المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5730 · ص. المطبوع 69 · الشرح
الْحُكْمُ الثَّانِي تَحْرِيمُ النَّسِيئَةِ وَهُوَ حَرَامٌ فِي الْجِنْسِ ، وَالْجِنْسَيْنِ إذَا كَانَ الْعِوَضَانِ جَمِيعًا مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ ، وَالْحِنْطَةِ بِالتَّمْرِ ، وَذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ صَرِيحًا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَدَمَ الْخِلَافِ فِيهِ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ : وَاتَّفَقُوا أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ نَسِيئَةً حَرَامٌ ، وَأَنَّ بَيْعَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ نَسِيئَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ إلَّا أَنَّا وَجَدْنَا لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ بَاعَ مِنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ جُبَّةً مَنْسُوجَةً بِالذَّهَبِ بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ ، وَأَنَّ عَمْرًا أَحْرَقَهَا ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مِنْ الذَّهَبِ أَكْثَرَ مِمَّا ابْتَاعَهَا بِهِ ، وَوَجَدْنَا لِلْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ صَاحِبِ مَالِكٍ أَنَّ دِينَارًا وَثَوْبًا بِدِينَارَيْنِ أَحَدُهُمَا نَقْدًا وَالْآخَرُ نَسِيئَةً جَائِزٌ ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ بَيْعَ الْقَمْحِ بِالْقَمْحِ نَسِيئَةً حَرَامٌ ، وَأَنَّ بَيْعَ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ كَذَلِكَ نَسِيئَةً حَرَامٌ ، وَأَنَّ بَيْعَ الْمِلْحِ بِالْمِلْحِ نَسِيئَةً حَرَامٌ ، وَأَنَّ بَيْعَ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً حَرَامٌ ا هـ كَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ . وَقَدْ رَأَيْتُ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا عَنْ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ فِي تَعْلِيقَةِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونِسِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، وَلَعَلَّ لَهُ تَأْوِيلًا أَوْ وَقَعَ وَهْمٌ فِي النَّقْلِ . وَمِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ كَحَدِيثِ أُسَامَةَ وَحَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . أَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ فَقَوْلُهُ " إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ " إنْ جَعَلْنَاهُ مَنْسُوخًا فَالْمَنْسُوخُ مِنْهُ الْحَصْرُ خَاصَّةً ، كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي " إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ " فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْإِثْبَاتِ مُسْتَمِرٌّ لَمْ يُنْسَخْ ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ فَيَكُونُ دَالًّا عَلَى تَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِي الْجِنْسَيْنِ ، وَفِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِهِ فِي الْجِنْسَيْنِ ، فَإِذَا حُرِّمَ التَّفَاضُلُ فَالنَّسَاءُ أَوْلَى وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّالِثِ وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ 69 فَلَا تَبْقَى فِيهِ دَلَالَةٌ ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا ، فَفِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ أَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " { ۝ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ } " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَنْعِ الْأَجَلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، بَلْ عُمُومُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ الْمَذْكُورِ ، سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا أَوْ جِنْسَيْنِ . وَقَدْ أُخِذَ هَذَا الْحُكْمُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ هَا وَهَا } إمَّا لِأَنَّ اللَّفْظَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ ابْتِدَاءً ( وَإِمَّا ) لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّقَابُضَ ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُلُولُ غَالِبًا . وَأَمَّا فَرْضُ أَجَلٍ يَسِيرٍ يَنْقَضِي فِي الْمَجْلِسِ فَنَادِرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَمَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ أَخْذَهُ مِنْ هَذَا . وَقَالَ هُوَ وَالْغَزَالِيُّ : إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ : عَيْنًا بِعَيْنٍ . إذْ الْعَيْنُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْأَجَلُ وَلَا يُمْكِنُهُمَا الْوَفَاءُ بِمُقْتَضَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ . لِأَنَّهُمَا وَجَمِيعَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَشْتَرِطُونَ التَّعْيِينَ بَلْ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَرِدَ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . لَكِنَّهُ قَدْ يُقَالُ : إنْ غَلَبَ إطْلَاقُ الدَّيْنِيَّةِ فِي الْأَجَلِ وَالْعَيْنِيَّةِ فِي مُقَابِلِهِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا . وَفِي تَسْلِيمِ هَذِهِ الْغَلَبَةِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث