المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5397 · ص. المطبوع 182 · الشرح
( الشَّرْحُ ) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَأَوَّلِ كِتَابَيْ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَوْلُهُ : ( تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ ) احْتِرَازٌ مِنْ اخْتِيَارِ الصَّبِيِّ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ وَهُوَ مُمَيِّزٌ ، وَمِنْ عِبَادَاتِهِ وَحَمْلِهِ الْهَدِيَّةَ ، وَمَنْ وَطْءِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ امْرَأَتَيْهِمَا ، وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ فَلِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : يَصِحُّ الْبَيْعُ مِنْ كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُخْتَارٍ ، فَمِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَعْمَى ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا هُوَ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ ، وَيَدْخُلُ أَيْضًا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَكَانَ يَنْبَغِي ، أَنْ يَزِيدَ بَصِيرًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ قَرِيبًا ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا إسْلَامُ الْمُشْتَرِي إنْ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ مُصْحَفًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ ( وَأَمَّا ) السَّكْرَانُ فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَسَائِرِ عُقُودِهِ الَّتِي تَضُرُّهُ وَاَلَّتِي تَنْفَعُهُ 182 وَالثَّانِي ) لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا ( وَالثَّالِثُ ) يَصِحُّ مَا عَلَيْهِ دُونَ مَالِهِ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ دُونَ إيهَابِهِ ، وَتَصِحُّ رِدَّتُهُ دُونَ إسْلَامِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْأَوْجُهَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَهُنَاكَ نُوَضِّحُهَا بِفُرُوعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( وَأَمَّا ) الصَّبِيُّ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ وَلَا إجَارَتُهُ وَسَائِرُ عُقُودِهِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ سَوَاءٌ بَاعَ بِغَبْنٍ أَوْ بِغِبْطَةٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَسَوَاءٌ بَاعَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَسَوَاءٌ بَيْعُ الِاخْتِبَارِ وَغَيْرُهُ ، وَبَيْعُ الِاخْتِبَارِ هُوَ الَّذِي يَمْتَحِنُهُ الْوَلِيُّ بِهِ لِيَسْتَبِينَ رُشْدَهُ عِنْدَ مُنَاهِزَةِ الِاحْتِلَامِ ، وَلَكِنَّ طَرِيقَ الْوَلِيِّ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ الِاسْتِلَامَ وَتَدْبِيرَ الْعَقْدِ ، فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الْعَقْدِ أَتَى بِهِ الْوَلِيَّ وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُهُ عِنْدَنَا إلَّا فِي بَيْعِ الِاخْتِبَارِ ، فَإِنَّ فِيهِ وَجْهًا شَاذًّا ضَعِيفًا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ ، مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْبَيْعُ لَزِمَ مِنْهُ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ عَلَى الصَّبِيِّ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَقِيلَ : وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ إسْقَاطُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْفُقَهَاءُ : إذَا اشْتَرَى الصَّبِيُّ شَيْئًا وَسُلِّمَ إلَيْهِ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ ، وَكَذَا لَوْ اقْتَرَضَ مَالًا ، لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُضَيِّعُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ ، وَمَا دَامَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فَلِلْمَالِكِ الِاسْتِرْدَادُ وَإِنْ قَبَضَهَا الْوَلِيُّ مِنْ الصَّبِيِّ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْوَلِيِّ ، وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ إلَى الْبَائِعِ ثَمَنَ مَا اشْتَرَاهُ لَمْ يَصِحَّ تَسْلِيمُهُ ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ رَدُّهُ إلَى الْوَلِيِّ ، وَيَلْزَمُ الْوَلِيِّ طَلَبُهُ وَاسْتِرْدَادُهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ رَدَّهُ إلَى الصَّبِيِّ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَذَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ دِرْهَمًا إلَى صَرَّافٍ لِيَنْقُدَهُ ، أَوْ سَلَّمَ مَتَاعًا إلَى مُقَوِّمٍ لَيُقَوِّمَهُ ، فَإِذَا قَبَضَهُ مِنْ 183 الصَّبِيِّ دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْقَابِضِ ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ رَدُّهُ إلَى الصَّبِيِّ ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَدَّهُ إلَى وَلِيِّهِ إنْ كَانَ الْمَالُ لِلصَّبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ لِكَامِلٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ أَوْ وَكِيلِهِ فِيهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ أَمَرَهُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ بِدَفْعِهِ إلَى الصَّبِيِّ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ إنْ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلِيِّ ، فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ لَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِلْقَاءِ مَالِ الصَّبِيِّ فِي بَحْرٍ فَأَلْقَاهُ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ قَطْعًا .
( فَرْعٌ ) لَوْ تَبَايَعَ صَبِيَّانِ وَتَقَابَضَا وَأَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا قَبَضَهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ جَرَى ذَلِكَ بِإِذْنِ الْوَلِيَّيْنِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَلِيَّيْنِ وَيَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيَّيْنِ الضَّمَانُ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُمَا لَا يُعَدُّ تَسْلِيطًا وَتَضْيِيعًا بِخِلَافِ تَسْلِيمِ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث