المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5872 · ص. المطبوع 273 · الشرح
( الشَّرْحُ ) هَذَا الْفَصْلُ يَتَضَمَّنُ الْقِسْمَ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ قَاعِدَةِ ( مُدِّ عَجْوَةٍ ) وَهُوَ مَا يَكُونُ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ فِيهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، 273 وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ ( مِنْهُ ) مَا يَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ فُصِلَ وَمُيِّزَ لَكَانَ قَدْ يُقْصَدُ حِينَئِذٍ ، وَيُقَابَلُ بِالْإِعْرَاضِ وَحْدَهُ كَالشَّعِيرِ الْمُخَالِطِ لِلْحِنْطَةِ وَالنُّحَاسِ الْمُخَالِطِ لِلْفِضَّةِ ، وَالشَّمْعِ الْمُخَالِطِ لِلْعَسَلِ ( وَمِنْهُ ) مَا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا بِوَجْهٍ كَالتُّرَابِ وَالْقَصْلِ وَالزُّوَانِ وَالشَّيْلَمِ وَكِلَا الْقِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَكِيلِ أَوْ فِي الْمَوْزُونِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْزُونِ امْتَنَعَ مُطْلَقًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كَلَامِهِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ وَيَمْنَعُ التَّمَاثُلَ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَكِيلِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِطُ قَدْ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْمِكْيَالِ كَالشَّعِيرِ الْيَسِيرِ جِدًّا الْمُخَالِطِ لِلْحِنْطَةِ وَالزُّوَانِ وَالْقَصْلِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ وَالتُّرَابُ أَيْضًا كَذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ ، فِي سُفُوفِ الطَّعَامِ وَقَدْ زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ ذَلِكَ قَلَّ ، أَنْ يَنْفَكَّ عَنْهُ الطَّعَامُ فَتُسُومِحَ بِهِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ مَعَ فَرْضِ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمِكْيَالِ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ : أَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ وَلَوْ يَسِيرًا ، لَكِنَّ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ الَّذِي لَا يَظْهَرُ عَلَى الْمِكْيَالِ فِي مَحِلِّ الْمُسَامَحَةِ ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ امْتَنَعَ فَهَذِهِ جِهَةُ الْفَصْلِ ( وَحَاصِلُهُ ) الْحُكْمُ فِي الْكَيْلِ بِالِامْتِنَاعِ إلَّا فِيمَا لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْمِكْيَالِ فِي الْمَكِيلِ ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا اخْتَلَطَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ مِثْلَ قَلِيلِ التُّرَابِ الدَّقِيقِ وَمَا دُقَّ مِنْ تِبْنِهِ ، فَأَمَّا الْوَزْنُ فَلَا خَيْرَ فِي مِثْلِ هَذَا . وَقَالَ فِي الْأُمِّ : وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ خَالَطَهُ غَيْرُهُ مِمَّا يُقْدَرُ عَلَى تَمْيِيزِهِ مِنْهُ ، لَمْ يَجُزْ . بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا خَالِصًا مِمَّا يُخَالِطُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا يُخَالِطُ الْمَكِيلَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ مِثْلَ قَلِيلِ التُّرَابِ وَمَا دُقَّ مِنْ تِبْنِهِ فَذَلِكَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ فَأَمَّا الْوَزْنُ فَلَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِيهِ ا هـ . وَالْعِبَارَةُ الْجَامِعَةُ لِذَلِكَ أَنَّ الرِّبَوِيَّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ وَفِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا مَا يَأْخُذُ حَظًّا مِنْ الْمِكْيَالِ ، وَهِيَ عِبَارَةُ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيِّ فِي الْكَافِي ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْضِيدِ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ فِي أَمْثِلَةِ الْخَالِصِ بِالْمَشُوبِ ، عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ ( الْأُولَى ) الْحِنْطَةُ الْخَالِصَةُ بِالْحِنْطَةِ الَّتِي فِيهَا شَعِيرٌ أَوْ زُوَانٌ .
274 قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : لَا خَيْرَ فِي مُدِّ حِنْطَةٍ بِحِنْطَةٍ مُتَفَاضِلَةٍ وَمَجْهُولَةٍ وَقَالَ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الْمَأْكُولِ مِنْ صِنْفَيْنِ شِيبَ أَحَلَّاهُمَا بِالْآخَرِ : وَلَا خَيْرَ فِي مُدِّ حِنْطَةٍ فِيهَا قَصْلٌ أَوْ فِيهَا حِجَارَةٌ أَوْ فِيهَا زُوَانٌ بِمُدِّ حِنْطَةٍ لَا شَيْءَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ . أَوْ فِيهَا تِبْنٌ لِأَنَّهَا الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مُتَفَاضِلَةً وَمَجْهُولَةً . وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : لَا خَيْرَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : لَا خَيْرَ يَعْنِي لَا يَجُوزُ قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَكُنَّا نَتَوَهَّمُ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَهُ حَتَّى وَجَدْنَاهَا لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَسَائِلِ الرِّبَا فَتَوَهَّمْنَاهَا لَهُ حَتَّى وَجَدْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، وَعِبَارَةُ الْأُمِّ أَصَحُّ مِنْ عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ ، فَإِنَّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَخَلَّ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ . وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى امْتِنَاعِ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَا إذَا كَانَ الْقَصْلُ كَثِيرًا ، يَعْنِي بِحَيْثُ يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْمِكْيَالِ أَمَّا مَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُتَبَيَّنُ فِي الْمِكْيَالِ قَالَ : فَيَجُوزُ . وَكَذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَطَرَدَا ذَلِكَ فِي الشَّعِيرِ الْمُخَالِطِ لِلْحِنْطَةِ ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يُرْشِدُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَزِيدُ فِي كَيْلِهِ . وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ بِمِثْلِهَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ كَثِيرًا ، وَذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ مَا يُوهِمُ الْمُخَالَفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَصْلِ وَالزُّوَانِ : قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مُخَالَفَةً ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْقَلِيلُ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَا لَيْسَ مَقْصُودًا ، وَإِنْ أَثَّرَ فِي الْمَكِيلِ ، فَاخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُرَادِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَضَابِطُهُ أَنَّ مَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي مَنْعِ الْمُمَاثَلَةِ ، وَمَا كَانَ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا فَيُمْنَعُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَاتِّحَادِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ فَيُمْنَعُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ لِفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ ، وَلَا يُمْنَعُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الزُّوَانِ وَالْقَصْلِ وَالشَّعِيرِ وَالشَّيْلَمِ ، كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَهُوَ وَغَيْرُهُ ضَابِطُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا - وَاللَّفْظُ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ : وَلَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ وَفِي كُلِّ 275 وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا حَبَّاتٌ مِنْ الشَّعِيرِ لَا يَجُوزُ ، وَلَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ وَفِي الْحِنْطَةِ حَبَّاتٌ مِنْ الشَّعِيرِ - فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا - جَازَ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلَا ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَذْكُرُ هَذَا التَّفْصِيلَ الْأَخِيرَ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ ، وَيُطْلِقُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ الْجَوَازَ ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ يُوهِمُ أَنَّ الْحِنْطَةَ الْمَشُوبَةَ لَا تُبَاعُ بِمِثْلِهَا وَلَا بِالْخَالِصَةِ وَإِنْ قَلَّ الْخَلِيطُ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْأَئِمَّةِ مَا ظَاهِرُهُ يُوَافِقُ كَلَامَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَمُوَافِقِيهِ ، وَاخْتَصَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْغَايَةِ فَأَوْضَحَهُ وَبَيَّنَ مَا ذَكَرْتُهُ فَقَالَ : وَقَدْ قَالُوا : إذَا بَاعَ حِنْطَةً بِحِنْطَةٍ فِي الْمِكْيَالَيْنِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا شَعِيرٌ أَوْ تُرَابٌ فَهُوَ مَمْنُوعٌ إنْ أَثَّرَ فِي التَّمَاثُلِ ، جَائِزٌ إنْ لَمْ يُؤَثِّرْ . وَلَوْ بَاعَ الشَّعِيرَ بِحِنْطَةٍ فِيهَا شَعِيرٌ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ مِثْلُهُ - صَحَّ الْبَيْعُ سَوَاءً أَثَّرَ فِي الْمِكْيَالِ أَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ . ا هـ .
قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ : وَلَا يُكْتَرَثُ بِظُهُورِ أَثَرِهِ فِي الْمِكْيَالِ وَلَا بِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا فَالنَّظَرُ إلَى كَوْنِهِ مَقْصُودًا عَلَى حِيَالِهِ ، يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الشَّعِيرِ الَّذِي خَالَطَ الْحِنْطَةَ قَدْرًا يُقْصَدُ غَيْرُهُ لِيُسْتَعْمَلَ شَعِيرًا . وَكَذَا بِالْعَكْسِ ، وَشَبَّهُوا هَذَا بِالْمُحْرِمِ الَّذِي قَطَعَ مُدَّةً لَا يَلْزَمُهُ فِدْيَةُ الشُّعُورِ الَّتِي عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَقَعُ مَقْصُودَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَذَا فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَصَاحِبِ التَّهْذِيبِ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الرِّبَوِيَّ الْمَكِيلَ إذَا بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا مَشُوبٌ بِالْآخَرِ فَالْمَانِعُ كَوْنُ الْمُخَالِطِ مَقْصُودًا لِتَمْيِيزِهِ لِيُسْتَعْمَلَ وَحْدَهُ ، وَلَيْسَ لِتَبَيُّنِهِ فِي الْمِكْيَالِ أَثَرٌ وَلَا لِمَالِيَّتِهِ ، وَإِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ فَالْمَانِعُ كَوْنُ الْمُخَالِطِ قَدْرًا يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ مِنْ الْفَرْعِ الْآتِي عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ هَهُنَا .
( فَرْعٌ ) وَهُوَ إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ قَدْرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ لَكِنَّهُ مَقْصُودٌ ، كَمَا لَوْ بَاعَ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَفِي أَحَدِ الْمِكْيَالَيْنِ أَوْ فِيهِمَا طَعَامٌ صَغِيرُ الْحَبِّ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ ، وَيُقْصَدُ كَالسِّمْسِمِ مَثَلًا ، وَمُقْتَضَى التَّفْرِيعِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ وَيَكُونُ مِنْ ( قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ لِيُتَنَبَّهْ لِأَمْرٍ ، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْفَصْلِ الَّذِي أَجْرَيْنَاهُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ مِنْهُ أَنْ يُقْصَدَ تَمْيِيزُ الْخَلِيطِ لِيُسْتَعْمَلَ عَلَى حِيَالِهِ . وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ 276 يَكُونَ هُوَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا مُنْضَمًّا إلَى غَيْرِهِ ، وَلَا يُقْصَدُ تَمْيِيزُهُ ، كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي يُقْصَدُ مَجْمُوعُهَا ، سَوَاءٌ امْتَنَعَ التَّمْيِيزُ فِيهَا كَخَلِّ التَّمْرِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ ، مَعَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُقْصَدُ تَمْيِيزُهُ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، فَهُوَ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ بِحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ أَوْ أَمْكَنَ تَمْيِيزُهُ وَلَكِنَّهُ يَقْصِدُ اخْتِلَاطَهَا ، كَالْقَمْحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى شَعِيرٍ كَثِيرٍ قَدْ يَقْصِدُهُ بَعْضُ النَّاسِ لِرُخْصِهِ أَوْ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ وَلَا يُقْصَدُ تَمْيِيزُ الشَّعِيرِ عَنْهُ ، وَإِنْ أَرَدْنَا أَنَّ قَصْدَ تَمْيِيزِ الْمَبِيعِ عَنْ الْخَلِيطِ مَانِعٌ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَصْدَ يَتَعَلَّقُ بِتَمْيِيزِ الْحِنْطَةِ عَنْ الشَّعِيرِ ، وَإِنْ قَالَ : فَذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ . وَإِنْ حَذَفْنَا لَفْظَ التَّمْيِيزِ وَقُلْنَا : الْمَانِعُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيطُ مَقْصُودًا اسْتَقَامَ ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الطَّرْدِ ، أَيْ كُلُّ خَلِيطٍ مَقْصُودٍ مَانِعٌ وَلَا يَسْتَقِيمُ فِي الْعَكْسِ ، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَانِعٍ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَبَنَ الْغَنَمِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ بِلَبَنِ الْبَقَرِ الْمَشُوبِ وَالْخَالِصِ كَمَا قُلْنَا فِي خَلِّ التَّمْرِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَلَا يُفِيدُ كَوْنُهُ يُقْصَدُ تَمْيِيزُ اللَّبَنِ عَنْهُ ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرَ مُرَادٍ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْذَفَ لَفْظُ التَّمْيِيزِ ، وَيُجْعَلُ هَذَا الضَّابِطُ مُطَّرِدًا غَيْرَ مُنْعَكِسٍ ، أَوْ يَدَّعِي انْعِكَاسَهُ وَيَعْتَذِرُ مِنْ مَسْأَلَةِ اللَّبَنَيْنِ بِأَنَّ الْمَانِعَ جَهَالَةُ مِقْدَارِ اللَّبَنِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَيْعِ وَحْدَهُ بِخِلَافِ الْخَلِّ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْهَيْئَةُ التَّرْكِيبِيَّةُ وَلَا يَرِدُ عَلَى طَرْدِ الَّذِي ادَّعَيْنَاهُ خَلُّ التَّمْرِ بِخَلِّ الْعِنَبِ فِي كَوْنِ الْمَاءِ الْخَلِيطِ فِي خَلِّ التَّمْرِ مَقْصُودًا ، لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مَشُوبًا بِالْآخَرِ ، وَهَاهُنَا لَيْسَ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْآخَرِ ، إذْ خَلُّ التَّمْرِ لَا عِنَبَ فِيهِ وَخَلُّ الْعِنَبِ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا تَمْرَ ، وَلَعَلَّكَ تَقُولُ الْكَلَامُ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَيْسَ فِي أَحَدِ اللَّبَنَيْنِ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْآخَرِ وَلَا فِي أَحَدِ الْخَلَّيْنِ . وَإِنَّمَا مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَاءٌ . فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَانِعَ فِي الْخَلَّيْنِ كَوْنُهُ مُقَابِلَهُ خَلًّا . وَأَمَّا الْمَاءُ فِي الْخَلِّ لَا يُقْصَدُ تَمْيِيزُهُ . وَهَذَا الْمَعْنَى نَفْسُهُ حَاصِلٌ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ بِحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ ، وَإِنْ كَانَ الْخَلِيطُ فِي كُلِّ طَرَفٍ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي التَّمْيِيزِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَإِنْ قُلْتُ ) إذَا بَاعَ الْقَمْحَ بِالْقَمْحِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا شَعِيرٌ قَدْ خُلِطَ بِهِ وَعُرِفَ مِقْدَارُ الْخَلِيطَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجَ الصِّحَّةُ فِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ 277 بِمُدٍّ [ وَدِرْهَمٍ ] . وَهُمَا مِنْ غَلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَسِكَّةٍ وَاحِدَةٍ . وَرَوَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَمَنْ وَافَقَهُ الصِّحَّةَ . فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رَأْيَ الْمُصَنِّفِ اشْتِرَاطُ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِيمَةِ فَيَنْبَغِي إذَا فُرِضَ اتِّحَادُ قِيمَةِ الشَّعِيرِ مَعَ قِيمَةِ الْقَمْحِ أَنْ يَكُونَ رَأْيُهُ فِي ذَلِكَ الصِّحَّةَ وَهُوَ قَدْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ هَاهُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ صَرِيحًا أَنَّهُ إذَا بَاعَ صَاعَ حِنْطَةٍ وَصَاعَ شَعِيرٍ بِصَاعِ حِنْطَةٍ وَصَاعِ شَعِيرٍ وَصَاعَا الْحِنْطَةِ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَصَاعَا الشَّعِيرِ كَذَلِكَ وَفِيهِ خِلَافٌ . وَإِذَا جَرَى الْخِلَافُ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ الْمُتَمَيِّزَيْنِ فَلَأَنْ يَجْرِيَ فِي الْمُخْتَلِطَيْنِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى ، فَإِنَّ عَدَمَ التَّمْيِيزِ فِي النَّوْعَيْنِ قَدْ جُعِلَ عُذْرًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الصَّاعِ الْمُخْتَلِطِ مِنْ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ بِمِثْلِهِ [ مِنْ الْجَيِّدِ ] وَبِالرَّدِيءِ . وَإِنْ كَانَ فِي الْجِنْسَيْنِ لَمْ يُغْتَفَرْ كَالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ وَالشَّهْدِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِذَا جَرَى الْخِلَافُ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ عِنْدَ التَّمْيِيزِ فَلَأَنْ يُجْرَى مَعَ الِاخْتِلَاطِ أَوْلَى .
( قُلْتُ ) لَك حَقٌّ ، وَالْعُذْرُ عَنْ الشَّيْخِ فِي إطْلَاقِهِ أَنَّ الْغَالِبَ فِي قِيمَةِ الشَّعِيرِ لَا تَكُونُ مُسَاوِيَةً لِقِيمَةِ الْقَمْحِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُلْزِمُ ذَلِكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَمُوَافِقِيهِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا الْمُوَافَقَةَ فِي الْقِيمَةِ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ الْمَضْمُومَيْنِ فِي الْعِوَضِ الْوَاحِدِ ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ ، بَلْ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ كُلِّ عِوَضٍ وَمَا يُمَاثِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ الْآخَرِ مُتَسَاوِيَيْنِ ، وَإِذَا كَانَ الشَّعِيرَانِ وَالْحِنْطَتَانِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ لَزِمَهُمْ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا أَطْلَقُوا الْمَنْعَ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الشَّعِيرِ الْمَضْمُومِ إلَى الْحِنْطَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَائِدَةٌ أُخْرَى ) نَبَّهَ عَلَى الْكَلَامِ فِيهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ ، قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّعِيرَ إذَا كَانَ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِهِ بِمِثْلِهَا وَبِالْخَالِصَةِ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ تَمْيِيزُهُ لَا يَضُرُّ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْجِنْسَيْنِ ، وَاقْتَضَى كَلَامُ الْإِمَامِ شَبِيهَ ذَلِكَ بَيْعَ الْمُخْتَلِطِ بِالزُّبْدِ فَإِنَّ مَا فِي الزُّبْدِ مِنْ الرَّغْوَةِ الْمُمَاثِلَةِ لِلْمَخِيضِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ ، وَالزُّبْدُ وَالْمَخِيضُ بَعْدَ نَزْعِ زُبْدِهِ يَخْتَلِفَانِ فَلَمْ يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ ، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ وَغَيْرَهُ حَكَوْا عَنْ 278 أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِالْمُخْتَلِطِ ، لِأَنَّ فِي الزُّبْدِ شَنَانُ الْمَخِيضِ وَكَذَلِكَ حَكَوْا فِي بَيْعِ الزُّبْدِ بِالزُّبْدِ وَجْهَيْنِ . قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : فَقِيَاسُ الشُّبْهَةِ يَقْضِي أَنْ يَأْتِي وَجْهٌ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ ، كَقَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي بَيْعِ الْمُخْتَلِطِ بِالزُّبْدِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ رَدُّوا عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ هُنَاكَ أَنَّ مَا فِي الزُّبْدِ مِنْ الْمَخِيضِ لَا يَظْهَرُ ، وَقَاسَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ عَلَى بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ ، وَفِيهِمَا قَلِيلٌ مِنْهُ ، وَالتَّخَارِيجُ الْمَذْهَبِيَّةُ إنَّمَا تَطَّرِدُ فِي أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ . أَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي لِلْأَصْحَابِ فَلَا يَلْزَمُنَا طَرْدُهَا ، بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ صَاحِبَهَا ، فَإِنْ طَرَدَهَا وَكَانَ لَهُ جَوَابٌ فَارَقَ ، وَإِلَّا تَبَيَّنَ ضَعْفُ قَوْلِهِ ، وَلَيْسَ يَسُوغُ أَنْ يُؤْتَى إلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ مَرْدُودٍ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَلَى تَعْلِيلٍ حُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ عَلَّلَ بِهِ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الزُّبْدِ بِاللَّبَنِ كَمَا سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَدَّ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ التَّعْلِيلِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : إنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الشَّرْحِ فَيُوجَدُ وَجْهٌ مِثْلُ هَذَا يَثْبُتُ بِهِ خِلَافٌ فِي مَسْأَلَةٍ مَجْزُومٍ بِهَا ، بَلْ يُرَدُّ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَجْزُومِ بِهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ نَعَمْ حَكَوْا فِي بَيْعِ الزُّبْدِ بِالزُّبْدِ وَجْهَيْنِ ، وَالْوَجْهُ الْقَائِلُ بِالْفَسَادِ نَاظِرٌ إلَى أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ اللَّبَنِ يَمْنَعُ الْمُمَاثَلَةَ . وَهُوَ مَوْزُونٌ فَلَا يُغْتَفَرُ فِيهِ . وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَيْسَ كَمُدْرَكٍ أَبِي إِسْحَاقَ فِي بَيْعِ الزُّبْدِ بِالْمَخِيضِ ، وَلَا يَلْزَمُ طَرْدُهُ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِي الْكَيْلِ بِمِثْلِهَا وَلَا بِالشَّعِيرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَقَدْ نَبَّهَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ الْمَأْكُولِ مِنْ صِنْفَيْنِ شِيبَا فِي الْأُمِّ قَالَ فِي آخِرِهِ : كُلُّ مَا شَابَهُ غَيْرُهُ فَبِيعَ وَاحِدٌ مِنْهُ بِوَاحِدٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَإِنْ بِيعَ كَيْلًا بِكَيْلٍ فَكَانَ مَا شَابَهُ يَنْقُصُ مِنْ كَيْلِ الْجِنْسِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ . ثُمَّ قَالَ : وَهِيَ مِثْلُ لَبَنٍ خَلَطَهُ مَاءٌ أَوْ لَمْ يَخْلِطْهُ يَعْنِي فَيَمْتَنِعُ ( قُلْتُ ) وَهَذَا الْكَلَامُ يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُخْتَلِطَ بِاللَّبَنِ لَوْ كَانَ يَسِيرًا جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْكَيْلِ صَحَّ ، فَإِنَّ اللَّبَنَ مَكِيلٌ عَلَى الصَّحِيحِ .
279 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) إذَا خَلَطَا نَوْعًا بِنَوْعٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَبَاعَهُ بِنَوْعٍ مِنْهُ كَمَعْقِلِيٍّ بِبَرْنِيِّ أَوْ قَمْحٍ صَعِيدِيٍّ بِبَحْرِيٍّ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنْ الْآخَرِ ، فَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ حَيْثُ نَقُولُ بِالصِّحَّةِ فِي الْجِنْسَيْنِ ، بِأَنْ يَكُونَ الْخَلِيطُ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، كَمَا إذَا بَاعَ مَعْقِلِيًّا بِبَرْنِيِّ فِيهِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ الْمَعْقِلِيِّ لَا يُقْصَدُ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ، وَحَيْثُ نَقُولُ بِالْبُطْلَانِ فِي الْجِنْسَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ الْخَلِيطُ مَقْصُودًا ، فَهَاهُنَا يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ ( قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ ) وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ ، وَيَأْتِي فِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ ظَاهِرًا يُرَى مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ لَمْ يَجُزْ ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ الْخَلِيطِ مُوجِبًا لِتَفَاوُتِ الْكَيْلِ فِيمَا اخْتَلَطَ بِهِ وَمُقَابِلَهُ ، لِأَنَّ الْخَلِيطَ هُنَا مِنْ الْجِنْسِ مُعْتَبَرٌ فِي الْكَيْلِ أَيْضًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث