِي ) يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَفِي الْحَمَّامِيِّ وَالْحَائِلِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يُكْرَهُ الْحَائِلُ وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَسْبَ الصَّوَّاغِينَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : وَفِي كَرَاهَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلْعَبِيدِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ دَنِيءٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
65 فَرْعٌ ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أُصُولُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالصَّنْعَةُ ، وَأَيُّهَا أَطْيَبُ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ لِلنَّاسِ ( أَشْبَهُهَا ) بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التِّجَارَةَ أَطْيَبُ ، قَالَ : وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ الزِّرَاعَةَ أَطْيَبُ ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ ، وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَأَخَذُوهُ عَنْهُ ، قُلْتُ : فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ } فَالصَّوَابُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَمَلُ الْيَدِ ، فَإِنْ كَانَ زَرَّاعًا فَهُوَ أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ وَأَفْضَلُهَا ، لِأَنَّهُ عَمَلُ يَدِهِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَوَكُّلًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ : [ لِأَنَّ ] فِيهِ نَفْعًا عَامًّا لِلْمُسْلِمِينَ وَالدَّوَابِّ ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَيَحْصُلَ لَهُ أَجْرُهُ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ بَلْ يَعْمَلُ لَهُ غِلْمَانُهُ وَأُجَرَاؤُهُ فَاكْتِسَابُهُ بِالزِّرَاعَةِ أَفْضَلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً ، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَمَعْنَى يَرْزَؤُهُ يُنْقِصُهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا : { ۝ فَلَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا طَيْرٌ إلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا : { ۝ لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ ، مِنْهُ إنْسَانٌ ، وَلَا دَابَّةٌ ، وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ وَالْحِجَامَةِ عَنْ { ۝ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ : اشْتَرَى أَبِي عَبْدًا حَجَّامًا فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ 66 فَكُسِرَتْ وَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَثَمَنِ الدَّمِ ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ } ; رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ : { ۝ شَرُّ الْكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيِّ وَثَمَنُ الْكَلْبِ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ } وَعَنْ مُحَيِّصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ حَتَّى قَالَ : أَعْلِفْهُ نَوَاضِحَك } رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدِهِمْ الصَّحِيحَةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ ، وَقَالَ : خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَعَنْهُ { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجِمُ وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَأَعْطَى ، الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَاسْتَعَطَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَرَوَيَا حَدِيثَهُ السَّابِقَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ .
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ . مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ لَا عَلَى الْعَبْدِ وَلَا عَلَى الْحُرِّ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْحُرِّ التَّنَزُّهُ عَنْهُ ، وَعَنْ أَكْلِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ : وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْهُ وَفُقَهَاءُ الْمُحَدِّثِينَ : يَحْرُمُ عَلَى الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ ، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ الْبَاقِيَةَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالِارْتِفَاعِ عَنْ دَنِيءِ الِاكْتِسَابِ ، وَالْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث