المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5830 · ص. المطبوع 209 · الشرح
( فَرْعٌ ) لَوْ تَفَرَّقَا بَعْدَ تَقَابُضِ الْجُمْلَتَيْنِ ، وَقِيلَ الْكَيْلُ فِي الْمَكِيلِ ، وَالْوَزْنُ فِي الْمَوْزُونِ فَهَلْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْإِبَانَةِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا وَنَسَبَهُمَا الرُّويَانِيُّ إلَى الْقَفَّالِ ( أَصَحُّهُمَا ) عَلَى مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ لَا ، لِوُجُودِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ ( وَالثَّانِي ) نَعَمْ لِبَقَاءِ الْعَلَقَةِ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إنَّهُ الْأَشْبَهُ قَالَ : لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : إنَّ الْقَبْضَ جُزَافًا فِي هَذِهِ لَا يَصِحُّ فَقَدْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ ( قُلْتُ ) وَقَدْ بَنَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي السِّلْسِلَةِ عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ ، وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى هَذَا الْأَصْلِ قَوِيَ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَسَائِرَ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بَلْ وَالشَّافِعِيَّ بَلْ وَسَائِرَ الْعُلَمَاءِ جَازِمُونَ بِأَنَّ الْقَبْضَ فِيمَا يُبَاعُ مُكَايَلَةً لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْكَيْلِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ : وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا كَيْلًا فَقَبْضُهُ أَنْ يَكْتَالَهُ . وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ الصَّرْفِ : وَالْقَبْضِ مِنْ الْبُيُوعِ كُلُّ مَا كَانَ يَنْتَقِلُ مِثْلُ الصَّيْدِ وَالْعُرُوضِ أَوْ يُوزَنُ وَيُكَالُ فَقَبْضُهُ الْكَيْلُ وَالِانْتِقَالُ وَالْوَزْنُ ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ : وَلَوْ أَعْطَى طَعَامًا فَصَدَّقَهُ فِي كَيْلِهِ لَمْ يَجُزْ ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ : لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَا بِيعَ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ مَقْبُوضًا إلَّا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا وَأَطْلَقَ الْأَصْحَابُ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ الرَّافِعِيُّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَبْضَ فَاسِدٌ ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ 209 الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ وَجَزَمَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مِنْهُ طَعَامًا بِالْكَيْلِ فَدَفَعَ إلَيْهِ الطَّعَامَ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ .
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ بَيْعِ الثِّمَارِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ جُزَافًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَفِي انْفِسَاخِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ لِبَقَاءِ الْكَيْلِ بَيْنَهُمَا ، لَكِنَّهُ فِي بَابِ الْقَبْضِ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُسَلَّطًا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إنَّهُ يَصِحُّ قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَهَذَا أَقْيَسُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يَصِحُّ وَادَّعَى الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ السَّلَمِ وَأَبُو الطَّيِّبِ هُنَا أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إنَّهُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ شِيَخَةٌ وَطَوَائِفُ مِنْ الْأَصْحَابِ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّ الْجُمْهُورَ عَلَيْهِ . وَرَدَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَا وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ : إنَّ الْمُرَادَ بِفَسَادِ الْقَبْضِ هَاهُنَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي مِقْدَارِهِ . وَهَذَا لَيْسَ مَحْمَلًا وَاضِحًا . قَالَ : وَإِنَّمَا يَسْتَمِرُّ إطْلَاقُ الْفَسَادِ مِمَّنْ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ مِنْ الْقَدْرِ الْمُسْتَيْقَنِ . وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّلَمِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الرَّافِعِيَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبَارِهِ الْقَبْضَ الْمَذْكُورَ فَيَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ أَلَّا يَعْتَبِرَهُ فِي الصَّرْفِ ، وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ ، وَيُكْتَفَى بِصُورَةِ الْقَبْضِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ وَجْهِ كَوْنِهِ نَاقِلًا لِلضَّمَانِ عَلَى أَشْكَالِهِ ، لَكِنَّ بَابَ الرِّبَا يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ ، وَأَلَّا يُكْتَفَى إلَّا بِمَا هُوَ قَبْضٌ تَامٌّ ، وَيُعَضِّدُهُ مَفْهُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ لَا بَأْسَ إذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ } " فَاقْتَضَى اشْتِرَاطَ أَلَّا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ الْعَلَقِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْكَيْلُ .
وَقَدْ أَجَازَ الْإِمَامُ فَبَنَى الْوَجْهَيْنِ فِي بُطْلَانِ الْعَقْدِ بِالتَّفَرُّقِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي أَنَّ التَّقَابُضَ عَلَى الْمُجَازَفَةِ هَلْ يُسَلَّطُ عَلَى بَيْعِ مَا اسْتَتْبَعَتْهُ ؟ ( إنْ قُلْنَا ) نَعَمْ لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَبْطُلُ لِنُقْصَانِ الْقَبْضِ ( وَالثَّانِي ) لَا ، لِجَرَيَانِهِ وَاقْتِضَائِهِ لِنَقْلِ الضَّمَانِ ، وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فَقَالَ : الْوَجْهَانِ يُبْنَيَانِ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْقَبْضَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ مُكَايَلَةٍ هَلْ يَكُونُ قَبْضًا صَحِيحًا فِي انْبِرَامِ الْعَقْدِ أَمْ لَا ؟ فَعَلَى 210 وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) صَحِيحٌ لِانْتِقَالِ الضَّمَانِ ( وَالثَّانِي ) لَا لِعَدَمِ التَّصَرُّفِ ( فَإِنْ قُلْتَ ) كَيْفَ يُقَالُ : إنَّ الْقَبْضَ الْمَذْكُورَ لَا يَكْفِي وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الصَّرْفِ : إذَا اشْتَرَى دِينَارًا بِدِينَارٍ وَتَقَابَضَا ، وَمَضَى كُلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَعِيرُ الدِّينَارَ الَّذِي قَبَضَهُ بِالْوَزْنِ جَازَ ، وَنَزَّلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَرَفَ وَزْنَ الدِّينَارِ فَصَدَّقَهُ الْآخَرُ وَتَقَابَضَا ، وَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَبْطُلَ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ حِينَئِذٍ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ الْمَذْكُورَ كَافٍ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ( قُلْتُ ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَ صَاحِبِ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ ، وَتَأْوِيلِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ ، فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ فِي الْفُرُوعِ السَّالِفَةِ أَوَّلًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَبْضَ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ لَهُ صُورَتَانِ ( إحْدَاهُمَا ) أَنْ يَحْصُلَ مَعَ اعْتِقَادِ الْمُمَاثَلَةِ اعْتِمَادًا عَلَى خَبَرِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِ ( وَالثَّانِيَةُ ) أَنْ يَحْصُلَ التَّقَابُضُ بِالْجُزَافِ مَعَ الْجَهْلِ وَالتَّرَدُّدِ ( فَأَمَّا ) هَذِهِ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ فَيَظْهَرُ فِيهَا الْحُكْمُ بِفَسَادِ الْقَبْضِ ، وَأَنَّ التَّفَرُّقَ بَعْدَهُ قَبْلَ جَرَيَانِ قَبْضٍ صَحِيحٍ مُبْطِلٌ لِبَقَاءٍ عَلَّقَ الْعَقْدَ وَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ بَيْعٌ لَازِمٌ فِي صُبْرَةٍ بِصُبْرَةٍ لَا يَعْلَمَانِ كَيْلَهُمَا ، وَذَلِكَ مُصَادِمٌ لِلْحَدِيثِ ( وَأَمَّا ) الصُّورَةُ الْأُولَى فَوَجْهُ الْحُكْمِ بِفَسَادِ الْقَبْضِ فِيهَا أَنَّ الِاكْتِيَالَ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ } " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ شَرَطَ الْكَيْلَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ ، عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إذَا أَعْطَاهُ طَعَامًا فَصَدَقَنَا فِي كَيْلِهِ صُوَرُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ فِي الذِّمَّةِ أَوْ اشْتَرَاهُ مُشَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ فَعَزَلَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ قَدْرًا وَقَالَ : قَدْ كِلْتُ هَذَا وَالْحُكْمُ بَعْدَ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ ظَاهِرٌ ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ مَا نَقَلْتُهُ فِيهِ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ مُوَافَقَةِ صَاحِبِ الْبَيَانِ ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ وَصَاحِبَ الشَّامِلِ جَعَلُوا مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ إذَا اشْتَرَى مِنْهُ طَعَامًا بِعَيْنِهِ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ صُبْرَةً عَلَى أَنَّهَا عَشْرَةُ أَقْفِزَةٍ ، ثُمَّ قَبَضَهُ مِنْهُ جُزَافًا إنْ قَالَ لَهُ : 211 قَدْ كِلْتُهُ أَوْ هُوَ عَشْرَةُ أَقْفِزَةٍ فَقَبَلَ قَوْلَهُ وَقَبَضَهُ فَإِنَّ الْقَبْضَ فَاسِدٌ ، قَالَ : لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْكَيْلَ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ السُّنَّةِ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ : " { ۝ إذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ وَإِذَا بِعْتَ فَكِلْ } " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَقَوْلُ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ " { ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ : صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي } " .
وَلَوْلَا الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ كَانَ تَقَوِّي الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَكْتَفِي بِالْقَبْضِ الْمَذْكُورِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا فَيَكْتَفِي بِهِ . لَكِنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَضَّدَهَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي يَقْتَضِي كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ نَقْلَهُ ، مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ غَنِيَّةٌ عَنْ الِاعْتِضَادِ بِغَيْرِهَا . وَمَهْمَا ثَبَتَ فِي الطَّعَامِ ثَبَتَ مِثْلُهُ فِي النَّقْدِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِمَا ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ فَسَادُ الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِي الْفَرْعِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ فِي بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي بِذَلِكَ الْقَبْضُ ، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . وَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ مَا قَدَّمْتُهُ فِي بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ فِيهِمَا حَتَّى يَحْصُلَ الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( فَرْعٌ ) عَلَى هَذَا الْفَرْعِ : إذَا قُلْنَا بِمَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ ، فَعَلَى هَذَا إنْ كِيلَتَا بَعْدَ ذَلِكَ فَخَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَانِ صَحَّ ، وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَفَاضِلَتَيْنِ جَرَى الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، فَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالْوَجْهِ الْآخَرِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَبْطُلُ فَلَا فَرْقَ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُكَالَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَخْرُجَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ أَوْ مُتَفَاضِلَتَيْنِ . وَسَلَكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ تَرْتِيبًا آخَرَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ اخْتِلَافٌ فَقَالَ : إذَا تَقَابَضَا جُزَافًا ثُمَّ تَكَايَلَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ - فَإِنْ خَرَجَتَا مُتَفَاوِتَتَيْنِ - هَلْ يَجُوزُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَسَاوَيَا فِيهِ أَمْ لَا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ : وَجْهَانِ ، إنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ فَلِأَيِّ مَعْنًى ؟ فِيهِ مَعْنَيَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُمَا تَفَرَّقَا وَبَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَقَةُ التَّقَابُضِ ، وَالْبَابُ بَابُ رِبًا وَ ( الثَّانِي ) لِوُجُودِ الْفَضْلِ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ ، وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) لَوْ خَرَجَتَا 212 مُتَفَاوِتَتَيْنِ يَجُوزُ فَهَاهُنَا أَوْلَى ، وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ لَا يَجُوزُ فَهَاهُنَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ ( إنْ قُلْنَا ) الْمَعْنَى فِيهِ بَقَاءُ الْعَلَقَةِ لَمْ يَجُزْ ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالثَّانِي جَازَ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا خَرَجَتَا مُتَفَاوِتَتَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ يُبْنَيَانِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا حُسْنَ التَّرْتِيبِ وَالْبِنَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث