المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5817 · ص. المطبوع 190 · الشرح
( وَأَمَّا ) أَعْضَاءُ الْحَيَوَانِ كَالْكَرِشِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالْقَلْبِ وَالرِّئَةِ فَفِيهَا طَرِيقَانِ ( أَشْهُرُهُمَا ) أَنَّا إذَا قُلْنَا اللُّحُومُ أَجْنَاسٌ فَهَذِهِ أَوْلَى لِاخْتِلَافِ أَسْمَائِهَا وَصِفَاتِهَا .
( وَإِنْ قُلْنَا ) إنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَوَجْهَانِ ، لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ اللَّحْمَ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَهَذَا كَالْخِلَافِ فِي أَنَّ لَحْمَ السَّمَكِ أَجْنَاسٌ أَوْ هُوَ جِنْسٌ كَسَائِرِ اللَّحْمِ . هَكَذَا عَبَّرَ الرَّافِعِيُّ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ . وَعَبَّرَ الْإِمَامُ عَنْهَا بِأَنَّا إنْ قُلْنَا : اللُّحُومُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَكُلُّ مَا حَنِثَ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ اللُّحْمَانِ وَفِيمَا لَا حِنْثَ بِأَكْلِهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي اللَّحْمِ الَّذِي مَعَ لُحُومِ الْحِيتَانِ ، وَالْكَلَامَانِ رَاجِعَانِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، فَالرَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ بَنَى 190 كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى اللَّحْمِ لَا يَحْنَثُ بِهَذِهِ . وَحَكَى الْخِلَافَ مَعَ ذَلِكَ وَرَجَعَ إلَى مَا قَالَهُ . وَإِنْ شِئْت جَعَلْت الْخِلَافَ مُرَتَّبًا فَنَقُولُ ( إنْ قُلْنَا ) إنَّهَا جِنْسٌ فَإِنْ قُلْنَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى اللَّحْمِ بِهَا فَهِيَ جِنْسٌ ( وَإِنْ قُلْنَا ) لَا يَحْنَثُ فَفِي الْمُجَانَسَةِ وَجْهَانِ كَالسَّمَكِ مَعَ اللَّحْمِ . وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَقْرَبُ إلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى مَعَ عَدَمِ حِكَايَةِ الْخِلَافِ ، فَكَأَنَّهُ جَزَمَ بِالِاخْتِلَافِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، أَوْ رَجَّحَ الْقَوْلَ بِالِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اللُّحُومَ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، فَلَوْ تَحَقَّقَ مِنْ الْمُصَنِّفِ الْجَزْمُ بِذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ طَرِيقَةً ثَالِثَةً فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ الْقَفَّالِ .
قَالَ الْإِمَامُ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ رَدِيئَةٌ لَمْ أَرَهَا إلَّا لِشَيْخِنَا حَكَاهَا عَنْ الْقَفَّالِ . قَالَ : فَلَا أَعُدُّهَا مِنْ الْمَذْهَبِ فَإِنَّا إنْ جَعَلْنَا اللُّحُومَ جِنْسًا وَاحِدًا فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُجَانِسَةٌ لَهَا ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا أَجْنَاسًا فَوَجْهَانِ لِاتِّحَادِ الْحَيَوَانِ وَصَارَ كَلَحْمِ الظَّهْرِ مَعَ شَحْمِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَكَيْفَمَا قَرَّرَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ، فَتُذْكَرُ الْأَعْضَاءُ كَمَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ مُفَصَّلَةً ، وَمَا ذَكَرَهُ مَعَهَا مِمَّا يُشْبِهُ الْأَعْضَاءَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُسَمَّى عُضْوًا وَنَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ عَلَى تَرْتِيبِهِ . أَمَّا اللَّحْمُ وَالشَّحْمُ فَجِنْسَانِ ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ حَيَوَانٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ حَيَوَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ . وَإِنْ قُلْنَا : اللُّحُومُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِاخْتِلَافِ اسْمَيْهِمَا فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا اسْمًا يَخُصُّهُ ، وَمَعَ اخْتِلَافِ الِاسْمِ الْخَاصِّ لَا أَثَرَ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَوْ اخْتِلَافِهِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَيْضًا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ : إنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةِ ، قَالَ هُوَ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ : وَأَرَادَ بِهِ الشَّحْمَ الَّذِي فِي الْجَوْفِ فَأَمَّا الَّذِي عَلَى جَنْبِ الْبَهِيمَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَحْمٌ أَبْيَضُ وَلَيْسَ بِشَحْمٍ ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَيْضًا الْقَاضِي حُسَيْنٌ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي شَحْمِ الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ اللَّحْمِ لِاحْتِكَارِهَا عِنْدَ الْهُزَالِ . وَقِيلَ مِنْ جِنْسِ الشَّحْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى 191 { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } ) وَأَمَّا شَحْمُ الْبَطْنِ فَمُغَايِرٌ لِلَّحْمِ بِلَا خِلَافٍ وَشَحْمُ الْعَيْنِ جَزَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ فِي الْأَيْمَانِ بِأَنَّهُ كَشَحْمِ الْبَطْنِ . ثُمَّ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ . قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ : وَيَجُوزُ بَيْعُ شَحْمِ الْبَطْنِ بِشَحْمِ الظَّهْرِ وَلَحْمِهِ مُتَفَاضِلًا وَجُزَافًا وَرَطْبًا وَيَابِسًا لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَجَزَمَ فِي الرِّبَا بِكَوْنِهِمَا جِنْسَيْنِ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : يَتَعَيَّنُ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْخِلَافُ الَّذِي تَقَدَّمَ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ . وَذَكَرُوا وَجْهًا فِي الْأَيْمَانِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ الْحَالِفَ إنْ كَانَ عَرَبِيًّا فَشَحْمُ الظَّهْرِ شَحْمٌ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَهُ شَحْمًا ، وَإِنْ كَانَ عَجَمِيًّا فَهُوَ لَحْمٌ فِي حَقِّهِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَظْهَرُ جَرَيَانُهُ فِي الرِّبَا ، لِأَنَّ الْجِنْسِيَّةَ فِي الرِّبَا لَيْسَتْ رَاجِعَةٌ إلَى فَهْمِ الْمُتَعَاقِدِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ وَالْأَلْيَةُ جِنْسَانِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ . وَعَلَّلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْوَجْهَ الْآخَرَ بِأَنَّ الْأَلْيَةَ لَحْمٌ إلَّا أَنَّهُ سَمِينٌ ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الظَّهْرِ وَلَحْمَ الْجَنْبِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَالشَّحْمُ وَالْأَلْيَةُ جِنْسَانِ جَزَمَ بِهِ فِي التَّهْذِيبِ . وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي : إنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : إنَّ الْخِلَافَ فِيهَا كَاللَّحْمِ وَالْأَلْيَةِ ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ بَعْدَمَا حَكَى قَوْلَ الْأَصْحَابِ فِي الْأَلْيَةِ مَعَ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ احْتِمَالَ الْإِمَامِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ أَنَّهُ حَكَى طَرِيقَيْنِ فِي الْأَلْيَةِ مَعَ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهَا مِنْ اللَّحْمِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَالْأَصَحُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ الْأَلْيَةَ لَيْسَتْ بِلَحْمٍ وَلَا شَحْمٍ . وَقِيلَ لَحْمٌ ، وَقِيلَ شَحْمٌ .
( أَمَّا ) الشُّحُومُ وَحْدَهَا هَلْ هِيَ أَجْنَاسٌ أَوْ جِنْسٌ وَاحِدٌ ؟ فِيهَا قَوْلَانِ كَاللُّحُومِ . قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ . قَالَ : وَلَكِنْ هَلْ تَكُونُ الْأَلْيَةُ وَمَا حَمَلَهُ الظَّهْرُ صِنْفًا مِنْ الشَّحْمِ أَمْ لَا ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الشَّحْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهَا أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - وَلِتَوْجِيهِ ذَلِكَ مَوْضِعٌ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ ، وَاللَّحْمُ وَالْكَبِدُ جِنْسَانِ عَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَيْمَانِ ، قَالَ 192 صَاحِبُ الْبَيَانِ : فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْجِنْسِ الْآخَرِ مُتَفَاضِلًا .
( فَرْعٌ ) وَهُوَ أَصْلٌ : قَالَ الْإِمَامُ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ : الْقَوْلُ فِي هَذَا يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ أَمْرٍ إلَى أَصْلٍ فِي الْأَيْمَانِ ، إذَا قَالَ الرَّجُلُ : وَاَللَّهِ لَا آكُلُ اللَّحْمَ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْكَبِدِ وَالْكَرِشِ وَالطِّحَالِ وَالْمِعَاءِ وَالرِّئَةِ ، فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى لَحْمًا . وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ قَوْلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) هَذَا ( وَالثَّانِي ) يَحْنَثُ فَإِنَّهَا فِي مَعْنَى اللَّحْمِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهَا ، وَلَسْتُ أَعْنِي سَمِينَ اللَّحْمِ ، فَإِنَّهُ مَعْدُودٌ مِنْ اللَّحْمِ ، اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَنْ نَقَلُوهُ .
( وَأَمَّا ) الْقَلْبُ ، فَقَدْ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَرَاوِزَةِ بِأَنَّهُ لَحْمٌ ، وَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ كَالْكَبِدِ وَاَلَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ وَالْكَلِمَةُ عِنْدِي فِي مَعْنَى الْقَلْبِ وَالْأَلْيَةِ لَمْ يَعُدَّهَا الْمُحَقِّقُونَ مِنْ اللَّحْمِ وَلَا مِنْ الشَّحْمِ ، وَهَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ عِنْدِي ، فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ كَاللَّحْمِ السَّمِينِ يُجْمَعُ لِلصَّائِرِ عَلَى مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ ، فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُكْمِ الْأَيْمَانِ ، وَاسْتِقْصَاؤُهُ يُحَالُ عَلَى مَوْضِعِهِ ، عُدْنَا إلَى غَرَضِنَا
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث