المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5336 · ص. المطبوع 92 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ شِدَادِ بْنِ أَوْسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَحَدِيثُ رَافِعٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ رَوَى بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ ، مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَالذِّبْحَةَ " هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَالذَّالِ أَيْ هَيْئَةِ الْقَتْلِ وَالذَّبْحِ ، وَلْيُحِدَّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ يُقَالُ أَحَدَّ السِّكِّينَ وَحَدَّدَهَا وَاسْتَحَدَّهَا ، كُلُّهُ بِمَعْنًى ، وَالْمُدَى بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَهُوَ جَمْعُ مُدْيَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا سَاكِنَةَ الدَّالِ وَهِيَ السِّكِّينُ ، سُمِّيَتْ مُدْيَةً لِأَنَّهَا تَقْطَعُ مَدَى حَيَاةِ الْحَيَوَانِ ، وَسُمِّيَتْ السِّكِّينُ سِكِّينًا لِأَنَّهَا تُسْكِنُ حَرَكَةَ الْحَيَوَانِ وَفِيهَا ، لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ 92 قَوْلُهُ ) لِيطَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَبِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهِيَ الْقِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ لِلْقَصَبَةِ ، وَقِيلَ مُطْلَقُ قِشْرَةِ الْقَصَبَةِ ، وَالْجَمَاعَةُ لِيطٌ ( وَقَوْلُهُ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ " أَيْ أَسَالَهُ وَقَوْلُهُ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ " هُمَا مَنْصُوبَانِ بِلَيْسَ ( وَقَوْلُهُ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ) مَعْنَاهُ فَلَا يَجُوزُ بِهِ ، لِأَنَّهُ مُتَنَجِّسٌ بِالدَّمِ ، وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ تَنْجِيسِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ لِكَوْنِهِمَا زَادَ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ ( وَأَمَّا ) الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ كُفَّارٌ ( وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) السُّنَّةُ تَحْدِيدُ السِّكِّينِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَيُسْتَحَبُّ إمْرَارُهَا بِقُوَّةٍ وَتَحَامُلٍ ذَهَابًا وَعَوْدًا لِيَكُونَ أَوْحَى وَأَسْهَلَ ، فَلَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ كَالَّةٍ كُرِهَ وَحَلَّتْ الذَّبِيحَةُ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُحَدِّدَ السِّكِّينَ ، وَالشَّاةُ تَنْظُرُ السِّكِّينَ وَأَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ وَالْأُخْرَى تَنْظُرُ وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا ، قَالُوا : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُسَاقَ إلَى الْمَذْبَحِ بِرِفْقٍ وَتُضْجَعَ بِرِفْقٍ وَيُعْرَضَ عَلَيْهَا الْمَاءُ قَبْلَ الذَّبْحِ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : لَا تَحْصُلُ الذَّكَاةُ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ وَلَا بِسَائِرِ الْعِظَامِ ، وَتَحْصُلُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُحَدَّدَاتِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْحَدِيدِ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ ، أَوْ مِنْ الرَّصَاصِ أَوْ النُّحَاسِ أَوْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ الْخَشَبِ الْمُحَدَّدِ أَوْ الْقَصَبِ أَوْ الزُّجَاجِ أَوْ الْحَجَرِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا خِلَافَ فِي كُلِّ هَذَا عِنْدَنَا ، وَيَحِلُّ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ سِوَى الظُّفُرِ وَالسِّنِّ وَسَائِرِ الْعِظَامِ ( وَأَمَّا ) الظُّفُرُ وَالسِّنُّ وَسَائِرُ الْعِظَامِ فَلَا تَحِلُّ بِهَا الذَّكَاةُ وَلَا الصَّيْدُ بِلَا خِلَافٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الظُّفُرُ وَالسِّنُّ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ الْمُتَّصِلُ وَالْمُنْفَصِلُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ 93 صَاحِبُ الْحَاوِي : قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَكْرَهُ بِالْعَظْمِ الذَّكَاةَ وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ أُحَرِّمَ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ سِنٍّ وَلَا ظُفُرٍ ، قَالَ : اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ فِي التَّحْرِيمِ الِاسْمَ فَأَجَازَهُ بِالْعَظْمِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الِاسْمِ وَكَرَّرَهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، قَالَ : وَفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ السِّنِّ بِأَنَّهُ عَظْمٌ ، هَذَا نَقَلَهُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا بَاطِلًا أَنَّ عَظْمَ الْمَأْكُولِ تَحْصُلُ بِهِ الذَّكَاةُ . وَهَذَا غَلَطٌ ، وَلَوْ رُكِّبَ عَظْمٌ عَلَى سَهْمٍ وَجُعِلَ نَصْلًا لَهُ فَقُتِلَ بِهِ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ يَحِلُّ وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ .
( الثَّالِثَةُ ) لَوْ أَرَادَ الذَّكَاةَ بِمُثْقَلٍ فَأَثَّرَ بِثِقَلِهِ دَقًّا أَوْ خَنْقًا لَمْ يَحِلَّ وَكَذَا لَوْ كَانَ مُثْقَلًا فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَمْ يَحِلَّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْجُرْحِ ، وَلَوْ ذَبَحَهُ بِحَدِيدَةٍ لَا تَقْطَعُ وَتَحَامَلَ عَلَيْهَا حَتَّى أَزْهَقَهُ لَمْ يَحِلَّ لِأَنَّ الْقَطْعَ هُنَا بِقُوَّةِ الذَّابِحِ وَاعْتِمَادِهِ الشَّدِيدِ لَا بِالْآلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) اعْلَمْ أَنَّهُ يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِي التَّنْبِيهِ : يَجُوزُ الذَّبْحُ بِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ إلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ . وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي جَوَازَ الذَّبْحِ بِالْعِظَامِ الْمُحَدَّدَةِ سِوَى السِّنِّ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ إلَّا الْعَظْمَ وَالظُّفُرَ ، أَوْ إلَّا الظُّفُرَ وَالسِّنَّ وَسَائِرَ الْعِظَامِ ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْمُهَذَّبِ أَجْوَدُ ، وَمَعَ هَذَا فَأَهْمَلَ فِيهِ بَيَانَ مَنْعِ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ ( فَإِنْ قِيلَ ) لَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ ( قُلْنَا ) : ( أَمَّا ) فِي الْمُهَذَّبِ فَلَهُ فِي هَذَا بَعْضُ الْعُذْرِ ( وَأَمَّا ) فِي التَّنْبِيهِ فَلَا عُذْرَ لَهُ وَلَا جَوَابَ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْحَدِيثَ حَتَّى يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ ( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ إيهَامٌ بِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ فِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ فِي السِّنِّ ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَظْمًا فَفَهِمْنَا مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَظْمِ لَا تَحِلُّ الذَّكَاةُ بِهِ .
( فَرْعٌ ) لَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَسْرُوقٍ أَوْ كَالٍّ وَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ كُرِهَ ذَلِكَ وَحَلَّتْ الذَّبِيحَةُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : وَبِهِ 94 قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا دَاوُد فَقَالَ : لَا تَحِلُّ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَبْحٌ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا : ( مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ) وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ : ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ) أَنَّهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ فِعْلِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إبْطَالُ الذَّكَاةِ ، وَلِهَذَا لَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ حَلَالٍ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَإِنَّهُ تَحْصُلُ الذَّكَاةُ وَالْوُضُوءُ بِالْإِجْمَاعِ .
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ الذَّكَاةُ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا حُصُولُهُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ إلَّا الظُّفُرَ وَالسِّنَّ وَسَائِرَ الْعِظَامِ ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَاللَّيْثُ وَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَالْجَمَاهِيرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ بِالظُّفُرِ وَالْعَظْمِ الْمُتَّصِلَيْنِ ، وَيَجُوزُ بِالْمُنْفَصَلِينَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : تَحْصُلُ الذَّكَاةُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ ، وَنَحْوِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيِّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ إبَاحَةُ الذَّكَاةِ بِالْعَظْمِ وَمَنْعُهُ بِالسِّنِّ ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : وَعِنْدِي تَحْصُلُ الذَّكَاةُ بِهِمَا ، وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : تُذَكِّي بِعَظْمِ الْحِمَارِ ، وَلَا تُذَكِّي بِعَظْمِ الْقِرْدِ ، لِأَنَّ الْحِمَارَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَتَسْقِيهِ فِي خُفِّك وَهَذَا مَذْهَبٌ فَاسِدٌ وَاسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ ، وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ رَافِعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث