المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5874 · ص. المطبوع 282 · الشرح
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ) بَيْعُ الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالْعَسَلِ الَّذِي فِيهِ شَمْعٌ ، وَقَدْ نَصَّ 282 الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأُمِّ قَالَ : وَلَا يُبَاعُ عَسَلٌ بِعَسَلٍ إلَّا مُصَفَّيَيْنِ مِنْ الشَّمْعِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْعَ غَيْرُ الْعَسَلِ ، فَلَوْ بِيعَ وَزْنًا وَفِي أَحَدِهِمَا الشَّمْعُ كَانَ الْعَسَلُ أَقَلَّ مِنْهُ قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ وَزْنًا ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَمْعٌ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْعَسَلِ وَمِنْ وَزْنِ الشَّمْعِ مَجْهُولًا ، لَا يَجُوزُ مَجْهُولٌ بِمَجْهُولٍ ، وَقَدْ يَدْخُلُهُمَا أَنَّهُمَا عَسَلٌ بِعَسَلٍ مُتَفَاضِلًا . وَكَذَلِكَ لَوْ بِيعَا كَيْلًا بِكَيْلٍ . وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ وَعَلَّلُوهُ بِعِلَّتَيْنِ ( إحْدَاهُمَا ) مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ التَّفَاضُلِ وَالْجَهْلِ بِالتَّمَاثُلِ ( وَالْأُخْرَى ) أَنَّهُ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي قَوْلِهِ : مُصَفَّيَيْنِ . هَلْ الْمُصَفَّيَانِ بِالشَّمْسِ أَوْ بِالنَّارِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي بَيْعِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ . وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَلَيْسَ الْغَرَضُ الْآنَ إلَّا مَنْعَ بَيْعِهِمَا وَفِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا شَمْعٌ وَسَأَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْقِيقَ الْقَوْلِ فِي أَنَّ الْعَسَلَ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ عِنْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لَهُ قَبْلَ آخِرِ الْبَابِ بِفَصْلَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ اشْتَرَكَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ الَّتِي فَرَضَهَا الْمُصَنِّفُ فِي عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ . وَهِيَ حَقِيقَةُ الْمُفَاضَلَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي عِلَّتِهِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَوْزُونَ مِنْهَا كَالْفِضَّةِ وَالْعَسَلِ - إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ مَوْزُونٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْمُخَالَطُ ، سَوَاءٌ كَانَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا وَأَمَّا الْمَكِيلُ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَسَلِ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ مَكِيلٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْخَالِصَةَ لَا تُبَاعُ بِالْمَشُوبَةِ . وَكَذَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا حَكَيْتُهُ الْآنَ مِنْ لَفْظِهِ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ فِي الْعَسَلِ ، وَإِطْلَاقُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَجَمَاعَةٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَقَدْ عَرَفْتَ تَقْلِيدَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ . وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالزُّوَانِ ، وَمَسْأَلَةَ الْعَسَلِ مَنْصُوصَةٌ وَمَا سِوَاهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَالْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ بَيْعُ الْمَشُوبِ بِالْمَشُوبِ مُشْتَرَكَةٌ فِي عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ إنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ الْغِشِّ ، وَقَدْ يُعْلَمُ ، وَتُحَقَّقُ الْمُفَاضَلَةُ أَوْ تُجْهَلُ الْمُمَاثَلَةُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي تَقَدَّمَ فِي قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ . وَمَسْأَلَةُ 283 الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالزُّوَانِ بِمِثْلِهَا مُشَارٌ إلَيْهَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ، حَيْثُ مَنَعَ أَنْ تُبَاعَ بِالْمُخْتَلِطَةِ بِالتِّبْنِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَا الْمَاوَرْدِيُّ : صُورَةُ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ كَثِيرًا . أَمَّا إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُتَبَيَّنُ فِي الْمِكْيَالِ فَيَجُوزُ . صَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَتَأْوِيلُ مَا يُتَوَهَّمُ مُخَالَفَتُهُ لَهُ ، وَمَسْأَلَةُ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ بِمِثْلِهَا لَمْ أَرَهَا مَنْصُوصَةً لَكِنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَالنَّصُّ فِي الْقَصْلِ وَالزُّوَانِ وَالتِّبْنِ دَالٌّ عَلَيْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ كَثِيرًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ ، أَمَّا إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يَظْهَرُ فِي الْمِكْيَالِ ، فَلَا بَأْسَ . وَمَسْأَلَةُ الْفِضَّةِ الْمَغْشُوشَةِ بِالْفِضَّةِ الْمَغْشُوشَةِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا ، وَأَنَّهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأَصْحَابِ . وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ الْمَغْشُوشُ بِالذَّهَبِ الْمَغْشُوشِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : وَهَكَذَا دِينَارٌ نَيْسَابُورِيٌّ بِدِينَارٍ نَيْسَابُورِيٍّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ الْغِشُّ . وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْوَسِيطِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَبَيْعُ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ بِالْهَرَوِيِّ عَيْنُ الرِّبَا . قَالَ : وَبَيْعُ الذَّهَبِ الْهَرَوِيِّ بِالْوَرِقِ بَاطِلٌ ، فَإِنَّ النَّقْرَةَ فِي الْهَرَوِيِّ مَقْصُودَةٌ ( قُلْتُ ) وَالْهَرَوِيُّ نَقْدٌ فِيهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ، وَالنَّيْسَابُورِيّ ذَهَبٌ خَالِصٌ .
( فَرْعٌ ) بَيْعُ الذَّهَبُ الْهَرَوِيِّ بِالذَّهَبِ الْهَرَوِيِّ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغِشِّ . قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ . وَهَذَا بَيْعُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ لَا يَجُوزُ . قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْهَرَوِيِّ بِالْهَرَوِيِّ : إنَّ قِيَاسَ الْوَجْهِ الذَّاهِبِ إلَى جَوَازِ بَيْعِ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ مِنْ سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ وَنَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَجُوزُ بَيْعُ الْهَرَوِيِّ بِمِثْلِهِ ، إذَا كَانَ مِقْدَارُ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فِيهِ مَعْلُومًا وَالنَّوْعُ وَاحِدًا وَالسِّكَّةُ وَاحِدَةً ، إلَّا أَنْ يُقَالَ : الدِّرْهَمُ وَالْمُدُّ بِالدِّرْهَمِ وَالْمُدِّ مَعْلُومَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمُشَاهَدَةِ وَالْمُقَابَلَةِ فِي الْهَرَوِيِّ بِمِثْلِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، فَإِنَّ النَّارَ عِنْدَ الضَّرْبِ قَدْ تُذْهِبُ مِنْ أَحَدِ الْجَوْهَرَيْنِ أَكْثَرَ مِمَّا تُذْهِبُهُ مِنْ الْآخَرِ ، فَلَا يَأْتِي الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ .
( قُلْتُ ) وَجَزْمُ الْأَصْحَابِ بِجَوَازِ بَيْعِ الْفِضَّةِ الْمَضْرُوبَةِ بِمِثْلِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ 284 لَا أَثَرَ لِتَأْثِيرِ النَّارِ فِيهَا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا أَثَرَ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَأْتِيَ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّرَ هَلْ النَّارُ تَأْخُذُ مِنْ جَوْهَرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ شَيْئًا عِنْدَ الضَّرْبِ أَمْ تُخَلِّصَهُمَا فَقَطْ ؟ فَإِنْ كَانَتْ تَأْخُذُ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَلَا ، وَمَسْأَلَةُ الْعَسَلِ الَّذِي فِيهِ شَمْعٌ بِالْعَسَلِ الَّذِي فِيهِ شَمْعٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ . وَالْأَصْحَابُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ شَهْدٌ بِشَهْدٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ سُؤَالًا وَجَوَابًا . فَقَالُوا ( إنْ قِيلَ ) أَلَيْسَ يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَفِيهِمَا النَّوَى ؟ وَهَكَذَا اللَّحْمُ بِاللَّحْمِ الطَّرِيِّ إنْ جَوَّزْنَا ؟ وَالْقَدِيدُ كَمَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَفِيهِمَا الْعَظْمُ ؟ ( قِيلَ ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ بَقَاءَ النَّوَى فِي التَّمْرِ مِنْ صَلَاحِ التَّمْرِ ، لِأَنَّهُ إذَا نُزِعَ مِنْهُ النَّوَى لَا يَدُومُ بَقَاؤُهُ كَمَا وَفِيهِ النَّوَى ، وَهَذَا الْفَرْقُ جَوَابٌ عَنْ النَّوَى وَالْعَظْمِ مَعًا ، وَالْأَوَّلُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي النَّوَى . وَأَمَّا الْعَظْمُ فَزَعَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ اللَّحْمِ ، وَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ ، فَالْجَوَابُ الثَّانِي كَافٍ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي مَكَان آخَرَ : إنَّ بَقَاءَ الْعَظْمِ فِي اللَّحْمِ مَفْسَدَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّمْعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَسَلِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ النَّوَى وَالْعِظَامَ غَيْرُ مَقْصُودَيْنِ وَلَا قِيمَةَ لَهُمَا فِي الْغَالِبِ ، وَلِهَذَا يُرْمَى بِهِمَا ، فَلَمْ يُجْعَلْ كَأَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا وَشَيْئًا آخَرَ بِتَمْرٍ ، وَالشَّمْعُ لَهُ قِيمَةٌ فَإِذَا بِيعَ مَعَ الْعَسَلِ كَانَ رِبًا أَوْ لَحْمًا وَشَيْئًا آخَرَ بِلَحْمٍ ، وَبِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَرَّقْنَا بَيْنَ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرَيْهِمَا ، وَبَيْنَ الْعَسَلِ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَيْضًا فَرْقًا بَيْنَ الشَّهْدِ وَاللَّبَنِ حَيْثُ جَوَّزُوا بَيْعَ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ وَإِنْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى السَّمْنِ وَالْمَخِيضِ ، بِأَنَّ الشَّمْعَ غَيْرُ مُخَامِرٍ لِلْعَسَلِ فِي أَصْلِهِ ، فَإِنَّ النَّحْلَ يَنْسِجُ الْبُيُوتَ مِنْ الشَّمْعِ الْمَحْضِ ، ثُمَّ يُلْقِي فِي خَلَلِهِ الْعَسَلَ الْمَحْضَ ، فَالْعَسَلُ مُتَمَيِّزٌ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ يَنْشَارُ الْعَسَلُ بِخَلْطِهِ بِالشَّمْعِ بَعْضَ الْخَلْطِ بِالتَّعَاطِي وَالضَّغْطِ ، وَلَيْسَ اللَّبَنُ كَذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) بَيْعُ الشَّمْعِ بِالْعَسَلِ الْمُصَفَّى وَغَيْرِ الْمُصَفَّى جَائِزٌ ، لِأَنَّ الشَّمْعَ لَيْسَ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا . قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
285 وَمَسْأَلَةُ الطَّعَامِ الْمُخْتَلَطِ بِالتُّرَابِ الْقَلِيلِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَطْبَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا كَانَ التُّرَابُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ عَلَى الْمِكْيَالِ فَلَا يَمْنَعُ تَمَاثُلَ الْقَدْرِ . فَأَمَّا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ مُيِّزَ ظَهَرَ نُقْصَانُهُ عَلَى الْمِكْيَالِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَوَالِدُهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْغَزَالِيُّ لِلتَّفَاضُلِ أَوْ الْجَهْلِ بِالتَّمَاثُلِ ، وَعِلَّةُ الْبُطْلَانِ هَهُنَا إمَّا الْمُفَاضَلَةُ أَوْ الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ خَاصَّةً ، وَلَا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِقَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ ، لِأَنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ مُنْبَسِطًا عَلَى صُبْرَةٍ انْبِسَاطًا وَاحِدًا عَلَى تَنَاسُبٍ فَبِيعَ صَاعٌ مِنْهَا بِصَاعٍ فَالْمُمَاثَلَةُ مُحَقَّقَةٌ وَلَكِنَّ هَذَا غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ ، فَإِنَّ التُّرَابَ لَا يُبْسَطُ عَلَى تَنَاسُبٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُ يَنْسَلُّ مِنْ خَلَلِ الْحَبَّاتِ يَطْلُبُ السَّفَلَ ، وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ التُّرَابُ فِي أَسْفَلِ الصُّبْرَةِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَمِنْ تَمَامِ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ النُّقْصَانُ ، فَإِنْ كَانَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ بِحَيْثُ لَوْ مُيِّزَ التُّرَابُ مِنْهُ لَمْ يَبِنْ النُّقْصَانُ صَحَّ الْعَقْدُ . وَإِنْ وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى مِقْدَارٍ لَوْ جُمِعَ تُرَابُهُ لَمَلَأَ صَاعًا أَوْ أَصْعَاءَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فَإِنْ اُسْتُبْعِدَ مَنْ لَمْ يُحِطْ بِأَصْلِ الْبَابِ تَجْوِيزُ الْبَيْعِ فِي الْقَلِيلِ وَمَنْعُهُ فِي الْكَثِيرِ لَمْ يُبَالَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِثْلُ التُّرَابِ الْمُخْتَلِطِ بِالْحِنْطَةِ دُقَاقُ التِّبْنِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمْ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ التُّرَابُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ بَيْنَ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ بِالْخَالِصِ عَنْهُ بَيْنَهُمَا ، لِأَنَّ الْمُدْرَكَ كَوْنُهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْكَيْلِ وَلَا مَانِعَ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ ، وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلْقِسْمَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمَسْأَلَةُ الْمَوْزُونِ الْمُخْتَلَطِ بِقَلِيلٍ مِنْ التُّرَابِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَا مِنْ الْأَصْحَابِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنُ دَاوُد وَأَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجَمِيعُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ، وَلَمْ يَفْصِلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ عَنْ صَاحِبِ الْإِفْصَاحِ أَنَّهُ قَالَ : إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمِيزَانُ كَبِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْقَرَارِيطُ وَالدَّوَانِيقُ ، فَهَذَا كَالْكَيْلِ ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ ، فَإِنَّهُ إذَا فُرِضَ أَنَّهُ خَالَطَهُ مَا لَا يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ كَانَ كَمَا لَا يَظْهَرُ فِي الْكَيْلِ . أَلَا تَرَى أَنَّ مَوَازِينَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَظْهَرُ فِيهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الَّذِي 286 قَدْ لَا يَظْهَرُ فِي مِيزَانِ الْأَرْطَالِ ؟ وَمِيزَانُ الْأَرْطَالِ يَظْهَرُ فِيهَا مَا لَا يَظْهَرُ فِي الْقَبَّانِ وَلَعَلَّ الْأَصْحَابَ إنَّمَا أَطْلَقُوا ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِغَالِبِ الْمَوَازِينِ ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَوْزُونِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ مَطْعُومًا كَحَبِّ الرُّمَّانِ وَالسُّكَّرِ وَشِبْهِهِ ، قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَلَوْ بَاعَ الزَّعْفَرَانَ بِالزَّعْفَرَانِ وَزْنًا وَفِي إحْدَى الْكِفَّتَيْنِ يَسِيرُ تُرَابٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ الْمَعْجُونَاتُ وَالْمَخْلُوطَاتُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ حُكْمُهُ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْبُطْلَانِ . ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث