المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5356 · ص. المطبوع 124 · الشرح
( الشَّرْحُ ) قَوْلُهُ : إذَا أَدْخَلَ الْكَلْبُ ظُفُرَهُ أَوْ نَابَهُ فِي الصَّيْدِ نَجِسَ ، يَعْنِي الْمَوْضِعَ الَّذِي أَدْخَلَ فِيهِ لِأَكْلِ الصَّيْدِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : إذَا أَدْخَلَ ظُفُرَهُ أَوْ نَابَهُ نَجِسَ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْغَسْلَ ( فَمِنْ ) الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ : أَرَادَ بِهِ ( نَجِسَ ) لَا يَجِبُ غَسْلُهُ لِلْمَشَقَّةِ ، بَلْ يُعْفَى عَنْهُ ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْغَسْلَ ( وَمِنْهُمْ ) مَنْ قَالَ : أَرَادَ بِهِ " نَجِسَ " يَجِبُ غَسْلُهُ ، فَذَكَرَ النَّجَاسَةَ وَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الْغَسْلِ ، لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَتْ النَّجَاسَةُ وَجَبَ الْغَسْلُ ، فَحَذَفَ ذِكْرَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ طُرُقٍ .
( أَحَدُهَا ) أَنَّ مَوْضِعَ الظُّفُرِ وَالنَّابِ نَجِسٌ قَطْعًا ، وَفِي وُجُوبِ غَسْلِهِ وَتَعْفِيرِهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ .
( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) حَكَاهُ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَآخَرُونَ ، فِي نَجَاسَتِهِ قَوْلَانِ 124 أَحَدُهُمَا ) نَجِسَ ، وَفِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَالتَّعْفِيرِ الْخِلَافُ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ طَاهِرٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا أَوْ دَائِمًا ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ ذِكْرِهِ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ ، مَعَ تَكْرَارِ سُؤَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ .
( وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ ) إنْ أَصَابَ الْكَلْبُ غَيْرَ الْعُرُوقِ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ أَصَابَ عِرْقًا نَضَّاحًا بِالدَّمِ سَرَى حُكْمُ النَّجَاسَةِ إلَى جَمِيعِ الصَّيْدِ وَحَرُمَ أَكْلُهُ ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ : وَهَذَا غَلَطٌ ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا اتَّصَلَتْ بِالدَّمِ فَالْعِرْقُ وِعَاءٌ حَاجِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ ، ثُمَّ الدَّمُ إذَا كَانَ يَفُورُ امْتَنَعَ غَوْصُ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، كَالْمَاءِ الْمُتَصَعِّدِ مِنْ فَوَّارَةٍ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَعْلَاهُ لَمْ يَنْجَسْ مَا تَحْتَهُ إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ نَجِسٌ ، وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ ، فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ، وَيَطْهُرُ حِينَئِذٍ وَيُؤْكَلُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ الظُّفُرِ وَالنَّابِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا مَسَّهُ الْكَلْبُ دُونَ مَا لَمْ يَمَسَّهُ مَعَ الرِّفْقِ بِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ أَصْلًا ، مَعَ أَنَّهُ نَجِسٌ ، وَيَحِلُّ أَكْلُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا مَشْهُورَانِ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تُرَابٍ ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَحَرَجٌ ، حَكَاهُ صَاحِبَا الْفُرُوعِ وَالْبَيَانِ ( وَالرَّابِعُ ) أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ . بَلْ يَجِبُ تَقْوِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَطَرْحُهُ ، لِأَنَّهُ تَشَرَّبَ لُعَابَهُ فَلَا يَتَخَلَّلُهُ الْمَاءُ ، وَهَذَا الْوَجْهُ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ . وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْعِرَاقِيُّونَ ، بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هَذَا بِلَا خِلَافٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ، وَكَيْفَ كَانَ فَهُوَ وَجْهٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْأَحَادِيثِ وَلَا فِي الْقِيَاسِ ، قَالَ 125 إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَالْقَائِلُ بِهَذَا الْوَجْهِ يَطَّرِدُ مَا ذَكَرَهُ فِي كُلِّ لَحْمٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إذَا عَضَّهُ الْكَلْبُ ، بِخِلَافِ مَا يَنَالُهُ لُعَابُهُ بِغَيْرِ عَضٍّ . هَذَا مُخْتَصَرُ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَإِذَا أَرَدْت ضَبْطَهُ مُخْتَصَرًا ( قُلْت ) فِيهِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ( وَالثَّانِي ) يَجِبُ غَسْلُهُ مَرَّةً ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ نَجِسٌ يُعْفَى عَنْهُ ، لَا يَجِبُ غَسْلُهُ ( وَالرَّابِعُ ) أَنَّهُ طَاهِرٌ ( وَالْخَامِسُ ) يَجِبُ قَطْعُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ( وَالسَّادِسُ ) إنْ أَصَابَ عِرْقًا نَضَّاحًا بِالدَّمِ حَرُمَ جَمِيعُهُ وَلَا طَرِيقَ إلَى أَكْلِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ ظُفُرِ الْكَلْبِ وَنَابِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث